نصر الدين بن حديد

  • قيس سعيّد من الإخشيدي إلى نابليون ! lomPLacD خميس, 01/07/2021 - 09:51 قيس سعيّد من الإخشيدي إلى نابليون !


    مهما تكن التفسيرات المقدّمة من قبل السياسيين والمراقبين لما يمكن أن نسمّيه «القضم» التي يمارسه رئيس الوزراء هشام المشيشي بإقصائه ثلاثة وزراء من «كوتا» رئيس الجمهوريّة، فاليقين قائم بأنّ الحرب الباردة، وخاصّة غير المعلنة بينه وبين قيس سعيّد، قد صارت ساخنة، وخاصّة معلنة وصريحة.

    الابن العاق أم الأب الضال؟

    عودًا إلى التاريخ، يمكن التأكّد دون أدنى صعوبة أنّ هشام المشيشي لا يملك مسيرة سياسيّة بالمرّة قبل الجلوس على كرسي وزارة الداخليّة، وكذلك (وهذا الأهمّ بألف مرّة)، لا شيء يميّزه عن غيره من «وزراء الصدفة» الذين ارتفع عددهم منذ 14 جانفي 2011، أي من كانوا دون مسيرة سياسيّة بالمرّة، وصاروا وزراء، ليرجعوا إلى ما كانوا عليه بعد مغادرة الوزارة. مسار كان يمكن بل من التأكيد أن يتبّعه وزير الداخليّة السابق ورئيس الوزراء الحالي... أن يعود «نكرة» من جملة عشرات النكرات الذين عاشوا هذا المسار... لولا عين قيس سعيّد التي وقعت عليه وانتقته من بين كوكبة «النكرات» من أمثاله.
    في المقابل، يجوز للرئيس الحالي قيس سعيّد الذي يملك (وفق الدستور الذي تمّ المصادقة عليه سنة 2014) حريّة كاملة ودون حدود، أو بالأحرى دون قيود، انتقاء «الكفاءة» التي يراها الأجدر بتحمّل مسؤوليّة تشكيل الحكومة، بعد أن عجز مرشّح حركة النهضة محمّد الحبيب الجملي في الحصول على الحدّ الأدنى من الأصوات (109) لتمرير الحكومة التي شكّلها.
    شرعيّة المنصب بمعنى وصول قيس سعيّد إلى قصر قرطاج بالاقتراع العامّ الحرّ، بل بنسبة 73 في المائة أمام غريمه نبيل القروي، معطوف على الحريّة المطلقة دون أدنى شرط الذي أجازها الدستور، دون إغفال اخفاق مرشّح النهضة في الحصول على تزكية مجلس نوّاب الشعب، جميعها، ليس فقط تجعل ممّن يجلس على كرسي الرئاسة الشخصية الأقوى على مستوى تسمية المكلّف بتشكيل الحكومة، بل (وهنا الأهميّة والسؤال) المسؤول الأوحد الذي لا شريك له البتّة على مستوى التسمية.

    من يملك السلطة يحوز النفوذ

    من منطلق انساني بحت، ورجوعًا إلى التجارب المماثلة عبر العالم، من التأكيد أن يوازن من هو مكان رئيس الجمهوريّة، بين أبعاد عدّة، عند انتقاء من يتكفّل بتشكيل الحكومة :
    أوّلا : مدى قرب الشخص المعيّن فكريا ومدى التقاطع الأيديولوجي مع رئيس الجمهوريّة،
    ثانيا : مسيرة من تمّ اختياره ومساره السياسي،
    ثالثًا : مدى قبول الطبقة السياسيّة لهذا الشخص، على الأقلّ الكتل البرلمانية الوازنة وذات التأثير، علمًا وأنّ الحكومة في حال تشكيلها مجبرة على الحصول على تزكية المجلس.
    الأكيد وما لا يقبل الجدل، عند الاطلاع على الحرب الساخنة والمعلنة بين كلّ من قيس سعيّد وهشام المشيشي، أنّنا أمام إحدى الحالتين :
    أوّلا : أن يكون رئيس الجمهوريّة أو المستشار المكلّف بالملف، قد أخطأ قراءة شخصيّة هشام المشيشي، ولم ير فيه ما يبديه الرجل من «صلابة»، بل من يردّ الصاع صيعان عديدة...
    ثانيا : أن يكون هشام المشيشي قد أبدى «الوجه» الذي يريده قيس سعيّد أو مستشاره، ليبدي «الوجه الحقيقي» بمجرّد الحصول على تزكية مجلس نوّاب الشعب.

