مجلس نواب الشعب

    قيّس سعيّد يردّ: في الشرعية و المشروعيّة .. والفرعنة! HeLEINCa سبت, 05/16/2020 - 09:30 قيّس سعيّد يردّ: في الشرعية و المشروعيّة .. والفرعنة!

     

    من المعيب حقّا أن يضطرّ رئيس الجمهوريّة، قيس سعيّد، إلى دفع تهمة التحريض عنه، بعد أن تنادت أطراف سياسية بعينها، إلى تحويل مجرى الجدل العمومي حول الأزمة السياسية في تونس، وهي أزمة ذات عناوين أخلاقيّة بامتياز، في اتجاه استهداف شخص الرّئيس، لا لشيء إلا لأنّهُ عبّر بلسان التونسيين، عمّا يمورُ في صدورهم، بخصوص انهيار المنظومة القيمية التي يفترضُ بالعمل البرلمانيّ أن يتأسس عليها. قلنا إنّه من المعيب أن يقع استدراج الرّئيس إلى منطق التوضيح والتبرير، لا لأنّ ما يقوله الرّئيس هو المقدّس الذي يوحى إليه، وإنّما يفترضُ في دولة ديمقراطية، أو تدّعي أنّها كذلك، أن يكون الرئيس صمّام أمان وحدةَ الأمّة، ومن ثمّة فإنّ سلوكهُ أو تصريحاتهُ تعدُّ المرجع الرّئيس للطبقة السياسية ولعموم المواطنين.
    وما تقدّم لا يعدُّ دفاعا عن شخص الرّئيس وإنّما دعوةٌ إلى إعادة المعنى السياسي إلى جوهره، وأصله، أيّ إلى تلك المنطقة التي تتقابلُ فيها المشروعيّة الشعبية بالشرعيّة السياسيّة، وهو ما دعا إليه رئيس الجمهوريّة، رغم اعتقادنا بأنّ طبقة النواب الحاليّة تحتاجُ إلى ساحرٍ أفريقيّ أو عرّاف لاتيني لكي يفكّ لها ما استغلق عليها من طلاسم خطابه.

    ردّ الأمور إلى أصلها

    في الواقع، الرّئيسُ لم يخطأ حين قال، أثناء زيارته إلى المستشفى الميداني الذي تمّ تركيزه في ولاية قبلي لمواجهة انتشار فيروس الكورونا، ''ليست الحرّية تبادل السباب والشتائم بل هي مقارعة الحجّة بالحجّة والفكرة بالفكرة وأكبر مرض يمكن أن يُصيب الإنسان هو إيمانه بأنّه يمتلك الحقيقة...لو كان النائب مسؤولا أمام ناخبيه وكان بإمكان الناخب أن يسحب الثقة لما احتاجوا أصلا لمثل هذا الخرق الجسيم''. نعم لم يخطأ، ذلك أنّهُ ردّ الأمور إلى أصلها، وهذا الأصلُ أخلاقيّ بامتياز، ويعيدُ المشروعيّة إلى الشعب. فالنائبُ ما هو إلاّ نائبٌ عن الشعب، أي عن عموم الأمّة، لا عن حزب أو فئة أو عشيرة سياسية، ومن ثمّ فانتقاد تعديلُ قانون العار الذي يتوسّلُ بفكرة تجريم السياحة الحزبيّة، بينما هو في الواقع يسعى إلى إنقاذ أحزاب مفلسة قامت خطاباتها على الخديعة، يستحقُّ الإشادة لا التلويح بسحب الوكالة من الرئيس واتهامه بأنّه يحرّضُ على العنف والدم، كما ورد ذلك على لسانِ أحد صبيان المشهد البرلمانيّ.
    وما قالهُ الرئيس في ذلك الاجتماع تحديدًا هو درسٌ أخلاقيّ يفترض بالطبقة السياسية أن تستفاد منهُ، وتعفي الشعب، صاحب الوكالة الحقيقي، من مسلسلات الإسفاف والردّة والتخوين والحسابات الفئوية الضيّقة، لكن ما حدث حقيقة، هو تشكيل جبهة مكوّنة من حركة النهضة وحركة قلب تونس وائتلاف الكرامة، لمهاجمة الرّئيس، ومحاولة تقزيمه، وتقديمه إلى الرأي العام في جبّة المحرّض والداعي إلى الفوضى.

