تقديرموقف

    المهمّشون.. وقودُ المرحلة المقبلة! KINtEMid سبت, 04/04/2020 - 12:39 المهمّشون.. وقودُ المرحلة المقبلة!

     

    لقد تأكّد الآن في كلّ دول العالم أنّ الجائحة هي أقربُ ما تكونُ إلى طاغيةٍ عادل يوزّعُ المحنَ بين الجميع بالتساوي. فنظريّا، على الأقلّ، حقّقت جائحة كورونا، إنجازًا “أولمبيّا”، بتحطيمها كلُّ الحواجز بين الفقراء والأغنياء، والمحكومين والحكّام، والمرضى والأصحّاء، والأطفال والشيوخ، والنساء والرّجال. فكلّنا مستهدفٌ بالفيروس، وكلّنا متساوونُ في شروط التخلّي عن الحريّة في مقابل ضمانِ البقاء. وكأنّ تمرُّد الطبيعة الكبير على هذه الكائنات الأنانيّة التي هي نحنُ بالضرورة لم يدخّر جهدًا في تذكيرنا بحقيقةَ أننا عراةٌ حقّا أمامَ عجزنا، عراةٌ بلا قدرة على التحايلِ على ما نجهل

    وهذا العريُ الماكرُ، مكر اللحظة التاريخيّة الفارقة التي نعيشها، أعاد إحياءَ مشكلة انتسابنا إلى بعضنا البعض، أي أن نكونَ بشرًا في زمنٍ يندرُ أن تجدَ فيهِ إجماعًا حقيقيّا حول ماهيّتنا كبشر، إذ لا شيء يعرّفنا في الواقعِ، وسط فوضى الهوّيات القومية، والانتماءات الجغرافيّة، وحسابات الثروة، والتقسيمات العالميّة للعمل، والاستحواذ على الرقمنة وآليات التمكين الافتراضي. حتّى داخل أوطاننا، يندرُ أن نجد تعريفا شاملاً لماهيّاتنا، رغم أنّ الدولة الحديثة لم تدخّر جهدًا لإقناعنا، على نحوٍ ديمقراطي، أو بسبلٍ أخرى أقلّ ديمقراطيّة، بأن المواطنة هي المدخلُ الوحيد لتعريفِ ماهيّتنا. ومع ذلك، كيفَ يمكنُ أن نقنع فقيرًا مثلاً بأنّهُ مواطنٌ له حقوق وواجباتٌ يتساوى فيها مع الغنيّ؟ أو كيفَ نقنعُ صاحب بشرة ملوّنة مثلاً بأنّهُ فردٌ غير ناشز في مجتمعٍ من البيض؟ 

    بالمقابل، نجح فيروس كورونا في تحقيق المعادلة الأصعب تاريخيا وأنثروبولوجيّا، حينَ حرّكَ فينا شعورَ الانتماء إلى مجتمعٍ كونيّ مهدّدٌ بالموت، ومن ثمّة ساوى فيما بيننا، إلى حدٍّ بات يندرُ فيه الحديثُ تمامًا، عن الفروقات، فروقاتٌ كانت تميّزنا في ما مضى، وتحدّدُ هامشَ تحرّكاتنا في مجالاتنا الحميمية والخاصة والعامّة أيضًا.

    ومع ذلك، خدعةُ المساواةِ هذه، تظلُّ محدودةً في الزّمن، ومن ثمّة الاتكاءُ عليها للترويج إلى عالمٍ مثاليّ قادمٍ على صهوة بشريّتنا المهدّدة في أيّة لحظة، يعدُّ تخريفًا وثرثرةً مسرحيّة، لأنّ ما هو قادمٌ فعلاً ليسَ عالمُ المساواةُ والتضامن وإنّما عالمُ التفاوتُ الذي يلقي بأوتادهِ في كلّ شبرٍ من الكرة الأرضيّة

    إنّ المساواةَ في المرضِ لا تعني إنهاء أمراض العالم، بل فتحَ لها مجالاً للتطبّعِ بأخلاقِ الفيروسات، من جهةِ تحوير جيناتها، وتحوّلها إلى جيوبٍ جرثوميّة عصيّة على أيّ لقاحٍ مستخلصٍ من منتجات التضامنِ والأخوّة في الإنسانيّة. والحقّ أنّ أمراض العالم القديم ستترجمُ نفسها مجدّدًا إلى أمراضَ أخرى أشدَّ فتكًا وخطورة، تعيدُ إلى مسرح الأحداث، منطق البقاءَ للأقوى والأثرى والأكثر تمكنّا من مفردات عصر الرأسماليّة المتوحّش.

