موديز

  • استقالة هشام المشيشي: ذلك الخير الذي لا بدّ منه! ratEREsc ثلاثاء, 03/02/2021 - 10:14 استقالة هشام المشيشي: ذلك الخير الذي لا بدّ منه!


    يخطأ من يعتقدُ أنّ الأزمة السياسية التي تعصفُ بمنظومة الحكم في تونس، هي أزمة "طبيعية" كما يحاولُ بعض خصوم رئيس الجمهوريّة تسويقها في المنابر الإعلامية الخارجيّة، متكئين على تبريراتٍ واهية، كحداثة التجربة الديمقراطيّة التونسية، وانفتاحها على كلّ الانتكاسات الممكنة، ذلك أنّ قولاً كهذا قد يصحُّ في الأوقات العاديّة مثلاً، أوقات الرّخاء الاقتصادي والسلم الاجتماعي تحديدًا، حيثُ يمكنُ دون لبسٍ اعتبارُ المناكفات والمشاحنات وحتّى دسائس بارونات السياسة المعمّرة جزءًا من اللعبة السياسية، بل وجانبًا من بهاراتها اللذيذة. 
    لكن الأمر في تونس مختلفٌ تمامًا، إذ انتقلت البلادُ في لمح البصر من ثورة مضامين كبرى، تستدعي بلا شكّ تحويل البلاد إلى ورشة إصلاح تمتد من شمالها إلى جنوبها، ولا تهدأ الحركة فيها ولا تكلّ، إلى ديمقراطية "شكليّة"، تحترمُ فيها المؤسساتُ على نحوٍ "طقوسي" مفرغٍ من الإيمان والرغبةِ في التجاوز، ما يجعلُ من كلّ الازمات السياسية التي عرفتها البلادُ طوال هذا العقد الأخير، أزمات "مفتعلة" بل "ومختلقة" من الألف إلى الياء، بسبب رغبة "الإخوة كارامازوف" في الاستئثار بكعكة تصفية الحساب مع جثّة الأب الآثم. 
    وبهذا الخصوص، لا حاجة لنا إلى التذكير بحقيقة الأزمة السياسية الحاليّة التي تدخلُ أسبوعها الخامس بلا بوادر عمليّة في انفراجٍ قريب، حقيقة تقولُ إنّ سبب الأزمة الأخيرة الرّئيس هو رغبة السيّد هشام المشيشي، رئيس الحكومة، في إنهاء الحضور الرئاسيّ من المشهد السياسي جملةً وتفصيلاً، خدمةً لأجندات مسقطة، متناقضة وفي حالة تنافر مستمّر مع وضعيّة البلاد المترديّة، وهو ما فتح الأبواب مشرعةً أمام سلسلة من الهفوات القاتلة التي عصفت نهائيّا بآخر جسور التواصل لا مع رئاسة الجمهوريّة فحسب وإنّما مع عموم الشعب التونسي الذي لا يهتمّ بكرنفالات الأحزاب السياسية وتهافتها على تجييش الشارع البارد.

    هفوات.. هفوات..!

