العنصرية

  • لماذا تخلّفنا عن معركة إدانة العنصريّة؟ lomPLacD سبت, 06/20/2020 - 11:08 لماذا تخلّفنا عن معركة إدانة العنصريّة؟

     

    أشعلت حادثةُ مقتل جورج فلويد، المواطن الأميركي ذو الأصول الأفريقية، خنقا تحت ركبة شرطيّ أبيض، الحرائق داخل الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يمتدّ لهيبُ الغضب إلى شعوب دول العالم الحرّ، حتّى نافس جائحة كورونا في سرعةِ انتشاره. ولئن عرّى الحدثُ الأمريكيُّ الخالصُ القناع عن الوجه الآخر لديمقراطية العمّ سام، ذلك الوجه الخبيث والقبيح، فإنُّهُ وخز الضمير الإنسانيّ برمّتهِ، ونبّههُ إلى أن أقدم قضيّة إنسانية عالميّة لم تحلّ بعد، بل ظّلت وصمة عارٍ تلاحقُ شعوب العالم أجمع، بما في ذلك الشعوب العربيّة والإسلاميّة.

    غير أنّ ما يثيرُ الحيرة هو صمتُ التونسيين واكتفائهم بالتنديد "البارد" على الحدثِ الأمريكيّ وكأننا غير معنيّون بهذه القضيّة التي اختفت تحت ركام القضايا الاقتصادية والإجتماعيّة. ولعلّ ما يثيرُ الاستغراب أكثر هو اكتفاء ناشطي حقوق الإنسان والجمعيات المدنية والأهلية والسياسيين وجزء من المواطنين بمنشورات فايسبوكيّة جافّة، كما لو أننا حسمنا المعركة مع قضيّة حقيقية ما تزالُ تلقي بظلالها القبيحة على علاقتنا الاجتماعية، بل وتدمغُ سلوكياتنا اليوميّة حتّى وإن تمترسنا وراء الإدانةِ العاجزة والتعاطف البارد.

    لماذا نتحدّثُ عن تخلّف تونس تحديدَا عن معركة الإدانة الدوليّة لما حدث في الولايات المتحدة الأمريكيّة؟ في الواقع ثمّة أكثر من سبب يجيزُ هذا التساؤل، لاسيّما أن تونس لطالما شكّلت استثناءً عالميّا جميلاً في مجال حقوق الإنسان، على الأقلّ في الجانب التشريعيّ.

    وههنا تحديدًا، يتعيّن علينا أن نذكّر أنفسنا قبل تذكير دول العالم، بأنّ بلادنا من أوائل الدول التي  تلغي الرّق منذ منتصف القرن التاسع عشر، حين أصدر أحمد باي الأول في 6 سبتمبر 1841 أمراً يقضي بمنع الاتجار في الرقيق وبيعهم في أسواق المملكة، كما أمر بهدم الدكاكين التي كانت معدة لجلوس العبيد بالبركة ثم أصدر أمراً في ديسمبر 1842.

    يعتبر من "يولد بالتراب التونسي حراً لا يباع ولا يشترى”، قبل أن يصدر الأمرُ العليّ بتاريخ 29 ماي 1890 والذي أنهى العبوديّة تماما في تونس. ويتواصلُ الاستثناء التونسي، ففي سابقة تاريخيّة في العالم العربيّ، صادق البرلمان التونسيّ في العام 2018 على أوّل قانون يجّرم العنصريّة. ولم تكتف تونس بهذه السابقة العربيّة، إذ أقدم القضاء التونسي في أوّل سابقة في تاريخ البلاد على إدانة سيّدة تهجمت على مدرس ونعته بأوصاف عنصرية، وأصدرت ضدّها حكما بالسجن لمدة 5 أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية قدرها 400 دينار بعد نعتها للمدرّس بأوصاف عنصرية على خلفية بشرته السوداء.

    بيد أنّ الاستثناء التشريعيّ، مازال يقابلهُ صمتُ مجتمعيّ ما يزالُ في حالة إنكار، ويرفضُ الاعتراف بوجود ممارسات عنصريّة تقسّم التونسيين حسبَ درجاتهم "اللونيّة"، ممارسات تصلُ إلى التمييز في فرص العمل، وفي فرص التعليم، وفي التعيينات الوزاريّة والمناصب الكبرى في البلاد وغيرها من المجالات، رغم أنّ السود التونسيين يشكلون شريحةً عددية معتبرة في البلاد.

    لماذا تخلّفنا عن معركة إدانة العنصريّة؟

     

    وبخصوص هذا، دعونا نتّفقُ على أمرٍ واحد على الأقلّ، وهي أن الثورة التونسيّة لم تحرّر الألسن والعقول فحسب، ولم تأسس لديمقراطيّة ناشئة وسط بحيرات من الفوضى والحرائق الإقليمية فحسب، وإنّما حرّرت أيضا كلّ "المسكوتِ عنه"، ومن ثمّة لا توجدُ قضايا تحظى بالألويّة على حسابِ أخرى.

    ولهذا السبب تساءلنا عن سرّ تخلّفِ تونس الرسميّة عن إدانة الجريمة العنصرية البغيضة التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، كما فعلت ألمانيا وبريطانيا ودول أخرى، كما تساءلنا عن سرّ تخلّف الشارع التونسي، كغيره من شعوب العالم الحرّ، عن توجيهِ إدانةٍ واضحة للممارسات العنصريّة في العالم، وخصوصا في بلادنا.

    صحيحٌ أنّ لدينا تاريخٌ مشرّف مع إلغاء الرّق، ولدينا مدوّنة تشريعيّة يحسدها علينا العدوّ قبل الصديق، لكنّ هذا كلّهٌ لا يكفي، طالما لم يقع استغلال الغضب العالميّ، للدفع باتجاهِ اقتلاع نبتة كراهية الآخر على أساس عرقه أو دينه أو لونه أو جنسهِ من هذا التراب الذي نحبُّ.

    إنّ الشجاعة الأدبيّة التي تحلّى بها النوابُ قبل عامين ومصادقتهم على قانون يجرّمُ العنصريّة، يجبُ ألا ينسينا أن القانون وحده لا يكفي لتغيير سلوك مجتمعٍ ما. صحيح أنه يشكّل خطوة أولى، على دربِ تغيير المزاج العام، لكن هذه الخطوة يجبُ أن تعقبها خطوات أخرى خصوصا على مستوى المناهج التربوية في اتجاهِ تأصيل ثقافة جديدة تتلاءمُ وشعارات الثورة التونسية، ثقافة تنبذُ العنف والكراهية والعنصرية، و تؤسس لبيئة سليمة خالية من كلّ هذه الأعطاب.

    بالمحصّلة، يعلّمنا جورج فلويد هذا الدرس الفارق: يتعيّن على شعبنا ونخبه إدانةُ ما يحدثُ من جرائم في حقّ الإنسان، في كلّ مكانٍ من العالم، وأنّ مناهضة العنصريّة قولاً وممارسة وسلوكا هي أولويّة كغيرها من الأولويّات، بل هي أحد مداخل إصلاحِ أعطاب مجتمعنا الكثيرة مثل العنف والكراهية والإقصاء والتفرقة على أساس الجنس والانتماء والدين والطائفة والعرق.

    فهل من مستجيب؟

     

  • اليوم العالمي للقضاء على التمييز العنصري KINtEMid جمعة, 03/20/2020 - 09:57 اليوم العالمي للقضاء على التمييز العنصري

     

    اليوم يحتفي العالم بالنضال من أجل القضاء على التمييز العنصري في هذا الفيديو

    Subscribe to العنصرية