fbpx أطباء تونس ينتفضون: عقودٌ من التهميش والتخريب الممنهج! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

أطباء تونس ينتفضون: عقودٌ من التهميش والتخريب الممنهج!

Share

 

منذ يوم أمس الاثنين، بدأ أطباء القطاع العام في تونس إضرابا في كامل المؤسسات الاستشفائية يستمر حتى الأربعاء.
 ويعودُ سبب هذا الإضراب حسب الكاتب العام "للنقابة العامة للأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة للصحة العمومية" نور الدين بن عبد الله إلى عدم صرف الدولة لما يعرف بمنحة الجوائح، وهي منحة تقدمها الحكومة للعاملين في مجال مكافحة كوفيد-19، للأطباء، فضلاً عن الدعوة إلى توظيف كامل للأطباء الذين تم التعاقد معهم في إطار حملة مكافحة الوباء.
ولئن قلّل الأطباء من تأثير إضرابهم على سير عمليّات التطعيم، إلاّ أنّ حيرة المواطنين، بلغت مداها، خصوصًا أنّ العدوى انتقلت إلى أكثر القطاعات حسّاسيّة في البلاد، ألا وهو قطاع الصحّة الذي بات يعاني من اشتداد الضغط عليه في المدّة الأخيرة، لا بسبب آثار الموجة الثالثة من الفيروس فحسب، وإنّما أيضا بسبب تهرّء البنية التحتية وانعدام الإمكانيات البشرية والماديّة وحتّى اللوجيستيّة التي أصاب القطاع بأسره بما يشبه الشلل. 
وبعيدًا عن الأسباب المباشرة للإضراب، ثمّة حقيقة نرى من المهمّ أن نشير إليها وهي أنّ قطاع الصحة يدفع ثمن خيارات خاطئة منذ سنوات طويلة تسببت في خلق أزمة هيكلية رهيبة. بل إننا، ونحنُ نتابعُ ردود أفعال المسؤولين الحكوميين من الإضراب وحتّى ردود أفعال المواطنين، حاولنا أن نظهر دهشتنا ونضرب كفا بكفّ، بل ورحنا نفتّش في كلّ هذه الردود عمّا يدحضُ ما نعرفه من حقائق عن واقع القطاع الصحي في البلاد، لكننا كنا نعرفُ في قرارة أنفسنا، أنّ مجرّد التعبير عن صدمتنا حول هذا الواقع، خاصة في مناطق البلاد المنكوبة، سيكونُ نفاقا خالصا منّا كتونسيين، لأنّنا نعرفُ يقينًا وضعيّة مؤسساتنا الصحيّة على طول البلادِ وعرضها. 
ولنكن صرحاء مع أنفسنا قليلاً، إنّ إظهارُ الدهشة أو الغضب من حادثة إضراب الأطباء، يعدُّ شكلا من أشكال الاسكيزوفرينيا البليدة، ففي بلدٍ تستأثرُ فيه أخبار السياسة وغلاء المعيشة وتراجع المقدرة الشرائية للمواطن وفضائح برامج "التولك شو" بنصيب الأسد، وهي أخبار حافظت على تواترها الايقاعي الرّتيب، دونَ أن تكسرهُ القضايا الحقيقيّة الملحّة، ضاعت قضيّة مركزيّة كقضيّة القطاع الصحيّ، بأزماتهِ ذات الطوابق العديدة، داخل المعروض السياسي والإعلاميّ على حدّ سواء.
والمعلوم أن أزمة القطاع تنطلق من الخارطة الصحية، وهي خارطة لم تعد تستجيب الى القواعد العلمية والحاجيات الصحية والمطلبية المشطة التي تغذيها الشعبوية المفرطة، علاوةً على وجود عدد كبير من المستشفيات العمومية عاجزة عن تحقيق دورها الوظيفي في غياب الإمكانيات المادية والبشرية.  
