تقديرموقف

    بين الأعراف والشغالين: سحابة صيف عابرة أم خلاف استراتيجي؟ ratEREsc جمعة, 04/02/2021 - 10:32 بين الأعراف والشغالين: سحابة صيف عابرة أم خلاف استراتيجي؟

     

    في تاريخ العلاقة بين عملاقي المشهدين الاقتصادي والاجتماعي، أي منظمتي الشغالين والأعراف ومنظمة الأعراف، يندرُ أن نعثر على محطات التقاء كثيرة، فباستثناء تعايشهما المشترك في أوّل حكومة وطنية بعد الاستقلال، ودخولهما في قائمات موحدة لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي آنذاك، أو ما قدماه للبلاد حين شكلا قطبا الرباعي الراعي للحوار وهو ما جنب البلاد أوار حرب أهلية، أو جلوسهما معًا لتوقيع وثيقة قرطاج بهدف إنقاذ الوضع الاقتصادي تحت رئاسة الراحل الباجي قائد السبسي،  لم تغادر العلاقة بين قطبي المشهد مربّع الصراع الناعم، وهذا أمرٌ أكثر من مفهوم بالنظر إلى طبيعة دوريهما. فمهمّة كلّ منهما هو الدفاعُ عن مصالح منظوريهما حتى وإن خالف هذا الدفاع أحيانا شروط     المنطق أو لم يراع مصالح البلاد.
    غير أنّ الخلاف الأخير الحاصل بين المنظمتين بسبب اتهامات سامي الطاهري، الأمين العام المساعد للمنظمة الشغيلة، لعدد من رجال الأعمال بالفساد، وهو ما أجبر منظمة الأعراف على الردّ بحدة، اعتبره المطلعون على كواليس المنظمتين، خلافًا "غير طبيعيا"، بل لم يكن خلافا مبرمجًا من الأساس في شبكة العلاقات المتصدّعة التي تشكّل المشهد السياسيّ. ومن ثمّة، نرى من المشروع أن نتساءل عن مبررات خلافٍ بين قطبين يفترضُ بهما اليوم قيادة منظومة الإصلاح الاقتصادي ودفع الفرقاء السياسيين إلى الجلوس إلى طاولة حوار واحدة، لا سيّما أن أصحاب المؤسسات والشغالين هم من يدفعون اليوم فاتورة الشلل السياسي الذي تعاني منه البلاد.  

    مأزق الضغوط الداخليّة وهاجس التنفيس !