     والحقّ أننا لو سألنا أيّ مواطن بسيطٍ عن أصل المشكلة التي تعرفها منظومة الحكم برمّتها، لضرب كفّا بكفّ، قبل أن يهزّ كتفيه دلالةً على حيرته. وبالفعل، لو قمنا باسترجاع شريط الأحداث برمّته، لوقفنا على حجم "الخبل" الذي تسللّ إلى ما بتنا نسميه، على سبيل الفذلكة المرّة، بـ"العقل السياسي".
    فالأزمة الأخيرة عنوانها الرئيس "الاختلافُ حول التحوير الوزاريّ". ولكن من دعا إلى تحويرٍ وزاريّ في هذا الوقت، أي بعد تمكن الحكومة من تمرير مشروعي قانون المالية التكميلي للعام 2020 وقانون المالية لسنة2021، بشق الأنفس؟ فالمعروف بالضرورة لكلّ عقلٍ بليد لا يفقه من أمور الإدارة شيئًا، أنّ قانون المالية عادةً يعبّرُ عن رؤية الجهاز التنفيذي، وهذا يفترضُ ضرورة وجود جسمٍ حكوميّ، تعملُ أعضاءه بشكلٍ متناغمٍ وبدقّة ساعةٍ سويسرية، بعبارة أخرى، لا تقومُ الحكوماتُ التي تعاني من خللٍ، وهو ما يستوجبُ التعديل والتحوير، بعرض خطتها الاقتصادية على النواب، ما لم تبادر أوّلاً إلى تعديلِ أوتارها. 
    فهل هذا ما حدث مع السيّد هشام المشيشي؟ لا!  لأنّ الهدف الرئيس كان وما يزل بالنسبة إلى رئيس الحكومة ربح معركة "الوقت" وتمرير أجندة اقتصادية ومالية "مضروبة"، حسب التعبير الدارج، بل وحسب تقارير المؤسسات الدولية الكبرى (راجع مقالنا ليوم أمس حول تقرير موديز)، للتفرّغ للمعركة الرئيسية وهي "تطهير الحكومة" من الوزراء المحسوبين على رئيس الجمهوريّة. وهو ما بادر إليه الرّجل ما إن انتهت موقعةُ تمرير قانون الماليّة، فبدلاً من الانصراف إلى معالجة المشاكل المتفاقمة والانكباب على ملف الإصلاحات الكبرى، اختار أن يفتح جبهةً جديدة، منصتًا إلى بطانته وحدها، ومستبقا مبادرة اتحاد الشغل بخصوص الحوار الوطني التي قبل رئيس الجمهورية بالإشراف عليها، وأعلن عن تعديلٍ وزاريّ هو بالنهاية تعديلٌ جزئيّ لتركيبة الحكومة، دون العودة إلى رئاسة الجمهوريّة. ورغم تحذيرات رئيس الجمهوريّة وأغلب المتابعين المنصفين لما يحدث على الساحة السياسية، فضّل المشيشي أن يمضي باللعبة إلى نهايتها، مواليا الخطأ تلو الآخر، كعدم التثبت من ملفات بعض الوزراء المرشحين لحقائب بعينها (وهو ما أكدتهُ هيئة مكافحة الفساد)، إلى أن وجد نفسه داخل زقاقٍ "قانوني" مغلقٍ، حين رفض الرئيسُ التعديل برمّتهِ، لا خرافة "أداء اليمين" وحدها.
    ولنكن منصفين حقا في هذا الموضع. لقد توفّرت للمشيشي أكثر من فرصةٍ للتراجع، وهو ما كان سيحسبُ لهُ لا عليه، لكنّه فضّل السير في طريق الصمم، مستشيرًا فيلقا من الخبراء القانونيين، والمحكمة الإدارية والهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين، ولولا بقيّة من حياء أو قلة حيلة، لكان وجّه مراسلةً إلى محكمة لاهاي أو الفيفا، بحثًا عن حلّ يحفظ ماء الوجه، رغم إجماع الكلّ على عدم الاختصاص، ما يقيمُ الحجّة عليه لا على رئيس الدولةِ.

    أسلوب الهواة!