ولقد تحتّم علينا كتونسيين متابعة أطوار انهيار منظومة الصحة العمومية حتى قبل ظهور جائحة عالمية خطيرة، كفيروس كورونا، (تذكروا جيدا صور مستشفى الرابطة) حتى نقف على حجم الخرابِ الذي حلّ لا بالقطاع الصحيّ فحسب، وإنّما بمجالات وثيقة الصّلة به، كقطاعات الصيدلة والصناعات الدوائيّة والمواد شبه الطبيّة والتأمين على المرض وغيرها. وليسَ من باب المبالغةِ في شيءٍ التأكيد في هذا الموضعِ بالذات، أنّ تونس تأخّرت أشواطًا كثيرة في المجال الصحيّ، بعد أن حلّ الارتجالُ محلّ التخطيط، وعوّضت ثقافة الربح السريعِ، حدّ الفساد الممنهج، قيما اعتباريّة تجعلُ من قطاع الصحّة ضلعًا رئيسيا في منظومةِ الأمن القوميّ. وبهذا الخصوصُ، تكفي الإشارةُ إلى أنّ ثلاث عشرة وزيرًا تداولوا على وزارة الصحّة في أقلّ من عشر سنوات، بحيث لم يتجاوز معدل بقاء الوزير في الوزارة مدّة السنة، ما منعهم عمليّا من وضع الخطط والاستراتيجيّة المناسبة للرفع من أداء القطاع والقيام بجملة من الإصلاحات الجوهريّة. 
وبينما ينتعشُ القطاعُ الخاصّ، مستفيدًا من الامتيازات الاستثماريّة الممنوحة لهُ، وانفتاحهِ على أسواق الجوار، كالأسواق الليبية والجزائرية والإفريقية وحتّى الأوروبية (طبّ الأسنان)، ما حدّ من وصول التونسيين، المنتمين إلى الطبقات الوسطى، إلى خدماتهِ، ظلّ القطاعُ العامُّ، ملاذُ الفقراء بدرجة أولى، محكومًا بنمطِ حوكمة قديمٍ وتجاوزتهُ الأحداث، رغم محاولات دعمه، من حين إلى آخر، بالموارد البشريّة ومشاريع بناء المستشفيات والمستوصفات واقتناء التجهيزات الحديثة. ولم يشذّ عن حالة التدهور المعمّمة سوى المستشفى العسكريّ بتونس الذي يظلُّ بدورهِ قابعًا في منطقة وسطى، لا يسهلُ النفاذُ إليها من قبل عموم التونسيين.
وفي ظلّ التردّي غير المسبوق للمرفق الصحيّ، لا بأس من التذكير بما سبق لنا في شكشوكة تايمز أن نشرناهُ قبل حوالي سنة من الآن حول أزمة البنية التحتيّة الصحيّة في تونس، وما دعونا إليه من ضرورة ردّ الاعتبار لقطاع حيويّ، هو قطاع الصحّة، وإحياء دورهِ الطلائعيّ ضمن منظومةِ الأمن القوميّ نفسها. والحقّ أن التعاطي اليوميّ مع أزمات القطاع، يجبُ ألاّ يحجب عنّا حقيقة أنّ الوضعَ الصحيّ بالبلاد يحتاجُ إلى القيام بمراجعات جذريّة، تستهدفُ نمط الحوكمة الجاري بهِ العمل، لا سيّما أنّ المرحلة الحاليّة تحملُ في جرابها ما لا يتخيّلهُ عقل إنسانٍ من مخاطر لها ارتداداتها الاقتصادية والاجتماعيّة والصحيّةِ أيضًا.
ولو ألقينا نظرة خاطفة على ميزانية وزارة الصحة لسنة 2021 (قرابة 2885 مليون دينار أي بزيادة 13.4 % عن السنة الحالية) لوجدنا أن نفقات التأجير ستلتهمُ حوالي 78.7 % من مجموع الميزانية، بينما تم تخصيص حوالي 415 مليون دينار للاستثمار في القطاع، بينما تبلغُ حاجيات الوزارة فعليا حوالي 690 مليون دينار. وهذا ما يدفعنا مجددا إلى التنبيه من خطورة ما يحدثُ، ذلك أنه في غياب مراجعاتٍ جذرية، وتحويلها إلى مقدمات ضرورية لإنجاز خارطة طريقٍ صحيّة قادرة على تغيير وضع القطاع الصحيّ في تونس، سنكونُ كما يوزّعُ حقن الموت على كلّ مستشفيات البلاد.
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
الأطباء الصحة العمومية وزارة الصحة التلقيح إضراب
Share