تقديرموقف

    هدية "تاف" للخطوط التونسية: قطعة الشوكولا التي تحجبُ غابة الإفلاس! ratEREsc خميس, 02/18/2021 - 10:10 هدية "تاف" للخطوط التونسية: قطعة الشوكولا التي تحجبُ غابة الإفلاس!

     
    وسط انشغال رئيس الحكومة، هشام المشيشي، بمعركة كسر عظام الدولة التي يشنّها ضدّ رئيس الجمهوريّة، وفي غمرة انشغالاته بمشاريع قوانين عملاقة وحيوية على غرار كضرورة مراجعة قانون استهلاك مادة القنب الهندي، المعروفة شعبيا باسم "الزطلة"، فاجأت  شركة "تاف" التركية الجميع ووجهت عدل تنفيذ إلى المقرّ الاجتماعي لشركة الخطوط التونسية حاملا  محضر اعلام بإجراء عقلة توقيفية على كامل الحسابات البنكية للناقلة الوطنية، وذلك في حدود مبلغ دين تخلد بذمتها لفائدة شركة " تاف" التركية المستغلة لمطار النفيضة الدولي، بما قدره 28 مليون دينار.
     والحقّ أننا لا نتوقع البتة أن يزعج الخبر الذي نشرتهُ إذاعة "موزاييك" المسؤول الحكوميّ الأوّل، ولا الرئيسة المديرة العامّة لشركة الخطوط الجويّة التونسيّة، السيدة ألفة الحامدي التي تجنّبنا الحديث عنها قدر الإمكان، على أعمدة "شكشوكة تايمز"، كيلا نزعج الرؤوس الحالمة برؤية ابتكاراتها في علوم التخطيط والإدارة، التي قالت عنها، وهذا كلامها هي ننقلهُ كما هو، إنّها أثرت في الاقتصاد الأمريكي. 
    وإذ قلنا أنّ إجراء شركة "تاف" التركية لن يزعج المسؤول الأول عن الجهاز التنفيذي، ولا من عيّنها على رأس أهم مؤسسة عمومية في البلاد، رغم سيرتها الذاتية الفارغة (وبوسع أيّ مبتدئ أن يبحر على الشبكة العنكبوتية ويتأكد من هذا)، وهي شابة كل إنجازاتها إلى حدّ الآن لا تخرج عن تكريس سياسة الإثارة والفيديوهات مدفوعة الأجر للترويج لنجاحات وهميّة لا أثر لها في الواقع، فذلك لأنّ وضعية المؤسسات العمومية برمّتها وقعت إزاحتها منذ مدّة من أولويّات هذه الحكومة، هي وغيرها من الملفات الحارقة، من أجل عيون معركة تنضحُ شهوةً للسلطة والتمكين على حساب مقدّرات الدولة التونسية. ومن يعتقدُ أنّ وضعيّة "الغزالة" هي الوضعية الوحيدة التي تبعثُ على الخوف والحيرة، فهو واهمٌ، إذ أن ما سنقدّمهُ من أرقامٍ في هذا المقال، سيكشفُ حجم الخسائر التي تتكبدها المجموعة الوطنية بسبب التلكؤ في إنقاذ هذه المؤسسات التي كانت إلى وقت غير بعيدٍ جواهر تزيّن تاجي قطاعي الصناعة والخدمات في تونس، علاوةً على استشراء الفساد وسوء التسيير فيها.