    الردّ على الفرعنة

    ويوم أمس، اضطرّ الرّئيسُ إلى الردّ مجدّدًا على "فرعنة" الطبقة السياسية، في كلمة ألقاها أمام أبناء المؤسستين الأمنية والعسكرية، مؤكدا تمسّكه باحترام الشرعية والقانون كمرجع وبيّن أن القانون لا يغير إلا بالقانون، وقال في هذا السياق ''لم نكن ولن نكون دعاة فوضى أو دعاة خروج عن الشرعية، ولكن من حق أي كان من المواطنين أن يطالب بأن تتقابل الشرعية مع المشروعية الشعبية''. وفي غضون ذلك، لم ينسَ الرّئيس أن يستبق تحاليل "الفرعنة" عندما أكّد أن تقاسم الإطار مع أبناء المؤسستين الأمنية والعسكريّة لا يعدّ مقدّمة لشيء، يدورُ في أذهان المتهافتين، رغم أنّهُ في الواقع، لا يحتاجُ إلى تبرير كهذا. وهذا في الحقيقة يعدُّ أحد عيوب رئيس الجمهوريّة لأنّه ينسى أحيانا أنّه القائد الأعلى للقوات المسلحة التونسية ورئيس مجلس الأمن القوميّ.
    وههنا يحقّ لنا أن نطرح السؤالُ التالي على الطبقة السياسية المنفلتة: ماذا لو منح الشعبُ التونسي، أو غالبيته، المشروعية، أي الحق في الحكم لفترة محددة، لشخص أو حزب أو حكومة، ثم تعرضت البلاد لأزمات كبرى لم تتمكنّ من السيطرة عليها أو فشلت الطبقة السياسية في احتواء آثارها السلبيّة، ما العملُ في هذه الحالة؟
    في هذه الحالة، ليس أمام النّاس سوى أحد أمرين، إمّا تصويبُ مسار الحكم، وثمّة طرق لذلك تبدأ من الضغط وصولاً إلى التغيير عبر الشارع أو أن يعيد الحاكم أمانة المشروعيّة إلى الشعبُ الذي كلفه بها طواعية، أو يستعيد الشعبُ المشروعية مباشرة، ويستخدم شرعيته الأصيلة في الاختيار الحر المباشر عبر آليات الانتخاب من جديد. بمعنى آخر أوضح وأدقّ، ليس أمام السلطة التشريعية، باعتبارها السلطة الأصلية بحكم نصّ الدستور، سوى حلان: إم أن ترشّد سلوكها وتعدّل مسارها عبر أخلقة العمل البرلماني حقيقة لا زورًا، وإمّا أن تعيد المشروعية إلى الشعب، ويقعُ حلّ البرلمان، ومن ثمّ يستخدمُ الشعب التونسي شرعيّتهُ الأصيلة في اختيار نوابه وممثليه من جديد.

    بين الشرعية والمشروعية

    فأين الخطأ في كلام الرّئيس إذن؟ وهل يحتاجُ خطاب كهذا إلى حملات مدفوعة الأجر لتشويه صاحبه ودقّ إسفين فتنة بين التونسيين؟
    في الحقيقة، يقفُ التونسيون اليوم أمام خطابين متمايزين لغةً وأهدافًا، الأوّل خطابُ الرئيس، ومعلّمُ الصبيان، الذي يوضّحُ حدود السلطة وينسفُ فكرة الشرعيّة اللامحدودة، معيدًا السلطة الأصلية للشعب التونسي صاحب المشروعية الحقيقي، والثاني، خطابً متهافت، صبيانيّ، يرى في الحكم غنيمة ووسيلة لتحقيق المآرب، السياسية منها والاقتصادية.  ومن ثمّة تتوضّح الفروقات أكثر فأكثر بين خطابٍ قانوني وأخلاقيّ وبين آخر نفعيّ وبراغماتي، أي بين المشروعيّة والفرعنة.
    وما يحدثُ في تونس اليوم للأسف، هو غلبةُ جلبة "الفرعنة". فإذا كان الأصل في الأشياء أن الشعب صاحب الحق الأصيل في الشرعية، وفي إطار منظومة قيمية أساسية متوافق عليها، يمنح، بإرادته الحرة، المشروعية لمن يختار، ليمارس سلطة الحكم والإدارة، بشروط معينة، يتم التعارف عليها، وتكون بمثابة العقد الاجتماعي فترة محددة، فهناك شكل آخر من العلاقة تم ابتكاره في تونس، إذ تتعامل بعض الأحزاب والائتلافات والعشائر السياسية مع الشعب التونسي، كشعبٍ قاصر، محكوم فيه وفي إرادتهِ، ومن ثمّ تحوّلُ الحكم إلى "حقّ مقدّس" لا ينازعها أحدٌ فيه. ويقينا، لم يقم شعبنا بثورته في الرّابع عشر من جانفي، لكي تكونَ حصيلتهُ النهائية منها، بعد حوالي تسع سنوات، مجموعة من العشائر والطوائف، تلغي وجودهُ تماما وتمارس الحكم نيابةً عنه.
    وهذا ما سعى الرّئيسُ إلى قوله لهم، ولكنهم قومٌ لا يفقهون.
     

  • Subscribe to مجلس نواب الشعب