    ولأنّ الغرور والصمم والبطانة الفاسدة تفعلُ بالمرء ما لا يفعله به أشدّ أعداءه ضراوةً، أخذت تحرّكات هشام المشيشي، وهو يضربُ على غير هدى، بأسلوب الهواة سواء في مراسلاته المستمرّة إلى مؤسسة رئاسة الجمهوريّة أو في ما فعله يوم أمس حين أذن بفتح تحقيق في جرعات اللقاح التي أهديت إلى مؤسسة رئاسة الجمهورية من قبل دولة الإمارات منذ أشهر، وهي هدية حملت إمضاءات كلّ الهياكل العمومية تقريبا (التي يشرُف عليها نظريّا)، ما ورّطهُ في "هفوة" جديدة حوّلت الأمر برمتّه إلى مزحة يتداولها روّاد الفايسبوك. 
    بيد أننا نرى أنّ كلّ هذا ليس مهمّا، رغم تأكيدنا على أنّ الازمة برمّتها مفتعلة وهذا ما أوضحناه في أكثر من مقالٍ على أعمدة شكشكوكة تايمز، ذلك أنّ ما يعنينا حقيقةً هو الآتي، ذلك القادم المجهول الذي بتنا نستشعرُ خطورتهُ من رسالة صندوق النقد الدولي، وتقرير وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، فهاتين المؤسستين قدّمتا تقريبا ما يمكنُ توصيفه بالتعريف الدقيق لمفهوم الدولةِ الفاشلة، دولة أضاعت البوصلة تماما، ولا شيء يفصلها عن الهاوية سوى تخفيض التصنيف مجدّدًا، ولمرة وحيدة فقط. 
    ومن هنا تتأتّى عوتنا إلى السيّد هشام المشيشي بتقديم استقالته إنقاذًا للبلاد من مصيرٍ مظلمٍ للأمانة، فلا هو برجل المرحلة، ولا هو يتحوّزُ على الملكات الضرورية لإدارة أزمة اقتصادية ومالية بهذا العنف، ولا هو يتمتّع بالاستقلالية اللازمة عن كلّ الأطراف، استقلاليّة تمنحهُ حريّة التحرّك والحزم اللازمين لمعالجة أورام البلاد وأعطابها.  فكلّ مواقف الرّجل أثبتت، دون لبس، أنّه متعنّت ومنحازٌ بالكامل لأجندة لا شيء يغذيها سوى الشهوة إلى الحكم حتى ولو تحوّلت البلادُ إلى مجموعة من الخرائب المتلاصقة، فضلاً عن ممارسات "صبيانية" لا تليق برجل دولةٍ. 
    لقد أضحت استقالةُ هشام المشيشي الحلّ الوحيد للخروج من الأزمة، لتنقية الأجواء، وتمهيد الطريق أمام حوارٍ وطني أكثر من مطلوب، لإنقاذ ما يمكنُ إنقاذه، حتى لا تجد البلادُ نفسها واقعة تحت براثين وصايةٍ دولية ماليّة، وهذا ما يجب أن يفهمه المشيشي، قبل حلفائه، لأنّ الخير كلّ الخير اليوم في خروجهِ من الباب المفتوح أمامهُ، كي لا يضطرّ إلى الخروجِ من باب ذاكرة التونسيين الخلفيّ.
     

    تونس في انتظار "الكومسيون" المالي: كل التقارير الدولية تجمعُ على فشل المنظومة السياسية! ratEREsc اثنين, 03/01/2021 - 10:17 تونس في انتظار "الكومسيون" المالي: كل التقارير الدولية تجمعُ على فشل المنظومة السياسية!


    تدخلُ الأزمة السياسية في تونس أسبوعها الخامس، وقد اشتدّت حالة الاختناق الاقتصادي والمالي، حتّى بات الحديثُ عن إمكانيّة تحقيق انفراجٍ مّا في المستقبل القريب، أشبه بأمنية ضالّة. 
    فتونس اليوم هي عمليّا بلا حكومةٍ، بعد رفض رئيس الجمهوريّة، المصادقة على التحوير الوزاريّ، وتفضيل رئيس الحكومة الاعتماد على "المناولة" الوزاريّة أو ما بات يعرفُ بالنيابات الوزاريّة، فيما خيّرت الأحزابُ الكبرى، مغازلة الشارع، في ما يشبه استعراض القوى المفرغ من أيّ معنى، عدا مواصلة استفزاز بعضها البعض.
     مقابل ذلك، تتالى التقاريرُ الدوليّة والمحليّة وتتوالى منذرةً بكارثة وشيكة، فمن رسالة صندوق النقد الدولي طالبت السلطات التونسية  بضرورة ضبط كتلة الأجور والدعم المخصص للطاقة والتحويلات إلى الشركات العامة، محذرة في الوقت نفسه، من توسّع رقعة الدين العام وعجز الموازنة، إلى صفعة وكالة التصنيف الائتماني "موديز" التي أشعلت كلّ الأضواء الحمر، مرورًا بآخر تقارير المعهد الوطني للإحصاء، تبدو آفاقُ الانفراج مسدودةً تقريبًا، مع تزايد حاجيات البلاد إلى التمويل الخارجيّ، وهو ما ينذرُ بانتقال الدولة من مرحلة "الأزمة الهيكلية العميقة" إلى "مرحلة الإفلاس التام"، طالما أن البلاد باتت عاجزة تماما على الإيفاء بالتزاماتها المالية.