    والحقّ أنّ النبش في الأسباب الحقيقيّة التي أدّت إلى هذا الخلاف لا يختلفُ البتة عن الحفر في أولويّات كلا المنظمتين. ذلك أنّ الادعاء مثلاً بأن تواضع أداء المنظومة السياسية برمتها في معالجة الملفات الثقيلة، ووضع الأزمة السياسية الخانق بين رأسي الجهاز التنفيذي، يعدّان سببا رئيسيا في اشتعال النار بين القطبين، لا يمكنُ فصلهُ عن التأويلات "السطحيّة" التي تدفعُ بقطبي المشهد إلى الفرن السياسي، وبالمثل، لا يمكنُ فصله عن الرغبات الثانوية لدى بعض الحساسيات السياسية في رؤية هذا الخلاف "المؤقت" يتحوّل إلى حربٍ "دائمة".
    فالمنظمة الشغيلة تعاني من الضغوطات الداخليّة التي حتّمت تغيير أولوياتها في اتجاهِ الاستجابة لمطلبيات منظوريها الذين تضرروا من تداعيات الأزمة الاقتصادية التي فاقمتها جائحة كورونا، علاوة على وجود ضغوط "سياسية" حقيقية تطالبُ نور الدين الطبوبي، بفكّ الارتباط بالمنظومة السياسية الفاسدة، ورفع يدهِ عن حكومة هشام المشيشي- باعتبارها شريكا لا يمكنُ التعويل عليه فضلاً عن تحميلها مسؤولية ما يحدث الآن- كي لا يكونُ الاتحاد شريكًا في تحمّل فاتورة اقتصاديّة واجتماعيّة خانقة بدأت نتائجها تظهرُ إلى العلن.
    وبالتأكيد ثمّة أيضا بعض التوابل الأخرى، التي تعرفها قيادات المركزّية النقابيّة، توابل لها علاقة واضحة بانتماءات عدد من قيادات الاتحاد إلى مضارب سياسية متنوعة لطالما كانت في مواجهة مباشرة مع حركة النهضة التي تعدُّ القلب النابض لوسادة الحكومة السياسية، وهذه الانتماءات بدأت تفصح عن نفسها بالفعل خوفا من استدراج مشاكل المنظومة السياسية إلى داخل البيت النقابيّ.
    وإذا كان عامل التنفيس عن الخلافات الداخليّة يعتبرُ أحد عوامل تغيير الأولويات، فإنّ مسارعة حكومة المشيشي مؤخرا إلى تعزيز روابطها مع الأمانة العامة، في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، كموافقتها على اتفاقية الزيادة في الأجور أو توقيع وثيقة إصلاح المؤسسات العمومية، شكلت اللحظة المفصليّة التي دفعت بأولويّة إحداث تغيير جذريّ في سياسة المنظمة، أو تحديدًا أمينها العام، الذي راح يتحرّك في كلّ الاتجاهات لتقريب وجهات النظر بين الرؤساء الثلاث. ومن الطبيعي جدا، في وضع أزمة سياسية واقتصادية خانقة، أن تنفلت بعض "التصريحات" من عقالها، وتوجه سهامها نحو "طبقة رجال الأعمال" تحديدًا، أي إلى الجبهة المفضلة لعموم الشغالين، رغم أن المنطق يقولُ إنّ المنظومة التي خيّر الطبوبي استدراجها إلى منطق التفاوض والحوار هي من يتحمّلُ مسؤولية الأزمة على نحو مباشرٍ وصريحٍ.
    والواقع يقولُ أيضا إنّ منظمة الأعراف هي المتضرّرُ الأكبرُ من تراجع النشاط الاقتصادي في البلاد، إذ تكفي جولة قصيرة داخل كشوفات وفيات المؤسسات الاقتصادية التي فاقمتها جائحة كورونا، أو مراجعة سريعة لتلكؤ الدولة في تنفيذ تعهداتها تجاه المؤسسات المتعثرة، حتى نقف على حدة الضغوطات الداخلية التي تشهدها منظمة الأعراف نفسها. 
    وإذ كانت معالجة هذا الغليان الداخليّ تشكّل، دون مواربة، النقطة الأولى في أجندة سمير ماجول، إذ بات يحمّلُ الحكومة مسؤولية تردّي الوضع الاقتصادي علنا، بل ويعتبرها المسؤول الأول عن ضرب السلم الاجتماعي، وهو ما يفسّر ردّ المنظمة المتشنج على تصريحات سامي الطاهري، ذلك أنها لم تتوقع أن تأتي "الضربة" من شريكٍ دفع وما يزال فاتورة إدارة الدولة المهزوزة للوضعين الاقتصادي والاجتماعي.
    وفضلاً عن كلّ ذلك، ثمّة ملاحظة نرى من المهمّ أن نسوقها، ملاحظة تتعلّقُ بطبيعة الرّجلين الذين يديران المنظمتين، فكما أثبتت كلّ المحطات السياسية السابقة قدرتهما على المناورة وانتزاع المنافع لصاح منظوريهما، أثبتت الأحداث أيضا قدرتهما على رفض أنصاف الحلول حدّ التصعيد. ذلك أنّ الطبوبي وماجول، عرف عنهما أنّهما "ماكيناتين" حقيقيتين، توجهان الدفة الاقتصادية للبلاد ناهيك عن الدفّة السياسية. وهذه الطبيعة "المتنمّرة" ذات القدرة الغريبة على المناورة، تمثّل نقطة التقاء، لا اختلاف، أخرى بين الرجلين الذين يعرفان جيّدًا أنّ البلاد تتأرجحُ فوق جرفٍ هارٍ، وأنّ الإنقاذ يمرُّ حتمًا عبر نزع القفازات الحريريّة وارتداء قفازات الملاكمة.