    مديونيّة فلكية

    والحقّ أن المبلغ الذي تدينُ بيه "الغزالة" لشركة "تاف" التركية (المدينة بدورها بملايين الدنانير للدولة التونسية التي لم تطالب بها إلى حدّ الآن) يعدُّ مبلغا جدّ تافهٍ مقارنةً بمديونيتها الحقيقية. ممّا لا يشكّ فيه عاقلٌ واحدٌ أن الوضعيّة الحاليّة للغزالة وباقي المؤسسات والمنشآت العمومية تعدّ أحد أوجه التلكؤ في معالجة أزمات هذه المؤسسات و تكريسا لسياسة إهدار المال العامّ خصوصا في ظلّ المعالجة السطحيّة لأزمات القطاع العام، ما يجعلُ منه قنبلة موقوتةً قد تنفجرُ في أيّة لحظة في وجه حكومة هشام المشيشي، في ظلّ تضخّم كتلة الأجور وارتفاع المديونية الجبائية، علاوة على انّ هذا الملف تحديدًا يعتبرُ أحد مناطق الاشتباك المفضّلة للاتحاد العام التونسي للشغل، الرافض لعمليّات التفويت لاعتبارات استراتيجية واجتماعية.
    ولكي نكون دقيقين أكثر، سنذكر ببعض الأرقام التي قدّمتها وزارة المالية في العام 2020، حول مديونية المؤسسات العمومية، إذ قدرتها وقتها بـ 2.034 مليار دينار (وهي ارقام تحتاج إلى تحيين لأنها تعود رسميا إلى العام 2018) وتشمل حالة العجز المالي شركات حكومية تلعب أدوارا اجتماعية مهمة على غرار الديوان الوطني للتطهير، والشركة التونسية للسكك الحديدية التونسية وشركة الخطوط الجوية التونسية وشركة نقل تونس وشركة فسفاط قفصة. وقبل أن نقدّم جردًا مفصّلاً بديون بعض هذه المؤسسات، لا بدّ أن نذكر بأن حجم مديونيتها مرّ من 1.774 مليار دينار تونسي سنة 2016، إلى 1.9 مليار دينار تونسي سنة 2017، لتستقر في حدود 2.034 خلال سنة 2018.
    وفي تقرير كانت قد تقدمت به وزارة المالية إلى البرلمان التونسيّ في العام 2020، نقفُ على الوضعية الكارثية التي باتت عليها غالبيّة المؤسسات العمومية. خسائر بآلاف الملايين من الدنانير، أجور متضخّمة، عمالة زائدة عن الحدّ، سوء توزيع للموارد البشرية، وغيرها من المؤشرات التي إن دلّت على شيء فهي تدلّ على صعوبة الإنقاذ.
    ففي باب ديون الدولة الجبائية تجاه المؤسسات العمومية فقد بلغت موفى ديسمبر 2019 ما قدره 1290 مليون دينار منها 1064 مليون دينار تهم 7 مؤسسات فقط. وتوزعت ديون الدولة الجبائية تجاه هذه المؤسسات السبعة كما يلي:
       -  الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية 461  مليون دينار
       -  شركة نقل تونس 330  مليون دينار
       -  اتصالات تونس 128 مليون دينار
       -  الشركة العامة للمقاولات والمعدات والأشغال: 63 مليون دينار
       -  المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية: 32  مليون دينار
       -  شركة فسفاط قفصة 25 مليون دينار
       -  الشركة الجهوية للنقل بنابل 24 مليون دينار
    وللتذكير كانت الخطوط التونسية قد كشفت، خلال الربع الأول من سنة 2019 أن حجم ديونها بلغ 1078 مليون دينار، وهو رقم يحتاجُ إلى التحيين، لا سيما ان الشركة لم تنشر قوائمها المالية منذ العام 2017.
    كما تضمن التقرير معطيات أخرى أولية حول مستحقات أهم المنشآت العمومية لدى الدولة إلى موفى سنة 2019.وبلغت هذه المستحقات بالنسبة إلى 11 منشأة 5098 مليون دينار موزّعة كالتالي:
       -  الشركة التونسية لصناعات التكرير: 2465  مليون دينار
       -  ديوان الحبوب: 1054 مليون دينار
       -  الشركة التونسية للكهرباء والغاز 840 مليون دينار
       -  شركة اتصالات تونس: 253 مليون دينار
       -  الشركة الوطنية لتوزيع البترول: 153 مليون دينار
       -  الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه: 110 مليون دينار
       -   المجمع الكيميائي التونسي: 103 مليون دينار
       -  المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية: 71 مليون دينار
       -  ديوان الزيت: 40 مليون دينار
       -  الشركة العامة للمقاولات والمعدات والأشغال 4 مليون دينار
       -  الديوان التونسي للتجارة: 4 ملايين دينار
    ومقابل ارتفاع مديونيّة المؤسّسات، نلاحظُ ارتفاعا "غريبا" و"غير مبرّر" للأجور في القطاع العام إذ يبلغ متوسط الأجور داخل القطاع العام حوالي 1700 دينار. وهذه لائحة بمعدّلات الأجور في عدد من المؤسسات العمومية:
       -  الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 2100 دينار
       -  الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية 2800 دينار
       -  الشركة التونسية لصناعات التكرير 4400 دينار
       -  الشركة الوطنية لتوزيع البترول عجيل 3900 دينار
       -  الشركة التونسية لصناعة الحديد/الفولاذ 3500 دينار
       -  الشركة التونسية للكهرباء والغاز 3200 دينار
       -  الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه 2400 دينار
       -  المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية 2000 دينار
       -  شركة الخطوط التونسية 5500 دينار
       -  شركة نقل تونس 2800 دينار
       -  شركة فسفاط قفصة 3200 دينار
       -  المجمع الكيميائي التونسي 3800 دينار
    وهنا نرى من المهمّ أن نوقف الجرد تمامًا، لسبيين على الأقل: أولا، هذه الأرقام هي غير محيّنة، رغم أنها وردت في تقرير تقدمت به وزارة المالية لمجلس نواب الشعب في شهر ماي من العام الماضي، ما يعني أنّ الخسائر تفاقمت ومعها حجم المديونية. ثانيا، اعتمدنا هذه الأرقام على سبيل الإشارة فحسب إلى وضعيّة المؤسسات العمومية، ذلك أنّ الأمر يتجاوز بالفعل عمليّة الجرد، ليوجّه إصبع الإدانة إلى الطرف الحكومي المنشغل بتصفية حساباته السياسية على حساب شركاتٍ معطّلة بل وتحوّلت إلى إرثٍ ثقيل يلتهم كتلة الأجور على نحوٍ غير مسبوق.

