إيطاليا

    كأس أوروبا: إيجابيات وسلبيات شهر من التنافس بدءاً من حادث إريكسن إلى تتويج إيطاليا ratEREsc اثنين, 07/12/2021 - 10:15 كأس أوروبا: إيجابيات وسلبيات شهر من التنافس بدءاً من حادث إريكسن إلى تتويج إيطاليا

     

    أراد الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي "ويفا" الفرنسي ميشال بلاتيني للنسخة السادسة عشرة من كأس أوروبا أن تكون احتفالاً يليق بالذكرى الستين للبطولة القارية، وهي كانت كذلك بالفعل حيث تحوّلت ملاعب المدن المضيفة إلى مهرجانات كروية لم تسلم من الحوادث المثيرة.
    وبعد إرجاء لعام بأكمله بسبب تداعيات فيروس كورونا وبعد 51 مباراة توزّعت على 11 مدينة في 11 دولة أوروبية، كان التتويج في نهاية المطاف من نصيب منتخب إيطالي متجدّد بقيادة مدربه روبرتو مانشيني على حساب منتخب إنكليزي "مضيف" لست من مبارياته السبع، من دون أن يستغل ذلك لإنهاء صيام عن الألقاب منذ مونديال 1966.
    وكانت عودة إيطاليا بهذه الحلة المثيرة بعد خيبة الغياب عن مونديال روسيا 2018، من أبرز إيجابيات النسخة السادسة عشرة من النهائيات القارية، إذ عاد "أتزوري" ليلعب دوره بين الكبار، لكن هذه المرة متخلياً عن أسلوبه الدفاعي التقليدي وبنكهة هجومية لافتة لفريق غابت عنه الأسماء الرنانة.
    وبعد 15 عاماً على اللقب الأخير الذي أحرزه "أتزوري" بركلات الترجيح أيضاً على حساب فرنسا في مونديال ألمانيا، عادت البسمة إلى الإيطاليين الذين اسقطوا الإنكليز الأحد في معقلهم "ويمبلي"، بعدما مرّوا في ثمن النهائي ببلجيكا القوية وفي نصف النهائي بإسبانيا التي حرمتهم اللقب القاري عام 2012 باكتساحهم 4-صفر في النهائي.

    منقذو إريكسن 

    وهناك نقطة إيجابية إنسانية أهم بكثير من النتائج والتتويج، بطلها المنتخب الدنماركي والطاقم الطبي بقيادة الطبيب مورتن بويسن الذي تدخل في الوقت المناسب لإنقاذ حياة صانع الألعاب كريستيان إريكسن، بعد تعرضه لأزمة قلبية في المباراة الأولى لبلاده في النهائيات ضد فنلندا (صفر-1).
    وكان لقائد الدنمارك سايمون كاير دوراً حاسماً أيضاً في انقاذ زميله بعدما كان أول من وصل إليه، ثم أكمل دوره القيادي بمواساة زوجة نجم إنتر ميلان الإيطالي، ليستقطب تعاطف العالم بأجمعه.
    وبعد تدخل جراحي، يبدو أن إريكسن في وضع صحي جيد من دون أن يعرف حتى الآن إذا كان باستطاعته العودة إلى كرة القدم الاحترافية.
    استلهم المنتخب الدنماركي مما حصل لنجمه وتجاوز خسارته مباراتيه الأوليين وعزز الآمال بتكرار انجاز 1992 حين توج باللقب، لكن الفرحة لم تكتمل بعد انتهاء المغامرة في نصف النهائي على يد الإنكليز، بسبب ركلة جزاء شكك كثر في صحتها.

    المهرجان التهديفي 

    كانت هذه النهائيات بطولة الأرقام القياسية الهجومية حيث سُجّل 142 هدفاً (يعود السبب في ذلك بشكل أساسي إلى رفع عدد المنتخبات الى 24 اعتبارا من نسخة 2016)، بمعدل قياسي في المباراة الواحدة بلغ 2,79 هدفاً، في رقم لم يسجل منذ اعتماد نظام المجموعات عام 1980.

