الديمقراطية

  • كادوريم رئيسًا: ديمقراطيّة البطون الخاوية والعقول الفارغة ! lomPLacD ثلاثاء, 12/15/2020 - 10:34 كادوريم رئيسًا" أو ديمقراطيّة البطون الخاوية والعقول الفارغة !


    يبدو أنّ "الماكينة الدعائيّة" إيّاها، أي تلك المختصّة في تثبيت كلّ "الظواهر الشاذّة" أو الطارئة على المشهد السياسي داخل وجدان التونسيين، تمهيدًا لشراء أصواتهم وذممهم، قد تحرّكت مجدّدًا من خلال تقديم نموذج فنّان "الرّاب"، وصاحب الثروة المهولة، كريم الغربي أو "كادوريم"، كشخصية كاريزميّة، خيّرة ومعطاءة قادرة على تحقيق أحلام التونسيين.
     فالرّجل تعهد في أحد برامج تليفزيون القمامة، وتحت أنظار مقدم البرنامج الذي راح يوزع آهات الإعجاب والتثمين ببلاهة أو بتخابث، بترميم كلّ مستشفيات البلاد وتجهيزها وبناء المدارس وتأسيس منصّة رقمية عملاقة، فضلاً عن تقديم المساعدات العينية لـ"الفقراء" و"المحتاجين" (نطالبُ بإدراج مصطلح "الزاوولة" أي المساكين في معجم المصطلحات السياسية الدوليّة) ووعود أخرى لا يصدّقُ "طيبتها" و"براءتها" إلاّ رجل أبله أو مجنون.
     أجل، عادت الماكينةُ إيّاها إلى الاشتغال مستغلّة ضعف الدولة ومؤسساتها وعجز سياسييها عن إيجاد الحلول لأزمات البلاد المتفاقمة، لإعادة إنتاج ظاهرة شراء الذمم والأصوات، وتدليس إرادات التونسيين. والواقع أنّ جزءًا عظيمًا من هذا الشعب لم يتعلّم قطّ من أخطائه السّابقة، ولن يتعلّم أبدًا، طالما أنّه يقبلُ أن يُدلَّس عليه، ويمنح مفتاحهُ لمن يغيّب عقله، ويعمي بصيرته، ويتلاعبُ به، ويرقّصهُ إن لزم الأمرُ، كما يرقّصُ حواة الهنود أفاعي الكوبرا تحت أنظار المارّة!

    في مثالب ديمقراطية الشكل..