    ..ويتواصل إهدار المال العام

    ولعلّ ما يثيرُ الغضب أكثر هو صمتُ "السلطة السياسية" على ما يحدث. فلأول مرة في تاريخ تونس الحديث ستعجزُ شركة فوسفاط قفصة مثلاً عن سداد أجور موظفيها، بعد أن تحوّلت تونس من دولة تعدّ مصدرا استراتيجيا لهذه المادة، إلى دولةٍ مورّدة، مع تتالي الاعتصامات العشوائية، علاوةً على سوء التصرّف والفساد. وبالمثل، عهدت مهمّة إنقاذ "الغزالة" إلى شابّة نكرة، هي عبارة عن "فقاعة اتصالية" يحيطُ الغموضُ بماضيها كلّه، مما عزز المخاوف في حقيقة أن تعيينها من طرف هشام المشيشي نفسه يخفي وراءهُ رغبةً في التفويت في هذه الشركة. وقس على ذلك قضايا الفساد  وسوء التصرّف في بقية الدواوين والمؤسسات العمومية، بل إن بعضها يحتكرُ أنشطة بعينها كشركات الماء والغاز والكهرباء والنقل الجوي والتبغ والوقيد وصناعة الورق الخ، ما يطرحُ مليون سؤالٍ حول انحدار هذه الشركات من منطقة الربح إلى منطقة مراكمة الخسائر بشكلٍ غير مسبوق. 
    ومما لا شكّ فيه أن وضعيّة المؤسسات العمومية اليوم تمثلّ خطرًا حقيقيا على وضعية الاقتصاد التونسي، المنهك بدوره من تداعيات جائحة كورونا، في ظلّ تراخي الدولة الغريب في معالجة هذا الملفّ. وحتى إجابات وزير المالية الحالي، علي الكعلي، حول سبل إنقاذ هذه المؤسسات، لم تحد البتة عن سياق المناورة المفضوحة، حين لوّح في إمكانية التفويت في بعضها، ما فهم منه أنّه رسالة موجهة للاتحاد العام التونسي للشغل، رسالة هي عبارة عن وثيقة ضغط تهمّ أساسا المفاوضات الاجتماعية ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بمسار إصلاحٍ جدّي لوضعيّة المؤسسات العمومية. 
    والمعلوم أنّ هذه المؤسسات تمثّلُ نزيفا مستمرًّا للمالية العمومية، فعلاوة على حجم الأجور المرتفع فيها (حوالي 35 بالمائة من كتلة الأجور)، تقومُ بابتلاع آلاف المليارات سنويا، ملياراتٌ تضخُّ فيها دون مردودية، وكان من الأجدى أن توجّه إلى أبواب أخرى كالاستثمار العمومي ومساعدة شركات قطاع الخاص مثلاً على تجاوز أزماتها الحالية. ومع ذلك، لا يكفي الدولة أنّها أثبتت بالدليل القاطع أنها متصرّف سيء في مؤسساتها، بل كرّست سياسة التراخي في معالجة هذا الملفّ، ما حدا بالخبراء التونسيين وحتى خبراء صندوق النقد الدولي والجهات المانحة إلى دقّ جرس الإنذار، بيد أنّه جرسٌ يقابلهُ صممٌ غريب، كما لو أنّ الحكومة الحالية تسلكُ مسلك سابقاتها في التفصيّ من مسؤولية فتح هذا الملفّ. 
    بالمحصّلة لا يعدُّ حجم ما تدين به شركة الخطوط التونسية إلى شركة "تاف" التركية (في انتظار فتح ملف هذه الشركة المشرفة على مطاري النفيضة والمنستير، وكشف الأرقام الحقيقية التي تدينُ بها إلى الدولة التونسية) سوى قطرة من بحر عواصفٍ يلتهمُ المليارات سنويا، مليارات تضخ في مؤسسات مفلسة، دون وجود أيّ بصيصٍ أمل في الإنقاذ أو الإصلاح، لا سيّما مع تكريس ثقافة "البوز" و"الإثارة الرديئة" التي صارت مدخل مسؤولي "الصدفة" لترويج نجاحاتٍ وهمية لا تقنع سوى الأحمق أو المناصر الأعمى لأحزاب الوسادة السياسية. 
     

    المشيشي يمرُّ إلى الخطة "ب" وسعيّد يدلي بدلوه "السياسي".. فهل يحسم الشارعُ المواجهة؟ ratEREsc ثلاثاء, 02/16/2021 - 10:00 المشيشي يمرُّ إلى الخطة "ب" وسعيّد يدلي بدلوه "السياسي".. فهل يحسم الشارعُ المواجهة؟


    ما أبعد الأزمة السياسية بين رئيسي السلطة التنفيذية في تونس عن قواعد وقوانين لعبة الشطرنج، وهي قواعد تتخذ من العقل والنباهة وحسن التقدير والتخطيط منهاجا لها، وما أقربها إلى لعبة "البينغ بونغ" التي يتبادلُ فيها اللاعبان كرة صغيرة الحجم، حيثُ ينفقُ اللاعبُ كلّ جهده في إخراج الكرة خارجا حالما ترتطم بنصف ملعب خصمه.
     وإلا كيف نفسّر خطوة هشام المشيشي رئيس الحكومة التي اتخذها يوم أمس، أمام دهشة التونسيين، حينَ عمد إلى المناورة وطبق خطته البديلة، خطة تقضي بإعفاء بقية وزراء قيس سعيّد (وهم معفيّون أساسا بحكم التعديل الوزاري الأخير) مع تكليف من ينوب عنهم على رأس تلك الوزارات؟
    والحق أنّ رئيس الجمهوريّة سرعان ما ردّ الفعل في رسالة مطوّلةٍ وجهها إلى رئيس الحكومة، اتهمه فيها بخرق الدستور بخصوص التحوير الوزاريّ، بل وغادر منطقة التأويل الدستوري الصرف، ليقدّم رؤيته "السياسية" من التحوير، رؤية قال فيها إنّ حكومة المشيشي هي "حكومةٍ على المقاس" مشيرًا في الوقت نفسه إلى أنّ الانتقال الديمقراطي هو في باطنه انتقالٌ "من الحزب الواحد إلى مجموعة فاسدة واحدة".