    الصندوق على الخطّ!

    ولقد شكّلت مراسلة صندوق النقد الدولي إلى السلطات التونسية، المنكفئة على صراعاتها "المعويّة"، صفعةً إضافيّة، رغم أنّها لم تتضمّن أيّ جديدٍ يذكر، إذ حذّر صندوق النقد الدولي السلطات من احتمالية ارتفاع عجز الميزانية قد يرتفع الى أكثر من 9% من الناتج المحلي الإجمالي في حال عدم الإسراع باتخاذ حزمة من الإجراءات، لعل أهمها ضبط كتلة الأجور ودعم المخصص للطاقة والتحويلات إلى الشركات العامة. 
    ومطالب الصندوق تبدو أكثر من واضحةً إذ تقومُ على تشخيصٍ سليمٍ لوضع المالية العمومية، حيث يتوقع أن يبلغ العجز المالي 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، وهو الأعلى منذ ما يقرب من 4 عقود. والمعلوم أن "العقل الحكومي" حاول استباق الأمور ووضع خطة تهدفُ إلى تقليص العجز إلى 6.6% في ميزانية عام 2021، غير أنّ ردّ الصندوق كان واضحًا حين أشار إلى أن خطة كهذه تتطلب حزمة من الإجراءات الحازمة، تستهدف الأجور والدعم والشركات العمومية، وهي من المسائل الخلافية الكبرى بين الحكومات المتعاقبة والمنظمة الشغيلة. 
    ولكي نكون دقيقين أكثر، نرى من المهم بمكانٍ أن نذكر مثلاً بأن كتلة الأجور في تونس تضاعفت إلى نحو 20 مليار دينار في 2021 مقارنةً من 7.6 مليار في 2010، غير أن أي إجراء يستهدف تقليص هذه الكتلة سيصطدم حتما بلاءات الاتحاد العام التونسي للشغل، لا سيما في ظل موجة ارتفاع الأسعار التي تعرفها البلاد وتدهور المقدرة الشرائية للمواطن، ما يعني عمليّا أن أيّ إجراء يستهدفُ تقليص هذه الكتلة، على نحو مسقط، قد يتسبب في انفجار اجتماعي لا أحد له القدرة على الحدّ من تداعياته. 
    يشارُ إلى أن صندوق النقد كان قد نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.8% هذا العام، مقارنة بانكماش قياسي قدره 8.2% متوقع في 2020، بناء على ما قدمته السلطات التونسية من أرقام، غير أنّ حذّر من مغبة الإقبال على التمويلات الأجنبية، لأن البلاد ستخاطرُ بعكس المكاسب التي تحققت في فترة خفض التضخم، مما قد يضعف سعر الصرف والاحتياطيات الدولية. 
    غير أنّ للعملة وجهُ آخر تمامًا، فحتى لو حاولت السلطات التونسية الخروج إلى السوق الدولية في هذا الوقت، فإنّها ستجدُ نفسها في أسوأ وضعيّة ممكنة، لاسيما أن وكالات التصنيف الائتماني الدولية، وعلى رأسها وكالة موديز، لم تكن رحيمةً قطّ بتونس، ما يعني أنّ أي خروج لتونس إلى السوق الدولية سيتكلّف الكثير على البلاد.