    وقبل أن نتحدّث عن كادوريم، تجدرُ الإشارة إلى أنّ الديمقراطيّة نفسها قد تتحوّلُ إلى شرٍّ مطلقٍ، في أزمنة الجوع والجهل والأعطاب النفسيّة، بمعنى أن الديمقراطية التي لا تحتكم إلى بنى عقليّة ومنطقية متطوّرة، تصبحُ صندوق باندورا تخرجُ منهُ كلّ الآثام والشرور. فالديمقراطيّة أوصلت مجنونًا دمويّا كأدولف هتلر إلى الحكم بعد  أن استغلّ أوضاع الألمان الاقتصادية المتدهورة ومشاعرهم المريرة إثر هزيمتهم في الحرب الكونية الأولى، والديمقراطية أوصلت شعبوييّ أوروبا والولايات المتحدة إلى مراكز القرار، بل إن الديمقراطية في هايتي جعلت من السحر الأسود أو الفودو ديانةً رسميّة في البلاد، وغير ذلك من الأمثلة كثير .. وبالتأكيد، لا تتحوّلُ الديمقراطيّةُ نفسها إلى شرّ مطلق إلاّ تحت سماء ينتشرُ فيها الجهل، والفقرُ والغضب واليأس والإحباط والفسادُ والإراداتُ المسلوبة، ومن ثمّة تصبحُ مطيّة لكلّ من "هبّ ودبّ" لكي يتصدّر المشهد شرط أن تفيض خزائنهُ على الجميع. ألم تتحوّل المافيا الصقلّية إلى دولةٍ داخل الدولة بسبب تواطؤ السكان وانتفاعهم بأموال المجاميع الإجرامية؟ ألم ينتعش الإرهابُ في قرانا وجبالنا التونسية بسبب تواطؤ بعض الأهالي وبيع ذممهم مقابل مبالغ فلكيّة؟
    في تونس، لن نعدم الأمثلة على صعود تجّار الشنطة على ظهور الجياع والمغفّلين. فحركة النهضة مثلاً وظّفت الدين و"الشوكوطوم" في انتخابات 2011، حالها في ذلك حال نجيب الشابي و"سندويتشاته" والهاشمي الحامدي و"وعوده" والمنصف المرزوقي و"تونس الخيرية"، إلخ.. وهو ما تكرّر في انتخابات 2014، قبل أن تصل الظاهرة إلى ذروتها في انتخابات العام 2019، مع قلب تونس وجمعية "خليل تونس"، وألفة الترّاس وأعمالها الخيرية، وحركة النهضة وقفاف الفقراء، وتحيا تونس والأموال المرصودة لشراء الذمم، وغير ذلك من الأمثلة كثير!
    وللأمانة، حين تحدّثنا في مقال يوم أمس عن الديمقراطية الشكليّة أو الشكلانيّة، فإننا كنّا نقصدُ تحديدًا آليات عمل الديمقراطية التونسية الناشئة، وهي آليات تشتغلُ على "القشرة" لا "المضمون"، من ذلك مثلاً أنّ هذا "الناخب التونسي" الذي صفق له العالم طويلاً بعد ثورة غير مسبوقة، ثورة بهيجة ومبتهجة وزكيّة الرائحة، يطلبُ منهُ في كلّ موسمٍ انتخابيّ أن يشارك في القرار السياسي، فتنظم له الحملات التحسيسية حول أهمية المشاركة في صنع القرار، ودوره الفعال في بناء مؤسسات الدولة، وأهمية صوته، بل يقالُ له أيضا إن صمته نقصدُ صوتهُ أمانة ومسؤولية، حدّ تحذيره من مغبّة السقوط في فخّ الرشوة الانتخابية وبيع ذمته وهو سلوك مدانٌ أخلاقيا ودينيا، ويعاقبُ عليه القانون.. كلُّ هذا رائع وجميل.. بيد أننا نفاجئ في ما بعد بصعود الفاسدين والمرتشين والشعبويين والمهرّبين وجلادّي الماضي والحاضر، والنطيحة والعرجاء وما ترك السّبعُ إلى قبّة البرلمان، وبعدها بأشهرُ يشرعُ هذا "الناخبُ" عينه إيّاه في لطم وجهه على تردّي أوضاع البلاد، ومن ثمّة تتحرّكُ ماكينة الاحتجاج.. فهل تعلّموا الدرس؟ لا، البتّة!

    “كادوريم” رئيسا.. لم لا !