    الخطّة "ب" لكسر حالة الانسداد

    وفي الواقع لم يكن خافيا على الجميع أن يبادر المشيشي إلى اتخاذ هذه الخطوة، إذ سبق لنا أن نشرنا جزءًا من تفاصيلها في مقالنا على أعمدة شكشوكة تايمز، بيد أنّ ما فاجأ المتابعين حقيقةً هو "الصبيانية" التي تعامل بها رئيس الحكومة مع أزمة كان يمكنُ إطفاءُ نيرانها بمجرّد قرار بسيطٍ يقومُ رئيس الحكومة بمقتضاه باستعفاء الوزراء الأربع الذين رفض رئيس الجمهورية أن يؤدوا اليمين أمامهُ، وهو رفض كان قاطعًا، بل وعلله قيس سعيّد في مكتوبه إلى رئيس الحكومة بالقول إنّ اليمين الدستورية "ليست مجرّد إجراء شكلي، بل الأهم هو محتواها والآثار التي يجب أن تترتّب عليها"، مؤكدا أنه على العهد مع الله والشعب، ومضيفا "لا أقبل بالحنث في اليمين التي أديتها ولا بخرق أحكام الدستور".
    فالبنسبة إلى رئيس الجمهوريّة، ليس من الوارد أن يؤديّ من تعلقّت بهم تهم الفساد وتضارب المصالح اليمين أمامه، لأنّ ذلك يعدُّ تشجيعا منه على "الحنث بالقسم"، مستعيدًا في ذهنه ذلك المثل الشهير: "كلّ حلاّفٍ كذاب". بيد أن رئيس الحكومة رأى في الأمر ما لا يرى غيره، فمن وجهة نظره، استعفاء الوزراء الأربع لا يعني البتّة إنهاء الأزمة، لأنّ يدرك جيّدًا أنّ الأزمة تتجاوزُ إشكال اليمين الدستوريّة بمراحل، مثلما يدركُ أنّ الرئيس يرفضُ التحوير برمّته، وأنّ هدفه هو دفع المشيشي إلى الاستقالة.
    وفي هذه لم يخطأ المشيشي، فبالعودةِ إلى تصريحات سمير ديلو، القيادي في حركة النهضة، بعد لقائه هو ومجموعة من النواب برئيس الجمهورية، كان الحلّ الذي طرحه رئيس الجمهوريّة هو "استقالة الوزراء الأربعة أو استقالة المشيشي"، ومع رفض الرئيس لمبدأ التحوير من أساسه الذي رأى فيها خرقا لأحكام الدستور، يصبح من المنطقيّ أن يطالب الرئيس برأس رئيس حكومته الذي "خان الأمانة"، وفق تصريحات مقربين من القصر، وانقلب على كلّ التعهدات التي قطعها لرئيس الجمهورية.
    وبالعودة إلى أحداث الأيام الفارطة، سيكونُ من اليسير تتبع مسار إخفاقات هشام المشيشي حين قرّر مجاراة قيس سعيّد في لعبته القانونية، إذ اختار ترحيل أزمة تعطل أداء اليمين الدستورية للوزراء إلى الهيئات القضائية، حيث راسل في خطوة أولى المحكمة الإدارية التي أجابته بعدم الاختصاص، ثم الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين، قبل أن يتفطّن (أو يقع تنبيهه) إلى أهميّة سلاح المناورة، ومن ثمّة اتخذ قرار إعفاء 5 وزراء من المحسوبين على رئيس الجمهورية قيس سعيد من مناصبهم، وهم وزراء العدل والصناعة والرياضة وأملاك الدولة والفلاحة لينضافوا إلى 3 وزراء سابقين كان قد شملهم الإجراء، وهم وزراء الداخلية والثقافة والبيئة، مع ترك المجال مفتوحًا للحلّ السياسي، وهو ما نعاينه في بيان رئاسة الحكومة الذي أشار إلى "انفتاحها على كل الحلول الكفيلة باستكمال إجراءات التحوير الوزاري ليتمكّن الوزراء من مباشرة مهامهم في إطار الدستور".
    بعبارة أخرى، أوجد المشيشي لنفسه حلاّ مؤقتا، وهو تكليف من تبقى من الوزراء بالإشراف على الحقائب الفارغة، في انتظار استكمال إجراءات التحوير، ما يعني مجددا أن المشيشي نجا من فخّ قيس سعيّد القانوني، وأوجد حالة "غريبة" ستجبرُ الجميع بمن فيهم الرئيس على "مناقشة" حلّ سياسيّ، يكون من شروطه الأساسية تثبيتُ إجراء التحوير الوزاري، ثمّ ترك الباب مفتوحًا أمام التفاوض على بقيّة التفاصيل.

    سعيّد يدلي بدوله.. "سياسيّا"

