هشام المشيشي

  • هل يتحوّل التحوير الوزاري من حلّ إلى مشكل؟ lomPLacD اثنين, 01/11/2021 - 09:30 هل يتحوّل التحوير الوزاري من حلّ إلى مشكل؟


    حدث أكثر مرّة أنّ تحوّل الحلّ إلى مشكل يبحث عن حلّ بدوره. الحوار الذي اقترحه الاتحاد العام التونسي للشغل على يدي أمينه العامّ نور الدين الطبوبي، جاء في صورة المخرج من أزمة لا يمكن لأيّ كان أن ينكرها. ممّا يبدو، ليس فقط أنّ هذا الحلّ لم ير النور، بل (وهنا الخطورة) صار مادّة خلاف وقاعدة صراع بين الفرقاء السياسيين.

    العدد فاق الحساب

    من باب التندّر كتب أحدهم أنّ اجتماع حكومة هشام المشيشي سيختصر على شخص رئيس الوزراء بمفرده، طالما أنّ الرجل «أطرد» أو تخلص من أعضاء حكومته أكثر من سابقيه. الصورة بالتأكيد كاريكاتوريّة، لكن الصورة الماثلة فعلا وحقيقة مزعجة بعض الشيء، لسببين : 
    أوّلا : الإعفاء أو أيّ شكل من أشكال الاستغناء عن أيّ وزير، وجب ألاّ تطول، حين يكون الأصل أن يكون وزيرًا على كلّ وزارة.
    ثانيا : «سيطرة» هشام المشيشي على وزارة الداخليّة بعد إعفاء الوزير الذي كان على رأسها، قد يكون الحلّ الأسلم من وجهة نظر رئيس الحكومة، لكن الجمع بين وزارة الداخليّة ورئاسة الوزراء، لا يقدّم «صورة ديمقراطيّة»، بل الأمر مجلبة للشكّ والريبة، خاصّة وأنّ منسوب الثقة بين الفرقاء السياسيين وخاصّة بين هذه الطبقة من جهة مقابل العمق الشعبي ليس «على ما يرام»..

    هل التغيير يجلب الراحة؟

    الجميع دون استثناء يترقّب (بكلّ المعاني الممكنة) التحوير الوزاري الذي يتداوله الإعلام، على مستويات عدّة: 
    أوّلا : الذين يعتبرون جميع «الإعفاءات» صورة من صور الصراع المعلن والصريح والمفتوح بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهوريّة، سيرون في (هذا) التحوير وسيلة للتخلّص من تركة «قيس سعيّد»، ومن ثمّة يترقبون أسماء الوزراء القادمين على الحكومة.
    ثانيا : يعلم هشام المشيشي بل يدرك الأمر من باب اليقين القاطع، أنّ «غلطة الشاطر بألف»، وبالتالي يكون عليه (إن لم يكن قد انطلق بعد ورتّب أمره) التفاهم مع «حزام حكومي» يكون السند وضامن الحصول على التزكية.
    ثالثا : يدرك الجميع، أنّ التحوير في حال نجاحه أو فشله، أو مهما كان الشكل الذي يتخذه، يشكّل محطّة جديدة ومنطلق أخر للعبة السياسيّة في البلاد.

    من تكنوقراط إلى سياسيين

    يعلم رئيس الوزراء هشام المشيشي أنّ حزامه الحالي ليس بالوفاء الذي يتخيله البعض، حين يدرك أنّ أحزاب الحزام أو بالأحرى الكتل البرلمانيّة التي تمثلها، لم تقبل بحكومة تكنوقراط فرحًا وسرورًا، بل كان خيارها بين القبول أو الذهاب إلى انتخابات تشريعيّة سابقة لأوانها الذي هدّد بها أو بالأحرى قيل أنّ قيس سعيد سيلجأ لها. أيضًا عبّرت أطراف هذا «الحزام» على رفضها لهذا التوجه، بل طالبت جهرًا وعلانيّة بحكومة سياسيّة.

    تغيير اللون.. فيه راحة..

    هل ضمن رئيس الوزراء هشام المشيشي الحصول على التزكية، بمقايضة المناصب الشاغرة بتعيينات «حزبيّة»، أو هو يتّكل على عداوة قيس سعيّد التي تجمع بينه وبين أحزاب هذه الأحزاب، سواء راشد الغنوشي أو نبيل القروي أو سيف الدين مخلوف؟
     

     

  • حين يبلغ قلبُ الحقائق والتزوير السياسي عنان السماء: كتلة قلب تونس نموذجا! lomPLacD أربعاء, 12/30/2020 - 10:15 حين يبلغ قلبُ الحقائق والتزوير السياسي عنان السماء: كتلة قلب تونس نموذجا!