    والحقّ أنّ هنالك الكثير مما يمكن أن يقال عن الناخب التونسي، ولكن لا المقام والأعصاب يسمحان بذلك، غير أن أهم ما يعنينا هو شراء الذمم والأصوات واستعداد بعض التونسيين، وهو استعدادٌ فطريّ بلا شكّ، لتقديم نفسه لقمة لقمة سائغة لهذه الجمعية أو تلك، أو هذا التيار السياسي أو ذاك، أو أولئك الذين يقبلون على تقديم الصدقات والتبرعات والمعونات وطرود الدعم للمحتاجين، تحت عدسات الكاميرا، ما يعدُّ رشوةً واضحة لا لبس فيها، وهذا في حكم القانون جريمة "لما فيها من إخلال بمبدأ حرية التصويت"، بل إنها تتجاوز منطق تدليس إرادة الناخبين إلى ما هو أخطر وهو تمزيق نسيج المجتمع الأخلاقي وقيمه، ذلك أنّ من يقبل ببيع صوته ليملأ بطنهُ هو عملياً يبيع وطنه !
    في هذا الإطار وحدهُ تتنزّلُ ظاهرة مغنّي الرّاب (لديه خمس أغاني أو ستّ فقط) كريم الغربي أو "كادوريم"، الذي تخلّى عن ملابس فناني الراب الباهظة والغريبة وارتدى بذلة سوداء ومعها قناعُ "رجل الخير المعطاء والوطنيّ الغيور". يقولُ الرّجل عن نفسه أنّه عصامي التكوين، هاجر في سنّ صغيرة، وكوّن ثروة مهولة من فنّ "الراب" ومشاريع أخرى (هكذا) دون أن يثبت مصادر ثروتهِ. فلا هو بالمغني المعروف عالميّا أو محليّا، ولا هو خريج من "السيليكون فالاي" أو من جامعة عالمية مرموقة مختصة في التكنولوجيات الحديثة (باعتبار أن هذا القطاع تحديدًا هو ما أطاح بقطاع النفط والطاقة من عرش الثروات المهولة)، ولا هو بالشخصية القادرة على تكوين "جملة مفيدة". كلّ ما نعرفه عن الرّجل للأمانة أن مصادر ثروته مجهولة، وأن اسمه ارتبط بعدد من فنانات الإثارة قبل أن يصاهر الرّئيس الرّاحل ويتزوّج ابنته، مع مشاهد تمثيلية بأربع دقائق في سلسلة بوليسية هزليّة عرضتها قناة التاسعة في أحد المواسم الرمضانيّة!
    قد يقولُ بعضهم إنّ الرّجل لم يعلن عن نيته في خوض غمار العمل السياسي، وأنه منكبٌّ على فعل الخير (دوما امام عدسات الكاميرا وعلى صفحات التواصل الاجتماعي) وأنّ هذا المقال برمّته، مقال مأجورٌ، ومدفوعٌ بروح انتقاميّة من كلّ "قصة نجاح تونسيّة"، ولكن التجربة علّمتنا ألا نثق في بطوننا وإنّما في عقولنا، وألا نرى أساور الذهب بل المعاصم التي ترتديها، وألا نرابط عند "القشرة" بل ننفذُ إلى ما عميق في الأشياء. في الحقيقة، لا نحتاجُ إلى رؤية الرشوة لكي نشمّ رائحتها، أو مشاهدة برنامج تلفزيّ على نحو عرضيّ لكي نقف على ما وراء تلك "الدعاية المسقطة"، دعاية تذكّرنا بما فعلهُ ويفعلهُ بنا كلّ من صعد إلى الحكم بالتدليس وشراء الذمم والأصوات.  
    لا أظن بأننا في حاجة على الصعيد الديني إلى التذكير بكل ما يثبت بأن الرشوة حرام، لا تختلف عن بقية المحرمات، أو بقول الرسول الكريم "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش"، كما لا نرى ثمة حاجة للتعريف المفصل لمفهوم الرشوة الانتخابية، يكفى أن نعلم أن هذه الرشوة تعني تقديم المترشح أو غيره من المندوبين أو الوسطاء لعطيةٍ أو وعدٍ، ذلك بالنسبة للراشي، أما المرتشي فهو الذي أخذ أو طلب أو قبل الفائدة أو الهدية أو العطية أو الوعد بوظيفة أو ترقية أو تحقيق مصلحةٍ مّا!
    وإن كان جزء من الناخبين يتعاملون مع الرشوة بحسن نية إذ يعتبرونها من قبيل المساعدة والمعونة، فإننا لا نحتاجُ إلى أدلّة لكي نثبت أنّ جزءا من شعبنا لم يتعلّم من أخطائه بعد، وما يبدو لنا واضحًا، أنه ليس من الوارد أن يتعلّم أخطائه قريبًا...ولهذا كلّه تتكرّرُ مآزق البلاد كاللعنة الأبديّة!
     

     

  • Subscribe to الديمقراطية