    في الضفّة المقابلة، حاول رئيس الجمهوريّة إحراج خصمه العنيد برسالةٍ مطوّلة، أنهى فيها الجدل الدائر حول امتناع مؤسسة رئاسة الجمهورية عن الردّ على مراسلات رئاسة الحكومة. وللتذكير فقط، سبق للمشيشي بمراسلتين إلى رئاسة الجمهورية، طلب فيهما بمدّه بقائمة أسماء الوزراء الذين يتحفظ عليهم قيس سعيد ويرفض أداءهم اليمين الدستورية أمامه بحجة وجود شبهات فساد، لكنه لم يتلق أي رد، بحسب بيان للحكومة.
    غير أنّ ردّ قيس سعيّد جاء هذه المرة مطولا، ولاذعا، إذ اتهم رئيس حكومته بخرق فصول من الدستور ذات العلاقة بالتحوير الوزاري، كما اتهم القائمين على العملية، تخطيطا وتفكيرا وتنفيذا وتصويتا، بأنّهم مجموعة من الفاسدين وهذا ما نستشفّه من قوله "ما أشدّ مصائبنا، وأثقل وقعها حين يريد الكثيرون إيهامنا بأنّنا لا نزال في طور انتقال يصفونه بالديمقراطي، فهو في ظاهره فقط كذلك، وفي باطنه انتقال من الحزب الواحد إلى مجموعة فاسدة واحدة".
    ولم يكتف رئيس الجمهورية بذلك، إذ رأى في رسالته أنّ رئيس الدولة غير ملزم بأجل محدد لدعوة الوزراء إلى أداء اليمين الدستورية، كما تحدث عن الخروق التي عاينها في مسار التعديل الوزاري وصولا إلى التصويت عليه في البرلمان، معتبرا أنها "حكومة على المقاس".
    كما ردّ على من يتهمه بتعطيل مؤسسات الدولة بالقول إنّها اتهامات مردودة على أصحابها، مؤكدا أن مؤسسات الدولة تعمل، ومؤكدا في الوقت نفسه أنّ "اليمين الدستورية ليست مجرّد إجراء شكلي، بل الأهم هو محتواها والآثار التي يجب أن تترتّب عليها"، مؤكدا أنه على العهد مع الله والشعب، ومضيفا "لا أقبل بالحنث في اليمين التي أديتها ولا بخرق أحكام الدستور".
    ولقد بدا من الواضح تماما أن رئيس الجمهورية غادر منطقة "التأويل القانوني الصرف"، ليدلي بدلوه في الأزمة سياسيا هذه المرة، فبالنسبة إليه ما يحدثُ هو مناورة من طغمة سياسية فاسدة تسعى إلى السيطرة على مقدرات الدولة، وتتخذ من الدستور مطية لتنفيذ أجنداتها، وهوما تصدّى لهُ عمليّا عبر رفض التعديل الوزاريّ برمته، ما يعني آليا أنّ لا قيمة لأداء اليمين ولا وزن لها في الخلاف الدائر بين المؤسستين. وهذه القراءة السياسية تنبعُ في الواقع من رؤية سعيّد نفسهُ لدور الأحزاب، دورٌ يراهُ تخريبيا، وواحد من أسباب أزمات تونس الاقتصادية والاجتماعيّة. 
    وههنا سيكونُ من العبث بمكانٍ أن ننتظر من رئيس الجمهوريّة أن يتفاعل بمرونةٍ مع خطة رئيس الحكومة أو يستجيب إلى أيّ حلّ سياسي خصوصا بعد أن قام المشيشي بحرق آخر أوراقهِ، بأسلوبٍ مكشوف، وأقرب إلى الصبيانية منهُ إلى سلوك رجل دولة حريص على نزع فتيل الاحتقان السياسي.
    لقد اختار المشيشي لمضيّ قدما في حماية أجندة حزامه السياسي، بينما اختار قيس سعيّد ملازمة مواقعه دون بذل أيّ جهد يذكر في إحراج رئيس حكومته وحزامه الداعم له، وهي وضعيّة أزمة غير مسبوقة، بلا حلولٍ عمليّة أو معقولة. وأمام استحالة عزل رئيس الجمهورية، واقعا وقانونا، واستحالة أن يتخلى المشيشي عن موقفه المتصلّب ويبادر إلى الاستقالة، يبدو أنّ الفصل القادم من الصراع بين الرجلين، وداعميهما، سينتقلُ مباشرةً إلى الشارع، وههنا مبعثُ الخطورة. 
     

  • قيس سعيّد للمشيشي وحزامه السياسي: بيني وبينكم الله والقانون والشعب! lomPLacD ثلاثاء, 01/26/2021 - 09:49 قيس سعيّد للمشيشي وحزامه السياسي: بيني وبينكم الله والقانون والشعب!


    مساء أمس الاثنين، لم يكن مساء عاديّا في حياة التونسيين، ورئيس الجمهوريّة يتوجّهُ إليهم بكلمة مطوّلة، بمناسبة إشرافه على انعقاد مجلس الأمن القومي، ضمّن فيها موقفهُ الواضح من أمّهات القضايا في البلاد، وانتصرَ فيها إلى احتجاجات أبناء شعبهِ، محمّلاً المنظومة السياسيّة برمّتها مسؤولية العبث بحاضر ومستقبل البلاد. 
    ولقد شاهد التونسيون نسخةً أخرى من قيس سعيّد، نسخة غادرها الارتباكُ والغموضُ والتردّد وموازنةُ الأمور سياسيّا، وبدت صريحة، حاسمة، واثقة، وخصوصًا، وهذا المهمّ في تقديرنا، منتصرةً لدولة القانون والمؤسسات، كإطارٍ مرجعيّ يمارسُ التونسيون داخلهُ مواطنتهم دون خوفٍ من المدرّعات التي تسيّجُ الشوارع الكبرى، أو من انحرافات الأخيلة الميليشويّة التي ذهب في ظنها أنّها قادرة على ترويع التونسيين. 
    وقبل أن نناقش أهمّ ما ورد في كلمة رئيس الجمهوريّة التي نؤكّد أنّها موجّهة لعموم التونسيين، قبل أن تكون موجهة إلى رئيسي الحكومة، هشام المشيشي،  والبرلمان، راشد الغنوشي، تجدرُ الإشارة إلى أهميّة التوقيت الذي اختاره رئيس الجمهوريّة للتوجّه بكلمتهِ، إذ اختار أن يعيد المنظومة السياسية إلى "رشدها"، قبيل ساعات من توجه هشام المشيشي إلى البرلمان من أجل تمرير التحوير الوزاري المثير للجدل، موجّها انتقادات لاذعة إلى رئيس الحكومةِ وحزامه السياسي، حتّى إنّهُ بدا، وفي أكثر من موضعٍ، بصدد تقديم درسٍ قانونيّ مدّعمٍ بالحجج والنصوص والبراهين، إلى مجموعةٍ من الطلبةِ الخائبين. 

