fbpx أمام تعطل محرّكات الاقتصاد التونسي: المديونية تحوّلت إلى رافعة نموّ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

أمام تعطل محرّكات الاقتصاد التونسي: المديونية تحوّلت إلى رافعة نموّ!

Share

 
 
في كلّ دول العالم الديمقراطي، تترجمُ مشاريع الموازنات العامّة رؤى الدول وتضع الخطوط العريضة أو ما يعرف بالسياسات العامّة، سياساتُ تترجمُ بدورها إلى استراتيجيات وبرامج تنفيذ، وذلك وفق مقاربة أشمل يطلقُ عليها اسم "الموازنة حسب الأهداف". هذا ما يحدثُ في كل دول العالم الحرّ، باستثناء تونس، هذه التجربة الديمقراطية الرائدة عربيا وإفريقيا، المتخلّفة اقتصاديا. 
وتخلفّنا تحديدًا لا يمكنُ تفسيرهُ فحسب باستمرارُ الحكومات في نهج منوال تنمويّ أثبت حدوده وفشله بل وساهم في شتاء 2011 في التعجيل برحيل نظام الرئيس الرّاحل بن علي، ولكن بالغموضُ الذي يغلّفُ "نوايا" الحكومات. فعلى سبيل المثال، لو سألنا حكومة السيّد هشام المشيشي عن نواياها وأهدافها تحديدًا، لما عثرنا على ربع إجابة خارج العموميات (مكافحة الفساد، تحسين القدرة الشرائية للمواطن، التنمية الجهوية، دفع الاستثمار، ...)، وهي عموميّاتٌ لا رؤى تحرّكها أو سياسات واستراتجيات وبرامج عمل، بعبارة أخرى، ليس ثمّة ما يمكنُ ترجمتهُ إلى أهداف مرقّمة يكون بوسعنا متابعتها وتحليلها وتقييمها ومن ثمّة تدعيمها أو تغييرها.
وأمام شحّ المعلومات، باستثناء ما تمكنا من تحليله لدى إطلاعنا على مشروعي الميزانية التعديلي للعام 2020 وقانون المالية للعام 2021، لم يكن ثمّة من بدٍّ أمامنا سوى الالتجاء إلى تقرير صندوق النقد الدولي حول آفاق الاقتصاد العالمي للعام 2021، وفيه نجدُ ضالتّنا في ما يتعلّق بتونس.

تونس تحدّ من خسائرها

عمليّا، تمكنت تونس، حسب التقرير من الحدّ من خسائرها جرّاء جائحة كوفيد 19، إذ من المتوقّع أن تغلق السنة الإدارية الحالية على تراجع الناتج الداخلي الحقيقي بنسبة 7 بالمائة. وهي نسبة معقولة جدّا بالنظر إلى مشاكل الاقتصاد التونسي، وهي مشاكل هيكليّة متوارثة بل وتفاقمت خلال العشريّة الأخيرة، كما تبدو أقلّ سوءًا إذا ما قارنها باقتصاديات عربيّة مشابهة، على غرار المغرب الذي سينهي العام مثلنا بنفس نسبة النمو السلبية، فيما تراجعت النسبة في الكويت إلى 8 بالمائة، والجزائر إلى 5.5 بالمائة (وكلاهما بلد نفطيّ)، وباستثناء مصر التي نجحت في تسجيل نسبة نمو إيجابية بـ 3.5 بالمائة، فإن كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سجّلت نسبة نموّ سلبية قدّرت بـ 25 بالمائة. حسنًا، بمقارنة مختلف النتائج ببعضها، تبدو لنا النتائجُ غير سيّئة بالمرّة، في ظلّ تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتراجع كبرى الاقتصاديات المؤثرة جرّاء جائحة كورونا، بل إننا لن نعدمُ بوارق أمل في تقرير صندوق النقد الدولي، إذ توقّع أن تسجلّ تونس نسبة نمو إيجابية في العام 2021 ب4 في المائة، مع تسجيل متوسط نمو سنوي في الفترة بين 2022-2025، بـ 3 بالمائة. كلّ هذا جميل ورائع لولا أنّ الشيطان يسكنُ في تفاصيل تتفادى حكومتنا الموقّرة إخبارنا بها. 