    من ركب البحر لا يخشى من الغرق

    الأكيد (مهما تكن خفايا العلاقة بين رئيس الجمهوريّة ورئيس حكومته) يتحمّل قيس سعيّد بمفرده مسؤوليّة اختيار هشام المشيشي، سواء بذل هذا الأخير من «الطاعة» ما خدع المستشار ورئيسه، أو هو رفض أن يلعب دور «الوزير الأوّل» حفظا لكرامته ومن ثمّة عمل ولا يزال على ارتداء بدلة رئيس الحكومة قولا وممارسة، دون أن يتحوّل «الاختيار» إلى أداة تطويع بل وإذلال.

    من سيصمد؟ من يرمي المنديل؟

    بدأت تتشكّل جبهة وتتوضّح بين أنصار هذا وأتباع ذاك، يكون مجلس نوّاب الشعب الملعب الذي تدور فيه، ومن الأكيد أنّ النوّاب بصدد حساب رهانات اللعبة للاصطفاف مع هذا من باب المساندة، أو هي بالأحرى كراهيّة الطرف الأخر.

    هل انقلب المشيشي على «انقلاب»؟ lomPLacD أربعاء, 01/06/2021 - 10:31 هل انقلب المشيشي على «انقلاب»؟

    أهمّ ألف مرّة من إقالة وزير الداخليّة فجأة ودون مقدّمات، أنّ القرار صدر مقتضبّا وجافّا، ودون ذكر الأسباب أو هو مجرّد التلميح إلى الأسباب التي تقف وراء هذا «التخلّصّ» من وزير إحدى أهمّ وزارات السيادة في تونس، بل يمكن القول، بناء على قراءة التاريخ أنّها الأهمّ...

    أسئلة بالجملة.. أجوبة بالتقطير.

    ما يصدم وما يدعو إلى السؤال كذلك أنّ رئيس الحكومة هشام المشيشي قد خصّ ذاته بهذه الوزارة، أيّ أنّه هو من سيؤدّي وظيفة وزير الداخليّة دون وسيط ولا رابط مع هذه «الماكينة» ذات الاهميّة الاستراتيجيّة في البلاد. 
    يكون السؤال إذًا عن الأسباب التي دفعت وزير الداخلية السابق إلى الاضطلاع بمهام وزير الداخليّة الحالي، خاصّة وأنّه يشغل منصب رئيس الحكومة الحالي؟ بالأحرى، لماذا لم يكلّف وزيرًا من جملة الوزراء بأداء ذات المهمّة كما هو حال وزارة الثقافة ووزارة البيئة؟
    إذا كانت وزارة الداخليّة في ذاتها تدعو دائمًا إلى طرح الأسئلة، سواء عن «هويّة» الوزير، أو ارتباطاته والسياسة التي سيعتمدها خاصّة على مستوى التسميات، فإنّ هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا عندما :
    أولا : تأتي الإقالة فجأة ودون أدنى إشارات.
    ثانيا : أن تأتي التنحية من قبل رئيس وزراء، كان يشغل خطّة وزير الداخلية في الحكومة التي سبقت الحكومة التالية.
    ثالثًا : أن يخصّ رئيس الحكومة ذاته بمنصب وزير الداخليّة، وما يعني الجمع بين المنصبين، عند استعادة للتاريخ.
    لا ثالث له..
    منطقيا لم يكن رئيس الوزراء هشام المشيشي ليقيل وزير الداخليّة توفيق شرف الدين، سوى لأحد الأمرين، أو الاثنين معًا :
    أوّلا : أنّ الوزير المقال ارتكب ما قدّر رئيس الحكومة أنّها «هفوة/جريمة» تجعل من الإعفاء أمرًا واجبًا.
    ثانيا : أنّ الوزير المقال صار يشتغل لحسابه الخاصّ أو لحساب جماعة أخرى إن لم تكن جماعة تعادي رئيس الوزراء وتعمل على تعطيل مساره أو الأدهى من ذلك قد تكون تسعى للإطاحة به.
    تدور على وسائل التواصل الاجتماعي صور وثائق يقدمها المتداولون على أنّها جملة التغييرات التي كان الوزير المقال ينوي الإقدام عليها في صلب وزارة الداخليّة وبالأخصّ المناصب الحسّاسة فيها.
    يعلم هشام المشيشي بحكم الفترة التي قضاها على رأس وزارة الداخليّة أهميّة هذه «الماكينة» الضخمة جدّا. من ثمّة يأتي يقينه بوجوب أن تكون هذه الوزارة «مضمونة» بالكامل، أو أقلّها ألاّ تكون تحت سيطرة الطرف مقابل أو «العدوّ» في رواية أخرى.