    هل يصمدُ خلاف القطبين؟

    إنّ اعتبار هذا الخلاف بين القطبين، تحالفًا "مؤقتا" أو نيران صديقة، تفسّرهُ في الواقع جملة من المعطيات لعلّ أهمّها، هو ملفّ المؤسسات الاقتصادية بشقيها العام والخاص، فضلاً عن تراجع كل مؤشرات الاقتصاد الحيوية، وارتفاع معدلات البطالة بسبب تعثر المؤسسات الاقتصادية، علاوة على ملفّ حارق آخر هو ملف المفاوضات الاجتماعية في القطاع الخاصّ، والمعلوم أنّ المنظمتين عوّدتا الشارع السياسي بالأجواء المشحونة، أجواء سرعان ما ينتهي بها الأمر إلى اتفاقاتٍ تعيدُ الأمور إلى مجاريها.
    صحيح أن تباين الرؤى يظلّ السمة الأبرز لعلاقة القطبين ببعضهما البعض، وخصوصا في مسائل بعينها كالتفويت في المؤسسات الاقتصادية- التي يساندها الأعراف ويعارضها الشغالون- أو الصناديق الاجتماعيّة أو مسألة الانتدابات في القطاعين العام والخاص، ناهيك أن التوّجه الاقتصادي دائما ما شكّل نقطة اختلاف بين القطبين، خاصة حينما تجدُ ليبراليّة منظمة الأعراف نفسها في مواجهة النزعة الاشتراكية للمنظمة الشغيلة، إلا أن الأزمات الكبرى التي عرفتها البلاد، لطالما أرّخت إلى قدرة العملاقين على تجاوز خلافاتهما وانحيازهما اللامشروط إلى مصلحة البلاد.
    ولا شكّ في أنّ "خلافا" كهذا الذي يطبعُ علاقة القطبين مؤخرًا، يعدُّ فرصة لبعض الحساسيات السياسية التي تسعى إلى إطالة عمر الأزمة، ولا تشعر بأيّ ارتياحٍ لأي تقارب محتملٍ بين قطبي المشهد الاقتصادي والاجتماعي، لإزاحتهما معًا ومنعهما من لعب أيّ دور متقدّمٍ في حلحلة الأزمة السياسية.
    بالمحصّلة، نرى من المهمّ بمكان تفعيل دور مجلس الحوار الاقتصادي والاجتماعي، باعتباره حاضنة مريحة للحوار بين القطبين، وصمام أمان حقيقي أمام أيّ هزات اجتماعية واقتصادية، على ألا ينحصر دوره في تنظيمِ المفاوضات الاجتماعية وإنّما في تحوّله إلى "عقل إقتصادي"، على شاكلة المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي وقع حلّه بعيد الثورة، قادر على وضع الخطط والاستراتيجيات وتمكين الحكومة، أيّ حكومة، من خارطة طريق اقتصادية واجتماعية توافقيّة. وهنا فقط، يمكننا أن نتحدّث عن ديمومة التحالف بين القطبين، تحالف لا تمليه الضرورة أو التنفيس عن المشاكل الداخليّة بقدر ما يمليه الأمن القومي لتونس. 
     

  • تونس في انتظار "الكومسيون" المالي: كل التقارير الدولية تجمعُ على فشل المنظومة السياسية! ratEREsc اثنين, 03/01/2021 - 10:17 تونس في انتظار "الكومسيون" المالي: كل التقارير الدولية تجمعُ على فشل المنظومة السياسية!