    رونالدو لا يعرف معنى للتقدم في العمر

    كان نجم وقائد البرتغال بطلة 2016 كريستيانو رونالدو على موعد مع المزيد من الأرقام القياسية في مسيرة هذا اللاعب الذي لا يعرف معنى للتقدم في العمر (36). أنهى نجم يوفنتوس الإيطالي البطولة في صدارة الهدافين مشاركة مع التشيكي باتريك شيك (5 لكل منهما)، وتفوق على الفرنسي ميشال بلاتيني كأفضل هداف في تاريخ النهائيات القارية (9) بعدما رفع رصيده الى 14 هدفاً.
    ونجح رونالدو في طريقه الى لقب هداف النسخة السادسة عشرة، في معادلة الرقم القياسية لعدد الأهداف الدولية المسجل باسم الإيراني علي دائي (109)، إلا أن ذلك لم يجنب بلاده التنازل عن لقبها القاري.

    شيك، دامشغارد ومواهب جديدة 

    كما كانت الحال غالباً، قدمت النهائيات القارية مواهب جديدة في مقدمها شيك الذي سجل أحد أجمل الأهداف في تاريخ البطولة، الإسباني داني أولمو أو الجناح الألماني روبن غوزنس، الهولندي دنزل دمفريس ، الدنماركي ميكيل دامسغارد وبطل نهائي "ويمبلي" ضد الإنكليز الحارس الإيطالي جانلويجي دوناروما الذي اختير أفضل لاعب في البطولة.

    ركلات جزاء ضائعة وأهداف عكسية بالجملة

    وكما حال الإيجابيات، كانت هناك سلبيات كثيرة أيضاً بينها كثرة ركلات الجزاء التي سجلت رقماً قياسياً أيضاً في النهائيات حيث بلغ عددها 17، وذلك يعود بشكل أساسي إلى استخدام حكم الفيديو المساعد "في أيه آر".
    واللافت ليس عدد ركلات الجزاء المحتسبة، بل العدد الضائع منها، إذ لم تتجاوز نسبة النجاح الخمسين بالمئة (ترجمت 9 منها فقط بنجاح)، وكانت إسبانيا "بطلة" هذا التخصص بإضاعتها ركلتي جزاء.
    ولم تكن ركلات الجزاء الضائعة الرقم السلبي الوحيد في النهائيات، بل تميزت البطولة بكثرة الأهداف العكسية التي سجلت بالنيران الصديقة والتي بلغ عددها 11، أي أكثر من مجموع الأهداف العكسية التي سجلت في النسخ السابقة بأكملها.

    أحد لم ينجو من مجموعة الموت 

    باستثناء إيطاليا وإنكلترا اللتين وصلتا الى النهائي، وإسبانيا التي بلغت نصف النهائي، مُنيت المنتخبات الكبيرة بخيبة في النهائيات مثل هولندا، فرنسا بطلة العالم ووصيفتها كرواتيا، ألمانيا، والبرتغال حاملة اللقب.
    بالنسبة للألمان، الفرنسيين والبرتغاليين، انتهى المشوار عند الدور الإقصائي الأول أي في ثمن النهائي، لتكمل البطولة من دون أي ممثل عن المجموعة التي صنفت بمجموعة الموت لضمّها العمالقة الثلاثة.

    مشاكل من دون حدود 

    نتيجة توزيع المباريات على 11 مدينة ذات حساسيات مختلفة، أطلق العنان للمشاحنات الجيوسياسية والصحية: عبثية لوجستية وبيئية لبطولة موزّعة في القارة، جدل حول رموز مناهضة التمييز، مثل الركوع قبل المباريات أو ألوان قوس قزح التي ترمز لمجتمع المثليين.
    وما زاد الطين بلة، أن المباراة النهائية تلطخت بسبب الكثير من المخالفات التي حصلت في لندن وحول ملعب "ويمبلي"، مثل محاولة مشجعين لا يملكون التذاكر دخول الملعب وإساءات عنصرية وُجّهت إلى الثلاثي الإنكليزي الأسود الذي أهدر ثلاث ركلات ترجيحية ضد إيطاليا ماركوس راشفورد وبوكايو ساكا وجايدون سانشو.
    قد لا يكون الاتحاد القاري والبلد المضيف للنهائي قادرين على التحكم بتصرفات المشينة للجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن كان بإمكانهما التعامل مع ما دار داخل الملعب وخارجه بشكل أفضل بالتأكيد.

    طب الحروب والكوارث ratEREsc جمعة, 07/09/2021 - 11:34 طب الحروب والكوارث

     

    عندما ينهك النظام الصحي فيوشك على السقوط..
    تعرف على مرحلة طب الحروب والكوارث في هذا الفيديو

  • هل وافق قيس سعيّد على تحويل تونس إلى مصبّ قمامة لأوروبا! ratEREsc خميس, 06/17/2021 - 08:17 هل وافق قيس سعيّد على تحويل تونس إلى مصبّ قمامة لأوروبّا!