    ما تزال تداعيات إيقاف نبيل القروي، رئيس حزب قلب تونس، تلقي بظلالها على المشهد السياسي الغائم في تونس، لا سيّما في ظلّ إصرار كلّ من كتلة قلب تونس وحزب حركة النهضة على زرع الشكوك بخصوص الإيقاف وتوقيته والإيهام بوجود "أياد سياسية" تقفُ وراء العمليّة، بل بلغ الأمرُ بكتلة رجل الأعمال والسياسي الموقوف، حدّ تقديم رئيسها كـ "سجين سياسي"، وقعت التضحية به في إطار خطّة أكبر تتمثّل في إنهاء وجود حكومة السيّد هشام المشيشي.
    وبقدر ما في خطابي حزبي قلب تونس وحركة النهضة من قلب للحقائق وتزوير سياسي مفضوحينِ، فإنّ تقديم الأمر وكأنّه عمليّة "تصفية حساب سياسي"، لا غاية لهُ سوى التشكيك في عمل الجهاز القضائي والتأثير على المسار السياسي برمّته، بغية إنقاذ الحزام الهشّ المحيط برئيس الحكومة الذي سارع بدوره، وفي خطوة خبيثة، إلى الاجتماع بقادة حزامه لتباحث أمر الإيقاف، ما يعني قيام رئيس الجهاز التنفيذي نفسه، بالتشكيك في ظروف الإيقاف، ومن ثمة في الجهاز القضائي، انصياعًا إلى رغبة حلفائه أو ربّما دفعًا للحرج عنه (وإن يبدو لنا هذا الاحتمالُ بعيدًا).
    وقبل أن نفكك منظومة الدجل السياسي التي تسعى حثيثًا إلى إرباك التونسيين والتأثير على القضاء التونسي، نرى من المهمّ عرضَ دفوعات كتلة قلب تونس بخصوص عمليّة الإيقاف، ومحاولاتها لقلب الحقائق وتزييفها تمامًا، رغم أن قرار الإيقاف نفسهُ يعدُّ قرارًا تحفظّيا وليس إدانة نهائية.