    تدخلُ الأزمة السياسية في تونس أسبوعها الخامس، وقد اشتدّت حالة الاختناق الاقتصادي والمالي، حتّى بات الحديثُ عن إمكانيّة تحقيق انفراجٍ مّا في المستقبل القريب، أشبه بأمنية ضالّة. 
    فتونس اليوم هي عمليّا بلا حكومةٍ، بعد رفض رئيس الجمهوريّة، المصادقة على التحوير الوزاريّ، وتفضيل رئيس الحكومة الاعتماد على "المناولة" الوزاريّة أو ما بات يعرفُ بالنيابات الوزاريّة، فيما خيّرت الأحزابُ الكبرى، مغازلة الشارع، في ما يشبه استعراض القوى المفرغ من أيّ معنى، عدا مواصلة استفزاز بعضها البعض.
     مقابل ذلك، تتالى التقاريرُ الدوليّة والمحليّة وتتوالى منذرةً بكارثة وشيكة، فمن رسالة صندوق النقد الدولي طالبت السلطات التونسية  بضرورة ضبط كتلة الأجور والدعم المخصص للطاقة والتحويلات إلى الشركات العامة، محذرة في الوقت نفسه، من توسّع رقعة الدين العام وعجز الموازنة، إلى صفعة وكالة التصنيف الائتماني "موديز" التي أشعلت كلّ الأضواء الحمر، مرورًا بآخر تقارير المعهد الوطني للإحصاء، تبدو آفاقُ الانفراج مسدودةً تقريبًا، مع تزايد حاجيات البلاد إلى التمويل الخارجيّ، وهو ما ينذرُ بانتقال الدولة من مرحلة "الأزمة الهيكلية العميقة" إلى "مرحلة الإفلاس التام"، طالما أن البلاد باتت عاجزة تماما على الإيفاء بالتزاماتها المالية.

    الصندوق على الخطّ!

    ولقد شكّلت مراسلة صندوق النقد الدولي إلى السلطات التونسية، المنكفئة على صراعاتها "المعويّة"، صفعةً إضافيّة، رغم أنّها لم تتضمّن أيّ جديدٍ يذكر، إذ حذّر صندوق النقد الدولي السلطات من احتمالية ارتفاع عجز الميزانية قد يرتفع الى أكثر من 9% من الناتج المحلي الإجمالي في حال عدم الإسراع باتخاذ حزمة من الإجراءات، لعل أهمها ضبط كتلة الأجور ودعم المخصص للطاقة والتحويلات إلى الشركات العامة. 
    ومطالب الصندوق تبدو أكثر من واضحةً إذ تقومُ على تشخيصٍ سليمٍ لوضع المالية العمومية، حيث يتوقع أن يبلغ العجز المالي 11.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، وهو الأعلى منذ ما يقرب من 4 عقود. والمعلوم أن "العقل الحكومي" حاول استباق الأمور ووضع خطة تهدفُ إلى تقليص العجز إلى 6.6% في ميزانية عام 2021، غير أنّ ردّ الصندوق كان واضحًا حين أشار إلى أن خطة كهذه تتطلب حزمة من الإجراءات الحازمة، تستهدف الأجور والدعم والشركات العمومية، وهي من المسائل الخلافية الكبرى بين الحكومات المتعاقبة والمنظمة الشغيلة. 
    ولكي نكون دقيقين أكثر، نرى من المهم بمكانٍ أن نذكر مثلاً بأن كتلة الأجور في تونس تضاعفت إلى نحو 20 مليار دينار في 2021 مقارنةً من 7.6 مليار في 2010، غير أن أي إجراء يستهدف تقليص هذه الكتلة سيصطدم حتما بلاءات الاتحاد العام التونسي للشغل، لا سيما في ظل موجة ارتفاع الأسعار التي تعرفها البلاد وتدهور المقدرة الشرائية للمواطن، ما يعني عمليّا أن أيّ إجراء يستهدفُ تقليص هذه الكتلة، على نحو مسقط، قد يتسبب في انفجار اجتماعي لا أحد له القدرة على الحدّ من تداعياته. 
    يشارُ إلى أن صندوق النقد كان قد نمو الناتج المحلي الإجمالي 3.8% هذا العام، مقارنة بانكماش قياسي قدره 8.2% متوقع في 2020، بناء على ما قدمته السلطات التونسية من أرقام، غير أنّ حذّر من مغبة الإقبال على التمويلات الأجنبية، لأن البلاد ستخاطرُ بعكس المكاسب التي تحققت في فترة خفض التضخم، مما قد يضعف سعر الصرف والاحتياطيات الدولية. 
    غير أنّ للعملة وجهُ آخر تمامًا، فحتى لو حاولت السلطات التونسية الخروج إلى السوق الدولية في هذا الوقت، فإنّها ستجدُ نفسها في أسوأ وضعيّة ممكنة، لاسيما أن وكالات التصنيف الائتماني الدولية، وعلى رأسها وكالة موديز، لم تكن رحيمةً قطّ بتونس، ما يعني أنّ أي خروج لتونس إلى السوق الدولية سيتكلّف الكثير على البلاد.