    تقرير موديز: الإنذار الأخير!

    والحقّ أن تقرير وكالة موديز وجه إنذارا أخيرًا إلى السلطات التونسية، بعد أن قامت الوكالة بتخفيض الترقيم السيادي لتونس من "ب 2" إلى "ب 3" مع الإبقاء على آفاق سلبية، ما يعني أن البلاد باتت على قاب قوسين أو أدنى من أن تصنف في موقع عالي المخاطر، أي "ج.أ.أ 1-"، والذي يعني عجز البلاد تماما على الإيفاء بالتزاماتها المالية.
    فماذا يعني تحديدًا تخفيض تصنيف تونس من "ب 2" إلى "ب 3" مع الإبقاء على آفاق سلبية؟ هذا يعني بداهةً حالة خلل هيكلية تعرفها البلاد، ما يكثف من مخاطر خروجها إلى السوق الدولية، بمعنى آخر، تتموقع تونس ضمن كوكب البلدان ذات المخاطر العالية، ما يعني أن اقراضها يعدّ مجازفة كبيرة، ولهذا يعمد المانحون عادةً إلى إقراض دول هذا التصنيف على فترات جد قصيرة وبنسب فائدة مشطة قد تصل إلى رقمين. بعبارة أخرى، ستكونُ خسائر تونس من الاقتراض أعلى كثيرًا من أيّة مكاسب محتملة. 
    فما سبب هذا التصنيف تحديدًا (وهو التخفيض الثامن في حوالي عشر سنوات)؟ تعودُ أسباب هذا التخفيض إلى تواصل حالة اللا استقرار الحكومي، وفشل الحكومات المتعاقبة في إدارة المجالين الاقتصادي والمالي، لا سيما أن الوكالة تعتمد غالبا على جملة من المؤشرات ذات الطابع السياسي البحث، علاوة على بقية المؤشرات الأخرى كالناتج الداخلي الخام ومستوى التداين الخارجي. 
    وللأمانة يعدّ تقرير موديز الأخير وثيقة إدانة واضحة لمسارٍ كامل، من الاخلالات والتلكؤ في القيام بالإصلاحات الضرورية في مجالات المالية العمومية والجباية والإنفاق العمومي، فضلاً على استسهال الاقتراض لتمويل كتلة الأجور وميزان الدعم على حساب الاستثمارات العمومية والخاصة، ولو أضفنا إلى ذلك كلّه، التوريد العشوائي والتهريب والتهرب الجبائي لاكتملت إحداثيات الدولة الفاشلة، وهذا لا يعدّ أمرًا يسهلُ إخفاؤه عن أعين الخبراء الدوليين. 
    إن التخفيض الأخير يقول صراحةً إن تونس ستواجه مخاطر أعلى لحظة خروجها إلى السوق الدولية، ما يعني ارتفاع كلفة الدين والاستثمارات المباشرة، فضلا على ارتفاع تكلفة واردات المؤسسات التونسية، ما يعني آليا ارتفاع الأسعار داخليا. 
    ومن الطبيعي للغاية أن تواصل وكالات التصنيف في مسار خفض تصنيف تونس، خصوصا مع تعطل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، التي تعدّ تقاريرهُ مرجعا هاما لها، علاوةً على أن التخفيض نفسه شمل أيضا البنك المركزي التونسي، مع تخفيض تصنيف سندات ديون البنك المركزي بالعملة الأجنبية المضمونة وغير المضمونة من الصنف الأول من “ب 2” إلى “ب 3” مع آفاق سلبية، باعتباره المسؤول الأول عن السياسة النقدية في البلاد. 
    باختصار شديد، يعكسُ التصنيف الأخير عدم ثقة وكالات التصنيف والمانحين الكبار في قدرة الحكومة الحالية على معالجةِ أزمتها المالية والاقتصادية، وهو يقين تعزز لدينا كتونسيين مع تواصل حالة الانسداد السياسي، ورفض "الخصوم" الجلوس إلى طاولة واحدة لإنقاذ ما يمكنُ إنقاذه. 
    وهذا تحديدًا ما أشار إليه تقرير موديز حين أكد على أنّ التأخر في وضع برنامج تمويل الصندوق للاقتصاد التونسي من شأنه "زيادة الضبابية على مستوى قدرة الحكومة على النفاذ إلى مصادر التمويل الخارجية والإبقاء على موقع لها في صورة الخروج إلى الأسواق المالية الدولية بشروط ميسرة للتمكن من الحصول على موارد مالية ملائمة لحاجات الدولة من السيولة"، ما يعني بداهةً أن الوكالة تتوقع "تعثر مسار إصلاح القطاع العام واستمرار العوائق المتصلة بتنافسية القطاع الخارجي فضلا عن دقة الأوضاع سياسيا واجتماعيا مما يؤثر على مناخ الأعمال". 