    كيف تزوّر الوقائع في خطوات قليلة؟

    قبل أسبوع تقريبًا، أصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الماليّ بطاقة إيداع بالسجن في حق رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي، على خلفية تهم فساد. وصدر قرار القضاء بحق نبيل القروي، بعد الاستماع إليه بشأن شبهة تبييض الأموال المتعلقة بعدد من شركاته. ومثلما سبق أن أشرنا إلى ذلك في مقال سابق على أعمدة "شكشوكة تايمز"، تعود قضية القروي إلى  العام 2016 عندما قدمت منظمة "أنا يقظ" كشفا حسابيا للمدعي العام يخص قناة "نسمة" التي تملكها مجموعة القروي والتي أسسها عام 2002، يبين أن عائداتها المالية في نمو وأن مداخيلها أقل بكثير من تقديرات الشركات المتخصصة في قياس نسب المشاهدة، بالنسبة إلى مداخيل الإعلانات.
    وأظهرت الوثائق بالتوازي مع ذلك وجود شركة خفية باسم "نسمة"، صاحبة رأسمال القناة، والتي كانت تحقّق عائدات مالية بأكثر من مليون يورو سنويا، ما خوّل للمساهمين التهرّب من دفع الضرائب للحكومة التونسية.
    واستنادا إلى قرار قضائي صادر في سبتمبر 2019 فإن القروي "متهم بغسل الأموال واستغلال التسهيلات التي خولتها له خصائص وظيفته ونشاطه المهني واعتاد القيام بذلك وتعمد إعداد حسابات ووثائق محاسبية مغلوطة قصد التنقيص من الضرائب".
    وهو متهم أيضا بـ"استعمال وثائق محاسبة مزوّرة قصد التهرّب من دفع الضرائب كليا أو جزئيا والقيام بعمليات تؤدي إلى تحويل الممتلكات إلى الغير (تسجيل الممتلكات بأسماء أشخاص آخرين) قصد التملص من تسديد الديون والتحيل". ولقد سبق إيقاف نبيل القروي تحفظيا على ذمة هذه القضية في 23 أوت 2019، قبل أن يتم الإفراج عنه يوم 9 أكتوبر من نفس السنة، وقد تزامن الإيقاف حينها مع موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية، إذ صوّر الإيقاف وقتها كعملية تصفية حسابات سياسية قام بها رئيس الحكومةُ الأسبق، يوسف الشاهد، وهو ما كذبته الأحداثُ فيما بعد. 
    ولو أضفنا إلى كلّ ذلك، ما احتواه تقريرُ محكمة المحاسبات من إدانة واضحة لنبيل القروي بخصوص جرائم تبييض الأموال والتعامل مع جهات أجنبيّة بغرض تلميع صورته لدى الدوائر الأمريكية، يصبحُ قرار قاضي التحقيق بالقطب القضائي المالي أكثر من معلّل خاصة أنّ نتائج الاختبارات المجراة أكّدت كلّ الشبهات بخصوص ممارسات قطب الإعلام ورجل السياسة المالية.
    ههنا، يبدو من الهيّن إثباتُ أنّ عمليّة الإيقاف تمت في إطار إرادة قضائية حرّة ومتابعة لملفّ قديمٍ وقع تحديثهُ بمعطيات جديدة، ومن ثمّة لا وجود لأيّ تأثير سياسيّ على الجهاز القضائي، ولا حملات فساد ولا هم يحزنون، فكيف تصرّفت كتلة قلب تونس مع هذه الفاصلة المحرجة؟
    لقد عمدت أوّلاً إلى التشكيك في تقرير الخبراء الخاص بقضية رئيس الحزب نبيل القروي وشقيقه غازي القروي، مشيرة إلى أنّه احتوى على أخطاء فادحة ترتقي إلى مستوى التدليس المادي والمعنوي، علاوةً على وجود أخطاء مادية وتأويل وانحراف بالمأمورية وإبداء رأي بخصوص الخلفية الاقتصادية لقناة نسمة، وهذا كلّه ورد على لسان عياض اللومي، النائب عن الحزب.
    ثانيا، الدفع بأطروحة أولى تقول بوجود تعسّف من قبل الخبراء في مستوى استعمال مصطلح الخلفية الاقتصادية للتدفقات المالية، ما يعني ضربًا للاستثمار في تونس (بعبارة أخرى على الأجهزة الرقابية ألا تراقب التدفقات المالية الخارجية. هكذا!)، وهو ما يعدُّ، وفقا لجهابذة كتلة قلب تونس، ضربا مناخ الحريات والبناء الديمقراطي  وتضر بجودة الاختبارات حسب تعبيره.
    ثالثًا، الدفع بأطروحة ثانية تقولُ بوجود تحالف بين رئيس الجمهورية وحزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب، لتفكيك كتلة قلب تونس، عبر إلقاء القبض على رئيسها، ومن ثمة إضعاف الحزام السياسي الداعم لحكومة هشام المشيشي بهدف إسقاطها وتعويضها بحكومة على هوى الأطراف الداعمة لقيس سعيّد.
    رابعًا، تصوير نبيل القروي على أنّه "سجين سياسي"، زجّ به في معركة تصفية حسابات سياسية، وهو ما حدا بنائب آخر عن كتلة قلب تونس، وهو الصادق جبنون، القيادي السابق في حراك تونس الإرادة، ومنافس عياض اللومي في التصريحات العجيبة، إلى تشبيه نبيل القروي بنيلسون مانديلا. هكذا!
    ومن ثمّة، تكفي مقارنة بسيطة، بين دفوعات الجهاز القضائي وتعليلاته القانونية الصرفة، وبين دفوعات كتلة قلب تونس، ودفوعاتها التحريفيّة الواضحة، لكي نقف عند ارتفاع منسوب الدّجل والتزوير وقلب الحقائق بغية التأثير أوّلا على المزاج الشعبي المتعطش لفتح القضايا الثقيلة، والتأثير ثانيا على الجهاز القضائي الذي يتعرّض لحملات هرسلة متواصلة، والتأثير ثالثا على الحلفاء والخصوم على حدّ سواء، وإظهار الأمر برمته، وكأنها محاولة خارجيّة (تحالف قيس سعيد وحزبي التيار والشعب) لإضعاف الحزام السياسي لهشام المشيشي وإسقاط حكومة الترويكا الجديدة.