    تقرير موديز: الإنذار الأخير!

    والحقّ أن تقرير وكالة موديز وجه إنذارا أخيرًا إلى السلطات التونسية، بعد أن قامت الوكالة بتخفيض الترقيم السيادي لتونس من "ب 2" إلى "ب 3" مع الإبقاء على آفاق سلبية، ما يعني أن البلاد باتت على قاب قوسين أو أدنى من أن تصنف في موقع عالي المخاطر، أي "ج.أ.أ 1-"، والذي يعني عجز البلاد تماما على الإيفاء بالتزاماتها المالية.
    فماذا يعني تحديدًا تخفيض تصنيف تونس من "ب 2" إلى "ب 3" مع الإبقاء على آفاق سلبية؟ هذا يعني بداهةً حالة خلل هيكلية تعرفها البلاد، ما يكثف من مخاطر خروجها إلى السوق الدولية، بمعنى آخر، تتموقع تونس ضمن كوكب البلدان ذات المخاطر العالية، ما يعني أن اقراضها يعدّ مجازفة كبيرة، ولهذا يعمد المانحون عادةً إلى إقراض دول هذا التصنيف على فترات جد قصيرة وبنسب فائدة مشطة قد تصل إلى رقمين. بعبارة أخرى، ستكونُ خسائر تونس من الاقتراض أعلى كثيرًا من أيّة مكاسب محتملة. 
    فما سبب هذا التصنيف تحديدًا (وهو التخفيض الثامن في حوالي عشر سنوات)؟ تعودُ أسباب هذا التخفيض إلى تواصل حالة اللا استقرار الحكومي، وفشل الحكومات المتعاقبة في إدارة المجالين الاقتصادي والمالي، لا سيما أن الوكالة تعتمد غالبا على جملة من المؤشرات ذات الطابع السياسي البحث، علاوة على بقية المؤشرات الأخرى كالناتج الداخلي الخام ومستوى التداين الخارجي. 
    وللأمانة يعدّ تقرير موديز الأخير وثيقة إدانة واضحة لمسارٍ كامل، من الاخلالات والتلكؤ في القيام بالإصلاحات الضرورية في مجالات المالية العمومية والجباية والإنفاق العمومي، فضلاً على استسهال الاقتراض لتمويل كتلة الأجور وميزان الدعم على حساب الاستثمارات العمومية والخاصة، ولو أضفنا إلى ذلك كلّه، التوريد العشوائي والتهريب والتهرب الجبائي لاكتملت إحداثيات الدولة الفاشلة، وهذا لا يعدّ أمرًا يسهلُ إخفاؤه عن أعين الخبراء الدوليين. 
    إن التخفيض الأخير يقول صراحةً إن تونس ستواجه مخاطر أعلى لحظة خروجها إلى السوق الدولية، ما يعني ارتفاع كلفة الدين والاستثمارات المباشرة، فضلا على ارتفاع تكلفة واردات المؤسسات التونسية، ما يعني آليا ارتفاع الأسعار داخليا. 
    ومن الطبيعي للغاية أن تواصل وكالات التصنيف في مسار خفض تصنيف تونس، خصوصا مع تعطل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، التي تعدّ تقاريرهُ مرجعا هاما لها، علاوةً على أن التخفيض نفسه شمل أيضا البنك المركزي التونسي، مع تخفيض تصنيف سندات ديون البنك المركزي بالعملة الأجنبية المضمونة وغير المضمونة من الصنف الأول من “ب 2” إلى “ب 3” مع آفاق سلبية، باعتباره المسؤول الأول عن السياسة النقدية في البلاد. 
    باختصار شديد، يعكسُ التصنيف الأخير عدم ثقة وكالات التصنيف والمانحين الكبار في قدرة الحكومة الحالية على معالجةِ أزمتها المالية والاقتصادية، وهو يقين تعزز لدينا كتونسيين مع تواصل حالة الانسداد السياسي، ورفض "الخصوم" الجلوس إلى طاولة واحدة لإنقاذ ما يمكنُ إنقاذه. 
    وهذا تحديدًا ما أشار إليه تقرير موديز حين أكد على أنّ التأخر في وضع برنامج تمويل الصندوق للاقتصاد التونسي من شأنه "زيادة الضبابية على مستوى قدرة الحكومة على النفاذ إلى مصادر التمويل الخارجية والإبقاء على موقع لها في صورة الخروج إلى الأسواق المالية الدولية بشروط ميسرة للتمكن من الحصول على موارد مالية ملائمة لحاجات الدولة من السيولة"، ما يعني بداهةً أن الوكالة تتوقع "تعثر مسار إصلاح القطاع العام واستمرار العوائق المتصلة بتنافسية القطاع الخارجي فضلا عن دقة الأوضاع سياسيا واجتماعيا مما يؤثر على مناخ الأعمال". 