    المعهد الوطني للإحصاء: إلى الانكماش در !

    في غضون ذلك، كان المعهد الوطني للإحصاء قد نشر مؤخرا جملة من المؤشرات الدالة على خطورة الوضع الاقتصادي في البلاد، فلئن أكد على تسجيل الاقتصاد انكماشا قياسيا في الناتج المحلي المجمل لعام 2020 بلغت نسبته 8.8 في المئة، مع تفاقم واضح في نسب البطالة المدفوعة بأزمة وباء كورونا، فإنه أشار أيضا إلى تقلّص نسب النمو في كل القطاعات النشيطة، ما عدا القطاع الزراعي الذي نما بنسبة 4.4 في المئة، وارتفاع نسبة البطالة إلى حدود 17.4 في المائة خلال الثلاثي الرابع من سنة 2020، بعد فقدان 78.3 ألف وظيفة.
    وهو ما يتوافق ضمنيا مع كان البنك الدولي قد نشره بتاريخ 22 ديسمبر 2020، حين أكد تسجيل تراجع في نسبة النمو في تونس مع ارتفاع الدين العام من 72.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2019 إلى 86.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2020، وهو “مستوى أعلى بكثير من المعيار القياسي لعبء الديون البالغ 70 في المئة من إجمالي الناتج المحلي” وفق البنك الدولي.
    والمعلوم بالضرورة أن البلاد تحتاجُ إلى تعبئة موارد مالية بقيمة 19.6 مليار دينار من القروض الداخلية والخارجية لتمويل ميزانية 2021 بينها 2.2 مليار دولار من السوق المالية المحلية، غير أن مختلف التقارير التي بسطناها تجمعُ كلّها على ارتفاع مخاطر الالتجاء إلى السوق الدولية في وضعيّة كهذه، خصوصًا في ظلّ الازمة السياسية الخانقة، وغياب أية مؤشرات دالّة على وجود نيّة للإصلاح الحقيقي.
    بالمحصّلة، بإمكان الأحزاب أن تواصل لعبتها المرضية في تحشيد الشارع واستعراض أنصارها، دفاعا عن المؤسسات (المفلسة) كما فعلت حركة النهضة، أو انتقاما من المنظومة الحالية كما فعلت عبير موسي، وبإمكان هشام المشيشي الاستمرار في إغلاق أذنيه ومحاولة فرض تحويره بالقوة، وبوسع قيس سعيد كذلك الاستمرار في مسار التعنّت، بيد أن كلّ ذلك لن يغيّر من الأمر شيئا، تونس بلدُ فاشل ومشرف على الإفلاس، ما يعني آليا ارتفاع مخاطر الانفجارات الاجتماعيّة التي ستبدأ أوّلا بالتهام كلّ المتشبثين بثوب سلطةٍ زائفة وزائلة.
    أفلا يعقلون؟
     

  • Subscribe to موديز