    كيف تداري خجلك بالكذب في لمح البصر؟

    إنّ تصوير الأمر وكأنه تصفية حساب سياسي قديم أو الإيهام بوجود حربٍ على الفساد يقودها هذا الطرف أو ذاك، هو في الواقع مغالطة مفضوحة تتقصّدُ فعلاً التلاعب بعقول التونسيين. على أنّ الأمر لا يقف عند التلاعب فقط، وترويج نظريات المؤامرة، والدفع بالخبل السياسي إلى سرعته القصوى فحسب، إذ أنّه يكشفُ في الوقت نفسه، عن انعدام الحياء لدى أطراف سياسية بعينها (قلب تونس وحركة النهضة) حدّ الكذب المفضوح على عموم الشعب التونسي وتبرير جرائم الفساد من خلال الإيهام بوجود إرادة سياسية خارجيّة تهدفُ إلى إسقاط حكومة المشيشي ومعها حزامها السياسي.
    فالإيهام مثلاً بوجود نية مبيّتة لـ"ضرب كتلة قلب تونس وانهائها فضلاً عن تفكيك الحزام الداعم لحكومة هشام المشيشي، بهدف إسقاطها وتعويضها بحكومة على هوى أطراف جرت إزاحتهم بسبب الفساد وتضارب المصالح"، كما ورد على لسان عياض اللومي، لا يختلفُ البتّة عمّا جاء على لسان وزير العدل الأسبق والقيادي بحركة النهضة، نور الدين البحيري، الذي وجّه رسالة عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك"، قال فيها إن "كلّ تحالف عضوي أو موضوعي مع حزب الفاشيّة المعادية للثورة وللدّستور خيانة للوطن ولدماء الشّهداء الأبرار ولتضحيات أجيال متعاقبة من نساء ورجال تونس من أجل الاستقلال والحرّية والمساواة والكرامة"، أي أنّهُ ربط دعوة الحزب الدستوري الحر إلى تكوين ائتلاف جديد يستثني حركة النهضة وائتلاف الكرامة، بعمليّة إيقاف نبيل القروي، والإيهام بوجود مؤامرة متشعّبة الأطراف تستهدف الحزام الحكومي، ومن ثمّة حركة النهضة.
    وبالمثل، لا يمكنُ إخراج الهجوم الذي شنّه رفيق عبد السلام بوشلاكة، صهر راشد الغنوشي ووزير الخارجيّة الأسبق، على الأمين العام السابق للتيار الديمقراطي، محمد عبو، عن سياق "صرف الأنظار" عن جريمة مالية حقيقية والإيهام بوجود مؤامرة بين محمّد عبو وقيس سعيّد زائد حزب "البراميل المتفجرة"- هكذا يصفون حركة الشعب- تستهدف حزام المشيشي ومن ورائه حركة النهضة.
    والحقّ أنّ هذه المسارعة إلى تزييف الحقائق، تكشفُ مدى الحرج الذي باتت تشعرُ به النهضة، المتهمة بالتغطية على حليف يواجه تهم الفساد، وبدلاً من أن تنأى بنفسها عن قضيّة، تعود الكلمة الفصلُ فيها إلى الجهاز القضائي دون غيره، سارعت إلى تعويم "السمكة" كما يقولُ المثل الفرنسيّ، خوفا من فك ارتباطها بقلب تونس، ومن ثمة خسارة نفوذها البرلمانيّ، وبالتالي خيّرت الدفاع، وإن  بطريقة غير معلنة، عن القروي الموجود قيد الإيقاف، عبر تقنيتي الاستفاضة في إظهار حجم الاستهداف الذي تتعرّض له الحركة، وزرع الشكوك بخصوص قرار قضائي، تؤكد كل القرائن أنه مستقل عن أي نفوذ سياسي. 
    وإن كنا نتفهم في الواقع موقف كتلة قلب تونس في دفاعها عن رئيسها، حتى وإن تضمنّ كما لا بأس به من قلب الحقائق والتزوير، فإن ما موقف حركة النهضة، هو ما يعزّزُ الشكوك حقيقةً، حول ممارسات التغطية على كبار الفاسدين في تونس التي انتهجتها طوال العقد الأخير، وتدخّلها السافر في الجهاز القضائي. أفلم تطالب النهضة صراحةً بتغيير وزيري الداخليّة والعدل، بل وتدفع الآن بالمشيشي إلى إنجاز ذلك، مستغلّة الشغور في حقيبتي الداخليّة والعدل؟ وهو ما يفهم منه وجود رغبةً أكيدة لديها في إعادة الاستحواذ على حقيبتين هما الأخطرُ تقريبًا، إلى جانب الدفاع والخارجيّة؟
    بالمحصّلة، ما يحصلُ على هامش إيقاف قطب الإعلام ورجل السياسة، نبيل القروي، من محاولات تشكيك في الجهاز القضائي، وقلبٌ لمعادلة الحقائق، وزرع الألغام في مشهدٍ متداعٍ بطبعه- رغم إيماننا القطعي بذلك المبدأ القانوني الشهير الذي يقول بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته- لا يمكنُ أن نفهم منه سوى هذا... "إن لم تستحِ فافعل ما شئت"!
     

     

    Subscribe to هشام المشيشي