    الأستاذُ يلبسُ جبّة الرئيس أخيرًا

    ولقد بدا فعلاً أنّ قيس سعيّد لبس جبّة رئيس الجمهوريّة أخيرًا، إذ تكفي معاينة مركّزة لحركات جسدهِ وعينيه، وإشاراته المتعدّدة إلى الزعيم الحبيب بورقيبة، أو في توجيهه الحديث نحو رئيس الحكومة، أو حتّى أيضا في استخدام السخرية في أكثر من موضعٍ، كإشارته مثلاً إلى أنّ "كلّ حلاّفٍ كذّاب" أو السخرية من افتقار الحكومة إلى العنصر النسائي، مؤكدا بالمناسبة أنّ المرأة ليست "مسحوق تجميل"، لكي نقفَ عند الإحداثيات الكبرى للصورة الرئاسيّة الجديدة. ففي عالم السياسة تحديدًا، الاتكاءُ فقط على المضمون مع إهمال الشكل، يعدُّ مثلبةً مريعة، حالها في ذلك، حال الاتكاءُ على الشكل مع إهمال المضمون، والحقّ أن قيس سعيّد جمع ليلة أمس بين الاثنين، مقدّمًا درسًا قانونيا وسياسيا مرجعيّا، ومعيدًا بالمناسبة، كلّ المعاني إلى أصلها، أي الدستور التونسي ومن ورائه "المشروعيّة الشعبيّة". 
    فضلاً عن ذلك، بدا رئيسُ الجمهوريّة ملمّا بأدقّ تفاصيل ما يحدث في الساحة الخلفية للمشهد السياسي، وعالمًا بكلّ ما يحاكُ من وراء ظهور التونسيين، ومطلّعًا على كلّ ملفاتِ الوزراء المقترحين في التحوير، نقصدُ في هيكلة الحكومة، حسب تصويب رئيس الجمهوريّة نفسه. وهذا الإلمام بخفايا الأمور، مكّن رئيس الجمهوريّة، من إعداد نقاط كلمتهِ، نقطةً نقطةً، فجاء مسترسلة، واضحة، صريحة، تسميّ الأشياء بمسمياتها، مراوحةً بين التفسير والتحذير والتهديدِ أيْضًا، فضلاً على تأكيدها على رياديّة دور مؤسسة رئاسة الجمهورية في حماية الدولة التونسية من التفكيك والعبث بمؤسساتها ومقدراتها.

    ثمّة أخطر من جائحة كوفيد

       ولئن بدا الشكلُ في مستوى اللحظة الفارقة التي تعرفها البلادُ، فإنّ المضامين التي تضمنتها كلمة رئيس الجمهوريّة، كانت هي الأخرى متساوقةً مع رغبات التونسيين في الانصاتِ إلى خطابٍ صريحٍ، واضحٍ وغير مشفّرٍ. والحقّ أن الرّئيس قيس سعيّد لم يخذلهم، إذ باشر كلمتهُ التي نصرُّ للمرّة الثالثة أنها موجّهة للتونسيين، رغم أنّ إطارها العام يوحي بأنها موجّهة للثنائي المشيشي- الغنوشي، بالـتأكيد على أنّ "الأوضاع السياسية في تونس تشكو من مرض عضال، ترافق مع جائحة كورونا التي كشفت ضعف المرفق الصحي في بلادنا".
     وهذه المرّة كان مدخلُ الكلمة موفّقًا، إذ أكّد الرئيسُ موقفهُ من "الدستور الحالي"، حسب تعبيره، دستورُ وصفَ فصولهُ بالأقفال التي تمكّن من ضبطوهُ "على مقاسهم" من تأويله، حسب رغباتهم. وفي هذا، ثمّة إشارة لا تخفى عن السبب المباشر لأزمات البلاد الحاليّة، وهو طبيعة نظام الحكم نفسه، كما ضبطهُ دستور 2014، نظامٌ مقسّمٌ بين سلطات ثلاثٍ، لا يعرفُ المواطنُ أيّها يحكمُ حقيقةً، ويمكّنُ الأحزاب السياسيّةِ من تمرير أجنداتها حتّى وإن كانت متعارضةً مع مصلحةِ البلاد. 
    وهذا ما أكده رئيس الجمهورية حين قال "ليس من اليسير إدارة هذا الوضع، فالدستور ترك باب التأويلات مفتوحا، وصار الهدف منه إضفاء شرعية في قطيعة تامة مع المشروعية الشعبية"، مضيفا في هذا الباب :"لن نترك الدولة التونسية تتهاوى من موقع المسؤولية التي نتحملها، ومن الضروري أن أعلم الشعب التونسي بأن كل ما بادرت به لم يكن سوى استجابة لنداء الواجب الذي تقتضيه مصلحة الشعب التونسي". وهذا المدخلُ تحديدًا، نعتبرهُ توطئة عمليّةٍ، لباقي مضامين الكلمة، إذ لم يكتف الرّئيسُ بتعيين أصل الإشكال بإصبعهِ، أي الدستور وطبيعة نظام الحكم، وإنّما اعتمد الدستور نفسه كحجّة على رئيس حكومته ورئيس البرلمان، أي وفق قاعدة "من فمك أدينك"، وهو يشدّدُ بأسلوبٍ تعليميّ واضحٍ بأنّ ما تم الإعلان عنه "ليس بتحوير وزاري، وإنما هو إعادة هيكلة للحكومة"، وهو ما يقتضي استشارة رئيس الجمهوريّة، مسقطا بالمناسبة حجّة حزام هشام المشيشي السياسي. وفي هذا الباب أكّد رئيس الجمهوريّة على أنّه "لم يكن على علم به، ولم يتم التشاور معه بشأنه، وأنه علم به من خلال رسالة وصلته من رئيس الحكومة هشام المشيشي، وأخرى من رئيس البرلمان راشد الغنوشي"، مضيفا بأسلوبٍ لاذعٍ أنّ "مؤسسة رئاسة الجمهوريّة ليست صندوق بريد". 