     

    من المؤكد أنّ ملفّ الهجرة النظامية يعدُّ أبرز الملفّات التي تدارسها الرّئيسُ التونسي قيس سعيّد مع المسؤولين الإيطاليين، خلال زيارة الدولة التي يؤديها إلى الجار الشماليّ، ومن المؤكد أيضا أنّه لا يمكنُ فصل الزيارة نفسها عن سياق  زيارات المسؤولين الإيطاليّين الأخيرة إلى تونس لبحث ملفّ الهجرة غير النظاميّة أو "الحرقة" حسب التعبير الدّارج.
     ومما لا شكّ فيه  وبات أنّ الموقف التونسيّ بدأ يلين رغم إصرار رئيس الجمهوريّة على دعوة الطرف الإيطالي إلى اعتماد مقاربة شاملة تعوّض الاستراتيجيّة الأمنية المنتهجة حاليّا من طرف تونس وإيطاليا على حدّ سواء. صحيح أنّ مؤسسة رئاسة الجمهوريّة مازالت تطالبُ الجيران الشماليين بتعزيز جهودهم التنموية في تونس من خلال التشجيع على الاستثمار وخلق مواطن شغل خاصة في المناطق الداخلية، بيد أنّ الواقع يكشفُ عن تغير في سياسات تونس من قضيّة الهجرة غير النظامية، ولا سيّما قضيّة ترحيل المهاجرين. فمنذ العام 1995 كانت تونس ترفضُ قبول المرّحلين من الجانب الإيطالي، غير أنّ كلّ ذلك تغيّر منذ شهر جويلية من العام الفارط، إذ باتت تونس تستقبلُ المرّحلين بمعدّل مرّتين في الأسبوع.

    أرقام مخيفة

    وفي الواقع، تشهدُ تونس مؤخّرا موجة "حرقة" غير مسبوقة إلى السواحل الإيطالية، تشبهُ ما حدث بعد أحداث 14 جانفي 2011.  فخلال الأشهر الأخيرة تم إحباط 303 عملية اجتياز للحدود البحرية خلسةً، وفق أرقام المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما شهد شهر ماي الفارط إحباط 95 عملیة اجتياز ومنع 2487 مجتازا من الوصول للسواحل الایطالیة. بالمقابل شهدت الأشهر الأولى من سنة 2021 تسجيل 2817 مهاجرا مقابل 685 مهاجرا سنة 2020.  والظاهرة لم تعد تقتصرُ على الكبار والشباب فقط، فالتقاريرُ تشير إلى ارتفاع عدد القصّر في أوساط المهاجرين. كما لم يمنع انتشار جائحة كوفيد-19 الحالمين بالوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط من ركوب قوارب الموت وتحقيق أحلامهم في الرّفاه.
    وفي الحقيقة، تشكّلُ الهجرة غير النظامية التي تلجأ إليها فئات عديدة، من التونسيين أو من المهاجرين المقيمين في تونس رفضا معلنا للوضع الاقتصادي المتردّي في البلاد وحركة احتجاجيّة تفاقمت بسبب اليأسُ من تغيّر الأوضاع المعيشية. ومن ثمّة تحوّلت قوارب الموت إلى حالة رفض لخيارات حكومية وسياسية فشلت في تلبية الحاجيات الأساسية للمواطن، ولم تراع وضعيّات الفئات الهشّة التي تعدّ الأكثر تضررا من تعليق النشاط الاقتصادي. وما انتشار ظاهرة "الهجرات العائلية" إلا تأكيد آخر على فشل الخيارات الاقتصادية المتبعة في تونس سواء قبل أزمة كورونا أو بعدها، وبالمثل يمكنُ تفسيرُ هجرة القاصرين، بمباركة من ذويهم، رغم أن رحلات كهذه غالبا ما تنتهي بمآسي. 
    ولنكن صريحين على الأقل مع أنفسنا، فخلال العشر سنوات الأخيرة، فقد الشبابُ الأمل في حياة كريمة، خصوصا بعد تبخّر أحلامهم في الحصول على وظيفة تضمنُ الحدّ الأدنى، مع ما يرافق ذلك من فشل في الزواج وتأسيس عائلة أو في الحصول على مكانة معتبرة داخل المجتمع، في الوقت الذي يتنازع فيه السياسيون كعكة السلطة، مديرين ظهورهم لمطلبيات الشعب التونسي، وخصوصا فئة الشباب، أي الفئة الأكثر هشاشة في المجتمع.

