fbpx تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

«غبّار» ينشد : إليك يا مدرستي...

:شارك

في دراسة قامت به جمعيّة تهتمّ بشأن الأسرة منذ أكثر من عشر سنوات، شملت آلاف التلاميذ للتعرف على أحلامهم والمهن التي يريدون ممارستها عند الكبر، اتضح أنّ مهنا مثل «لاعب كرة قدم» أو «فنّان» [بمعنى ممارسة الغناء]، تحتلّ مكانة غير هيّنة، بل أن بضع عشرات من الإجابات تقدّم «غبّار» أيّ تاجر أو موزّع مخدّرات، في صورة الحلم الأمثل.
الفريق الذي أنجز الدراسة، قرّر إستجواب الأطفال الذين يحلمون بتجارة المخدرات، لمعرفة إن كانوا يدركون فعلا معنى الكلمة ودلالاتها الاجتماعيّة وخاصّة تبعاتها القانونيّة، فكان الاجماع تقريبا بين هؤلاء «الغبّارة» [بالحلم] على معرفة بل الإدراك العميق لمعاني الكلمة ودلالاتها الاجتماعيّة وخاصّة تبعاتها القانونيّة.
عند سؤال الطفل، عن سبب هذا الاختيار، تأتي الإجابات جميعها معلّلة بما يكسب «التجّار» من هذه المادّة، ويلحّ التلاميذ على حجم الأرباح وما يرون أنّها «مهنة لا تتطلّب جهدًا»...
رغم ما يبذل الأولياء من أموال يرتفع حجمها من سنة إلى أخرى، في مجال تعليم أبنائهم وبناتهم، سواء على مستوى الدروس الخصوصيّة أو حتّى التعليم الخاصّ، يتأكّد يقين لدى التلاميذ من مختلف المستويات وحتّى الطلبة، أنّ التعليم في تونس، لم يعد يؤدّي دور المصعد الاجتماعي، القادر على جعل المجتهد في الدراسة ينال نظير نجاحه.
عندما ينشأ تلميذ داخل أسرة، يمدّ فيها الأخ الأكبر أو الخال أو العمّة، من خريجي المعاهد العليا، اليد طلبا لدنانير معدودات، قد يصعب أن نطلب من هذا التلميذ أن يركّز على التعليم لضمان مستقبله.
لذلك تأتي الرغبة في الهجرة شديدة، وتكاد تكون عامّة بل وشاملة بين حملة الباكالوريا، وخاصّة خريجي الجامعات والمعاهد العليا، لسببين: إحساس يشبه اليقين أنّ الدراسة في تونس بمراتب جيّدة، لا تفتح الباب أمام الانتداب في الوظيفة العموميّة، سواء لانغلاق هذا الباب، أو الإحساس لديهم أنّ الانتداب لا يتمّ بحسب الكفاءات والمؤهلات، وكذلك صعوبة أو استحالة التأسيس لمشروع خاصّ.
خطير جدّا، أن ينحصر حلم جزء متزايد من أبنائنا وبناتنا بين تجارة المخدّرات والغناء، ويصير حلم الهجرة والمغادرة هاجس المتخرجين، وحتّى من عثروا على مواطن عمل، مثل الأطباء الذين صاروا يغادرون البلاد في أعداد مرتفعة.
كما هو «فقر الدم» عند الانسان، تُصاب البلدان بمرض «فقدان الكفاءات»، الأعراض ذاتها، من وهن وعدم القدرة على بذل الجهد وتفضيل الركود على الجدّ والنشاط.
كلّها حلقات سلسلة مترابطة، حين لا يمكن لمجتمع يرذّل العمل ويرفع «تدبير الرأس» مراتب عليا، أن يتحسّن فيه مستوى التعليم.
كذلك لا يمكن لتلاميذ يشاهدون هذا الترذيل وهذا التبجيل، أن يعتبروا أنّ «العلم والعمل» أساس الحضارات، كما لا يمكن لجامعات لا تزرع الحلم بخدمة الوطن داخل عقول طلبتها أن تصنع «رجال ونساء المستقبل»...
 

محاور:
:شارك