    إخلالات وانتقادات لاذعة

    وفي هذا الإطار، وجّه رئيس الجمهوريّة انتقادات لاذعة لرئيسي الحكومة والبرلمان، إذ أشار بداية إلى أنّ التحوير الحكومي لم يحترم الإجراءات التي نص عليها الدستور، وتحديدا ما نص عليه الفصل 92 حول ضرورة التداول في مجلس الوزراء إذا تعلق الأمر بإدخال تعديل على هيكلة الحكومة، وهو ما حاول هشام المشيشي تلافيه حين عقد اجتماعًا افتراضيا بوزرائه، للنظر في الهيكلة الجديدة للحكومة طبقا للفصل الـ92 من الدستور الذي يخول لرئيس الحكومة حذف أو إحداث وزارات، كما نبّه هام المشيشي إلى خطأ إجرائيّ ارتكبه حين عيّن نفسه وزير داخليّة بالنيابة، وذكّرهُ في هذا الباب، بالأمر العليّ الذي مكّن رئيس الحكومة وقتها، الزعيم الحبيب بورقيبة من حقيبتي الدفاع والخارجية، بالإضافة إلى رئاسة الحكومة، قائلاً بأسلوبٍ لاذعٍ أن الكلّ يعلمُ أنّ الإجراء اتخذه بورقيبة، غير أنّهُ احترم "القانون"، ومن ثمّة كان "استحواذه" على تلك الحقائب معلّلاً شكلاً وقانونًا. 
    ولم يكتف الرّئيسُ بهذا الدرس الأكاديمي فقط بل أضاف عليهِ تفصيلاً مهمّا حين التفت إلى رئيس الحكومة منتقدًا تغييب المرأة من التعديل الحكومي، مؤكّدًا في ذات الوقت على أنّ المرأة التونسية لها ما للرّجل، وعليها ما عليه، بل وشّدد على أنفة النّساء من الولوغ في برك السياسة الموحلةِ وانتصارهنّ الدائم إلى الحقّ، مطلقًا في الاثناء عبارة ساخرةً لا تخطئها الأذن حين قال إنّ المرأة ليست مسحوق تجميل.

    لا للفساد.. لا للميليشيات

    والحقّ أن الكلمة لم تخلو من الذروة الدراميّة أيضا، ما يعكسُ تمكنا من مفاتيحها، حين أكّد رفضهُ كلّ تعيينٍ يشتمُّ منه رائحة الفساد أو تضارب المصالح، مستخدمًا سلاح السخرية مجدّدًا وهو يقارنُ بين موقف الأطراف السياسية (حركة النهضة وقلب تونس تحديدًا) من إلياس الفخفاخ، ودعوتها إلى إقالته بتهمة تضارب المصالح، وإصرارها بالمقابل على تعيين من تعلّقت بهم شبهات الفساد وتضارب المصالح. وإن أشار تلميحًا إلى مرشّح قلب تونس، سفيان بن تونس، المقترح لوزارة الطاقة والمّورط في قضية عقد اللوبيينغ بين نبيل القروي وضابط الموساد الإسرائيلي السابق آري بن ميناشي، فإنّه لم يستثن بقية الوزراء، مؤكدا في غضون ذلك على أنّه ملمّ بملفّ كل وزير. 
    وأمام المشيشي المحرجِ والغنوشي الغاضب (وهو ما نقلتهُ الكاميرا)، ألمح رئيس الجمهورية إلى أنه لن يقبل بأداء الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمامه في صورة حصولهم على ثقة البرلمان، قائلا "لا يمكن لمن تعلقت به قضية فساد أن يؤديّ اليمين، ذلك أن أداء اليمين ليس إجراء شكليا وإنما هو إجراء جوهري"، مستخدمًا أسلوب السخرية مجّددًا حين استحضر جملة الزعيم بورقيبة في ردّه على عدم حلف اليمين بأنّ كلّ "حلاّفٍ كذاب".
    وإذ كان موقف رئيس الجمهوريّة يضعُ رئيس الحكومةِ وحزامه السياسي في الزاوية تمامًا، إذ أنّ في صورة نيل الوزراء الثقة من البرلمان، ستكونُ شرعيتهم مشكوكٌ فيها طالما أنّهم لم يؤدوا القسم أمام رئيس الجمهورية، ما يعني رفض حضورهم في صورة إشرافه على اجتماع مجلس الوزراء، بل إنّ تلويحه بعدم قبولهم أداء اليمين، بما هو ركن أساسي في الحصول على الثقة، قد يبطلُ العمليّة برمّتها، في انتظار ما ستؤول إليه مداولات الجلسة العامة اليوم، فإنّ موقفهُ من التصريحات الخطيرة لعبد الكريم الهاروني رئيس مجلس شورى حركة النهضة، كان قويّا وحاسمًا ولاذعًا أيضا. وللتذكير فقط، كان الهاروني وقيادات أخرى من حركة النهضة قد هددوا بالدفع بأنصار حركة النهضة إلى الشارع للتصدي للاحتجاجات الشعبية التي عرفتها البلاد خلال الأيام القليلة الماضية، وهو ما أجاب عنهُ الرّئيسُ قائلاً: " الدولة وحدها وبمفردها هي التي تحتكر القوة الشرعية، أو ما يسمى في القانون الدستوري بالضغط المسلح، وأنه لا مجال لأي قوة أخرى خارج قوة الدولة أن تقوم بذلك، لأنه بمثل هذا تنهار الدول وتسقط المؤسسات". مذكرا في هذا الخصوص، وبأسلوبٍ لاذعٍ، بمحاولة حركة النهضة في العام 2012، الدفع بفصل قانوني يجيزُ تكوين قوات مسلّحة موازية، وهو ما علّق عليه الرئيسُ ساخرًا، بأنّ ثمّة من لا يريدُ أن يتغيّر.