    مصبّات قمامة

    بالمقابل يصطدمُ المهاجرون بموجة رفض أوروبّية واسعة، موجة تحوّلت بمرور السنوات، إلى استراتيجية أمنيّة "قمعيّة"، يمكنُ اختزالها في تصريح وزير الداخليّة الإيطالي، غداة لقائه برئيس الجمهورية قيس سعيّد، حين أشار إلى أنّه لا مجال لبقاء من يصل إلى إيطاليا بطريقة غير نظامية. وللتذكير، كان الاتحاد الأوروبيّ قد أعلن في العام 2018 عن اعتزامه إحداث مراكز لجوء خارج أوروبا، وتحديدا بتونس ودول أخرى مثل الجزائر والمغرب، قبل أن يتخلى على الفكرة تماما بعد الضغط الذي مارسته قوى المجتمع المدني في هذه الدول.
    ولقد سبق الإعلان عن هذه الفكرة، قيام مسؤولين أوروبيين، وتحديدا الإيطاليين، بالترويج لخطابات عنصريّة تجاه المهاجرين التونسيين والأفارقة، من ذلك تصريح نائب رئيس الوزراء الإيطالي ووزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني، حين وصف المهاجرين القادمين من تونس بالمجرمين، قبل أن يتراجع عن تصريحاته في ما بعد. وكان من الواضح أن أوروبا تسعى إلى تحويل دول الضفة الجنوبية، وتحديدا تونس، إلى مصبّات قمامة ترّحلُ إليها من تشاء مقابل "الأعطيات" و"الهبات" الماليّة التي لا تغني أو تسمن من جوع.

    هل تغيّرت المقاربة؟

    وبعد تخليّ الاتحاد الأوروبي عن هذه الفكرة، قرّر منذ العام 2018 اعتماد سياسة بديلة لمعالجة أزمة الهجرة غير النظامية والتدفق المتواصل للاجئين على أراضي دول الاتحاد الأوروبي، تعتمد على جملة من المحاور من بينها:
    أولا، تسريع ترحيل المهاجرين غير القانونيين والذين رُفضت طلبات لجوئهم، من خلال التشجيع على إبرام اتفاقيات ثنائية حول الهجرة أو على الأقل تجديد الاتفاقيات القائمة، وهذا الأمر حصل ويحصل مع تونس التي أبرمت اتفاقيات ثنائية مع ألمانيا وبلجيكا، وجددت الاتفاقيات القائمة مع كل من إيطاليا مؤخرا
    ثانيا، فتح مزيد من الطرق القانونية للمهاجرين من أصحاب الكفاءات والطلبة ورجال الأعمال من خلال تسهيل منح تأشيرات الدخول لدول الاتحاد الأوروبي.
    ثالثا، تعزيز السيطرة على الحدود الخارجية لمنطقة الأورو مع توفير التمويلات لتركيا ودول شمال أفريقيا لجهودها في إغاثة اللاجئين.
    رابعا، اتخاذ إجراءات داخلية في دول الاتحاد الأوروبي تحول دون تنقل المهاجرين بين دول المنطقة.
    خامسا، زيادة الاستثمارات في أفريقيا لمساعدة القارة على تحقيق «التحول الاجتماعي الاقتصادي»، ما من شأنه الحد من إقبال الأفارقة على الفرار إلى أوروبا.
    سادسا، إحداث وكالة أوروبية لمراقبة الحدود، وهي مؤسسة ذات صبغة أمنية مكونة من 1500 أمنى مهمتها التدخل في الحدود البحرية الأوروبية لمنع تسلل اللاجئين، ويتجه دعمها وتسليحها حتى يصل قوتها إلى 10 آلاف رجل، وتعزيز صلاحياتها التي يمكن أن تصل حد التدخل ليس فقط في المياه الإقليمية الدولية لكن أيضا في المياه المحلية للدول التي تنطلق منها قوارب الهجرة غير النظامية.
    ولن يكون من العسيرُ إثبات أنّ المقاربة الأوروبية غيّرت جلدها كالثعابين محافظةً على عمقها الأمنّ وتدعيمه عسكريّا مقابل رمي الفتات لدول الضفة الجنوبية، وأغلبها مناطق عبور لموجات بشرية قادمة من إفريقيا جنوب الصحراء أيضا، وضاربةً بحقّ الأفراد في التنقّل كما تنصّ على ذلك الأعراف والمواثيق الدوليّة.