    التخلّص من «الفيروسات»..

    عند توسيع دائرة الرؤية والغوص قليلا في التاريخ، إلى حين تشكيل الحكومة الحالية بضبط، نجد أنّ وزير الداخليّة المُقال توفيق شرف الدين، لم يكن ضمن «كوتا» التي جاء بها هشام المشيشي عند تقديم الاقتراحات، كما هو حال وزير الثقافة المقال وكذلك شأن وزير البيئة الذي انتهى به الأمر إلى الإيقاف. من ثمّة، مهما تعدّدت الأسباب الظاهرة أو المعلنة، لا تعدو كلّ إقالة سوى تخلصّ «طبيعي» (وفق منطق هشام المشيشي) من «الأجسام الدخيلة» على حكومته.

    «الجوكر» هو من يكسب المقابلة

    يدري هشام المشيشي (الشخص قبل رئيس الحكومة) أنّ لعبة الإقالة والتعويل على منطق «وزير بالإنابة» لا يمكن أن تكون ذلك السلاح الفعّال دون حساب ودون سقف، ليتخلّص من أيّ «وزير مشاكس» ويعوّضه بزميل له، لسببين :
    أوّلا : الصورة «غير الجذّابة» التي أصبحت عليها حكومة غاب عنها 3 وزراء أصحب وزاراتهم تشتغل بالإنابة.
    ثانيا : طال الأمر أو قصر، سيكون على رئيس الوزراء هشام المشيشي التوجه إلى مجلس نوّاب الشعب سواء سعيا منه لتثبيت شرعية تسميات جديدة على رأس الوزارات الثلاث، أو الردّ على تساؤلات نوّاب بعضهم صار يشحذ سيوفه منذ الآن، ليكون وجوده ووجود حكومته موضع تساؤل...
    بالمحصّل هو سباق ضدّ الساعة أشبه بما يكون بالوقت الذي تمنحه ساعة الرمل:
    أوّلا : تثبيت الذات وتعميق الجذور داخل أجهزة الدولة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، خاصّة على رأس المناصب الحسّاسة في الدولة.
     : التحوّل (وفق نظريّة النشوء والارتقاء) من مجرّد رئيس وزراء «مقترح من قبل رئيس الجمهوريّة» إلى لاعب مستقل، ولمَ لا، أن يصير «جوكر» الذي لا تلتئم حكومة بدونه.
    هل سينجح هشام المشيشي، علمًا وأنّ سابقه يوسف الشاهد صار يرأس حزبا «عاديا» في حين يبدو إلياس الفخفاخ خارج رادارات السياسة؟
     

     

  • Subscribe to نصر الدين بن حديد