    المعهد الوطني للإحصاء: إلى الانكماش در !

    في غضون ذلك، كان المعهد الوطني للإحصاء قد نشر مؤخرا جملة من المؤشرات الدالة على خطورة الوضع الاقتصادي في البلاد، فلئن أكد على تسجيل الاقتصاد انكماشا قياسيا في الناتج المحلي المجمل لعام 2020 بلغت نسبته 8.8 في المئة، مع تفاقم واضح في نسب البطالة المدفوعة بأزمة وباء كورونا، فإنه أشار أيضا إلى تقلّص نسب النمو في كل القطاعات النشيطة، ما عدا القطاع الزراعي الذي نما بنسبة 4.4 في المئة، وارتفاع نسبة البطالة إلى حدود 17.4 في المائة خلال الثلاثي الرابع من سنة 2020، بعد فقدان 78.3 ألف وظيفة.
    وهو ما يتوافق ضمنيا مع كان البنك الدولي قد نشره بتاريخ 22 ديسمبر 2020، حين أكد تسجيل تراجع في نسبة النمو في تونس مع ارتفاع الدين العام من 72.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2019 إلى 86.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2020، وهو “مستوى أعلى بكثير من المعيار القياسي لعبء الديون البالغ 70 في المئة من إجمالي الناتج المحلي” وفق البنك الدولي.
    والمعلوم بالضرورة أن البلاد تحتاجُ إلى تعبئة موارد مالية بقيمة 19.6 مليار دينار من القروض الداخلية والخارجية لتمويل ميزانية 2021 بينها 2.2 مليار دولار من السوق المالية المحلية، غير أن مختلف التقارير التي بسطناها تجمعُ كلّها على ارتفاع مخاطر الالتجاء إلى السوق الدولية في وضعيّة كهذه، خصوصًا في ظلّ الازمة السياسية الخانقة، وغياب أية مؤشرات دالّة على وجود نيّة للإصلاح الحقيقي.
    بالمحصّلة، بإمكان الأحزاب أن تواصل لعبتها المرضية في تحشيد الشارع واستعراض أنصارها، دفاعا عن المؤسسات (المفلسة) كما فعلت حركة النهضة، أو انتقاما من المنظومة الحالية كما فعلت عبير موسي، وبإمكان هشام المشيشي الاستمرار في إغلاق أذنيه ومحاولة فرض تحويره بالقوة، وبوسع قيس سعيد كذلك الاستمرار في مسار التعنّت، بيد أن كلّ ذلك لن يغيّر من الأمر شيئا، تونس بلدُ فاشل ومشرف على الإفلاس، ما يعني آليا ارتفاع مخاطر الانفجارات الاجتماعيّة التي ستبدأ أوّلا بالتهام كلّ المتشبثين بثوب سلطةٍ زائفة وزائلة.
    أفلا يعقلون؟
     

    Subscribe to تقديرموقف