    سياسة العصا والجزرة

    ولئن شدّد رئيس الجمهوريّة، قيس سعيّد، خلال لقائه بالوفد الإيطالي-الأوروبي على "ضرورة اعتماد مقاربة شاملة وتوافقية في مجال الهجرة، ترتكز بالأساس على محاربة الفقر والبطالة، عبر دعم جهود التنمية في البلدان الأصلية، والتشجيع على الهجرة النظامية"، مضيفا في الآن نفسه "الحلول الأمنية وحدها ليست كفيلة للقضاء على الهجرة غير النظامية"، فإنّ الواقع يقولُ إنّ ما تقترحهُ أوروبا على تونس ينطوي على مخاطر كبرى، ناهيك عن اعتمادها منطقا استعلائيّا واضحًا، في التعامل مع بلدنا، وهذا ما يجب أن يتفطّن له المسؤولون في تونس.
    فتونس لم تجن من اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سوى الرّياح، بدءا بانهيار صناعاتنا الوطنيّة، وتحويل ما بقي منها إلى "طرف ثالث" يزود الصناعات الأوروبية بالمواد نصف-المصنعة، وفتح الأسواق أمام البضائع الأوروبية مقابل تشديد الخناق على صادراتنا الفلاحيّة تحت ضغط نقابات الفلاحين في إيطاليا وفرنسيا واليونان وإسبانيا، بالإضافة إلى الطمع الأوروبي الواضح في توسيع الشراكة لتشمل قطاعي "الفلاحة" و"الخدمات"، ما يهدّدُ ضمنيا الأمن القومي التونسيّ، وتحديدًا الأمن الغذائي. بالمقابل، ترفض أوروبا فتح أبوابها أمام المهاجرين، مفضلة "الهجرة الانتقائيّة"، ما ساهم في تفريغ تونس من ادمغتها، وتصرُّ على التعامل مع الأزمة الاقتصادية التونسية بمنطق الهبات والقروض الميسّرة، واضعة القيود أمام مؤسساتها للانتصاب في تونس، أو تحويل جزء من ديونها إلى استثمارات مباشرة، تمثّل بلا شكّ دفقة اوكسجين واضحة للاقتصاد التونسي.
    وأوروبّا التي باتت تعاني بدورها من مخلّفات جائحة كورونا، لن تغيّر موقفها من اجل عيون قيس سعيّد وهشام المشيشي، بل هي ماضية في تنفيذ خططها البديلة، وهي خطط لا تقل خطورة عن خطط إحداث مراكز لجوء بتونس، بل إنها قد تكون أكثر خطورة وتأثيرا، معتمدةً سياسة العصا والجزرة، أي أنها تلقي لنا بالهبات والقروض، مقابل تحويل تونس إلى "شرطي" يحرسُ حدودها البحريّة. 
    ومن ثمّة على المسؤولين التونسيين ان يعوا جيّدًا مخاطر ما يفعلهُ الاتحاد الأوروبيّ بنا، فعمّا قريب، قد تستباحُ حدودنا البحريّة عسكريا تحت يافطة "مكافحة الهجرة غير النظامية"، وقد تفرض علينا خطط "تنموية" تصبُّ في صالح الاقتصاد الاوروبيّ المعطّل بدوره، وقد نجبر أخيرًا على التحوّل إلى مصبّ قمامة متوسّطي إذا ما واصلت تونس القبول بسياسة الترحيل المنتهجة من طرف إيطاليا. 
    صحيح أننا مع مقاربة شاملة لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكننا أيضا مع منطق آخر يقول إنّ على تونس أن تنقذ نفسها من "العقدة الأوروبية"، أي عقدة الشريك الاستراتيجي الذي يتعامل معنا كحديقة خلفيّة مهملة أو مصبّ قمامة، ونشرع في التفكير، وبجدية بالغة، في تنويع شراكتنا والذهاب أكثر في اتجاه قوى اقتصادية صاعدة ومهمة، بل وأكثر إنسانية، على غرار الصين وروسيا والهند. وفي تقديرنا، استراتيجية كهذه هي الكفيلة بإعادة الرشد إلى الاتحاد الأوروبي وتذكيره بمبدأ بسيط تقومُ عليه أيّ شراكة حقيقية وهو النديّة في التعامل، ومن ثمّة تحقيق التكافؤ في الفرص والمخاطر على حدّ سواء.
     

  • Subscribe to إيطاليا