    في تونس مثلاً، سننسى ما عشناهُ معًا من أوقاتٍ عصيبة، وحجر اضطراري، وتسليم في الحريّات، وتضامنٌ أخويّ، لنسترجعَ كلّ عاداتنا القديمة.

     واسمحوا لي أن أذكّرنا بأمرٍ مّا حدثَ قريبًا، حين تخلّصنا من ديكتاتوريّة ، قبل أن نسارع إلى إعادة انتاجها بشكلٍ أو بآخر، في يومياتنا التالية (إضرابات قطاعية، صراع هوية، تصنيفات أيديولوجية، فساد، احتكار، محاولات توريث للسلطة حزبيّا.. ).

     كلّ ما فعلناهُ خلال العشر سنواتِ الأخيرة، هو تمريرُ اسفنجة مبللّة على أشهرٍ من التضامن الشعبيّ المفتوح

    وأمام تداعيات جائحة كورونا، و"عائداتها" الماديّة والإجتماعيّة، لا نعتقدُ البتّة أننا سنكونُ أبرياء تمامًا من سلوكيّات ستفرغُ ما عشناهُ معًا خلال الجائحة من طاقتهِ الروحيّة. ففي العالم كما في تونس، ستأخذُ تداعيات الجائحة مدى أوسع، وأخطر، سيضطر معهُ الجميع إلى إعادة ترتيب الأوراق وتغيير الأولويّات. وإذ تذهبُ القراءات، كلّ القراءات، إلى القول بأنّ الدول الرأسمالية الكبرى، ستخرجُ من الجائحة منهكة اقتصاديا وسياسيا، فإنّ الوضع في تونس لن يختلف، خصوصًا أنّ بلدنا دفع وما زال فاتورة ربيعٍ عربيّ، حوّلتنا من بلدٍ في طريقهِ إلى النموّ، إلى بلدٍ يستجدي المساعدات الدوليّة، حدّ الغرق في الديون

    وفي ظرفٍ هشّ كهذا، فإنّ الصورةُ العامّة تبدو أكثر من واضحة. إذ ستتبدّى المخاطرُ الاقتصاديّة والإجتماعية بدرجةٍ أكثرَ حدّية، وسيتحوّلُ المهمّشون إلى وقود معركةٍ هي الأعنفُ على الإطلاق. وهؤلاءُ المهمشون لم يخدعوا مثلنا بحيلة "المساواة" أمام المرضِ، لأنّ أمراضهم، وعلى رأسها ثلاثي الجوع والفقر والتهميش، تعدُّ الأشدَّ فتكًا.

     الصورةُ العامّة تقول إنّ الطبقات المسحوقة، والجهات المحرومة، والحرفيين، والعمال اليوميين والموسميين، والعاطلين عن العمل، وموظفي القطاع الخاص، وأبناء اقتصاد الظل الشرعيين، هم وقودُ معركة الركود القادم. ولهذا الركودِ تداعيات دراميّة، كاندلاع الحرائق الاجتماعية، وانتشار الجريمة المنظمة، والإرهاب، وصولاً إلى تهتّك البنى السياسية القائمة. وهذا السيناريو لا تحتكرهُ تونس لنفسها فحسب، بل هذا ما سيحدثُ في العالم بأسرهِ، إن لم نفكّر من الآن في الحلولِ الكفيلة بتجنيبنا ما لا نقدرُ على مقاومتهِ حقّا.

    وإذ كانت مؤشراتُ ذلك في الدول الغنيّة بدأت في الإعلانِ عن نفسها، فكيف سيكونُ الحالُ في تونس المنهكة سياسيا واقتصاديّا واجتماعيا؟

    إنّ يحدث اليوم هو منعرج حقيقي في تاريخ تونس، ينسفُ منطق الحسابات السياسية الضيّقة، ويفتحُ الأبواب مشرعةً أمام حسابات من نوع آخر، نفسية واجتماعية وثقافيّة واقتصادية، ومن ثمّة يضعنا ضرورةً أمامَ مسؤوليّتنا التاريخيّة في التعويلِ على ذواتنا الجمعيّة، والتمسّكُ فعلاُ بقيمة "التضامن"، ككلمة سرّ قد تحدّ من تأثيرات ما بعد الجائحة علينا. وهذا التضامُن ليس بالشعار الأخرق الذي يرفعُ في المآتم أو في الأعراس، وإنّما هو مقدّمة استراتيجيّة كاملة تقومُ على الإنصاف والعدالة الاجتماعية وضرب جيوب الفساد، وحماية مناخ الحريّات العامة، والتمكين الاقتصادي للفئات الأكثر استهدافًا من غيرها

  • Subscribe to تقديرموقف