    انتصارٌ للاحتجاجات

    ومن الإحداثيات المهمّة في كلمة رئيس الجمهورية أيضا، هو تخليّه عن أسلوب التلميح الغامض واعتماده على التصريح المباشر، حين اتهم منظومة الحكم القائمة حاليا بأنها "سعت بكل الوسائل إلى إجهاض جميع مبادراته"، قائلا إنه: "لولا المسؤولية لذكرت ما حصل مع عواصم أجنبية ومع دوائر مشبوهة في الخارج". ولقد ساق رئيس الجمهوريّة مثالين على ذلك، الأوّلُ هو محاولة إفشال مبادرة رئيس الجمهورية التي كن تقدّم بها إلى الأمم المتحدة بخصوص جائحة كوفيد، أما المثال الثاني، فيتعلّقُ بالأموال المنهوبة، حين أشار على تلكؤ الحكومة في منح التفويض اللازم للمحامين المتطوّعين للدفاع عن حقوق تونس في الخارج، قائلاً بهذا الخصوص إنّ ما وقر في قلبه أنّ هناك من حاول إجهاض عملية استعادة الأموال المهرّبة لأنّه "يريدُ اقتسامها مع من هرّبوها".
    هذا التصريح الصّادم أرفقهُ رئيس الجمهوريّة بإعلانه الرسميّ وقوفهُ إلى جانب المحتجّين، إذ رأى أنّ الاحتجاجات "جاءت (وقعت) بعد أن تم تجويع الشعب والمتاجرة ببؤسه وفقره"، وكأنّه يردُّ على من طالبه (عبد الكريم الهاروني) بإعلان تبرّؤه من الصفحات المحسوبةِ عليه، وهي صفحاتٌ كانت قد تجنّدت لدعوة المواطنين إلى النزول إلى الشوارع والاحتجاج الرسميّ على ترديّ الأوضاع السياسية والمعيشية. 

    بيني وبينكم الله والقانونُ والشعب

    ومع ذلك، سيكونُ من الصعب المجازفةُ الآن بتقديم قراءة في تبعات كلمة رئيس الجمهوريّة وارتداداتها السياسيّة. صحيحٌ أنّ الرّئيس هو من أعلن القطيعةِ هذا المرّة، مع منظومة يراها المسؤول الأوّل عن أزمات البلاد، منظومةٌ متحالفة مع الفساد وتحملُ في جرابها مشاريع استبداديّة وترويعيّة حقيقية، ملمّحًا، وإن بشكلٍ غير مباشرٍ، إلى امتلاكهِ كلّ وسائل "الرّدع القانونية"، باعتبارهِ الضامن الأوّل للدستور وصاحب الشرعيّة الأولى في البلاد، إلا أنّ قراءة ارتداداتُ كلّ ذلك، ليست يسيرةً بالمرّة، في انتظار ما ستفسرُ عنهُ جلسة التصويت اليوم. ولكن ما هو ثابتٌ لدينا على الأقلّ هو أنّ رئيس الجمهورية انحاز رسميّا إلى مطالب شعبهِ، وناصر قضاياهم، مقدّمًا في الوقت نفسه، كلّ الضمانات القانونيّة لهم، بعبارة أخرى، وضع رئيس الجمهورية نفسهُ حائلاً بين المنظومةِ والشّعب، معتمدًا في ذلك على "أوراقه القانونية"، وسلطاته "الردعيّة" والتفاف التونسيين، أو غالبيتهم، وراءهُ. وإن كان ثمّة من استنتاجٍ نخرجُ به في نهاية هذه الورقة التي أردناها بسطا وافيا وشاملاً لكلمة رئيس الجمهوريّة، فهي أن التونسيين شاهدوا يوم أمس، نسخةً مغايرة لقيس سعيّد، نسخةً حقيقيّة، واضحة وصريحة وحازمة، نسخةً تضعُ بينها وبين خصومها الله والقانون والشعب.
     

     

    Subscribe to تقديرموقف