المديونية وكتلة الأجور

كأن تخبرنا مثلاً أن نسب النمو الإيجابية لن تتحقّق بسبب عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته، أي عودة المحرّكات الكبرى إلى النشاط على غرار الاستثمار والادخار والاستهلاك، وإنّما بسبب ارتفاع الخدمات الإدارية غير المسوّقة وكتلة الأجور إلخ. لنلقي نظرة إذن على محرّكاتنا الاقتصادية. فحسب صندوق النقد الدولي، ستكون المديونيّة هي هاجس تونس الوحيد، لاسيما أنّها ستبلغُ مستويات قياسية. في سنة 2020 سيتزايد الطلب على الاقتراض إلى 9 مليار دينار (تضاف إلى بقية ديون تونس)، وإلى 6.1 مليار دينار إضافية في 2021، ثم 4.7 مليار دينار في 2022، ما سيرفعُ الدين العام إلى 88.2 بالمائة من الناتج الداخلي الخامّ لدولة كلّ محرّكاتها إنتاجها معطلة. وفي الواقع، لا يحتاجُ الأمرُ إلى كبير ذكاء لنعرف أنّ المديونية باتت تستخدمُ في سداد الديون القديمة وسداد الأجور وتغطية الواردات، بمعنى أنّها مديونيّة غير منتجة وذات عواقب خطيرة. 
بالمقابل، توقع الصندوق أن نسبة التضخم في تونس ستبلغ 5.4 بالمائة خلال سنة 2020، لتهبط الى 4.9 بالمائة خلال سنة 2021 علما أنّها بلغت 4،5 بالمائة خلال شهر سبتمبر 2020 .غير أنّ ما يعجزنا حقيقة ليست نسب التضخم أو تراجع عجز الموازنة العام إلى 6.1 بالمائة في 2020، مع توقع الصندوق بتحقيق تونس فائضا في أفق 2025 ب1.5 بالمائة، ذلك أنّ ما يعجزنا بالفعل هو  تباطؤ محرّكات الاقتصاد التونسي كالاستثمار (10.3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام) او الإدخار (2 بالمائة من الناتج الداخلي الخام)، وهي من أضعف المعدلات في كامل المنطقة، علاوةً على الاستهلاك، وهما يحوّلُ الدين العامّ إلى رافعة للنمّو وهنا موضعُ الخطر. 

فرملة التداين والبحث عن حلول أخرى

لقد سبق لنا في شكشوكة تايمز أنّ تعرّضنا إلى مزالق عدم فرملة الديون وخطورتها الأكيدة لا على حاضر البلاد فقط وإنما على مستقبل أجيالها. ولعلّ السؤال الأهمّ الذي يؤرقنا كمتابعين للشأنين الاقتصادي والسياسي، هو حالة العطالةُ الفكريّة التي يعاني منها العقل السياسي في تونس، عطالة كسولة تنحو نحو تكرار الوصفات نفسها وتنتظرُ نتائج مغايرة. اليوم لا مندوحة أمام الحكومة سوى تغيير "براديغماتها" تمامًا فلا مشاريع قوانين المالية بشكلها الحالي وفرضياتها القديمة (سعر الصرف، سعر برميل النفط) تصلح، ولا المنوال التنموي الحالي يصلحُ ولا العطالة ستدفع بالعجلة إلى الدوران. وفي تقديرنا، على الدولة أن تبدأ بتطهير محفظتها، كخوصصة المؤسسات العموميّة المفلسة، والقيام بإصلاح جبائي جذريّ ينهي حالة الظلم الجبائي، وتعزيز ترسانتها لملاحقة رؤوس التهرّب الضريبي وخصوصا ملاحقة حيتان الاقتصاد الموازي لكي تتمكن من دمج جزء منه على الأقل داخل الاقتصاد الحقيقي، وكبح جماح التوريد العشوائي، ومراجعة تشريعاتها في اتجاه تحسين مناخ الاستثمار، بمعنى آخر على الدولة ألا تنصت إلى "العائلات" التي تتحكمُ فيها وتبادر إلى فقأ دمّلة الاقتصاد التونسي لكي تتمكن من تطهير الجرح.
هذه هي الأولويات الحقيقية التي كان على هشام المشيشي أن يعلن عنها دون خوفٍ أو مواربة ودون ارتهانٍ لمجموعات ضغط تعرفُ أن حماية مصالحها تكمنُ في ترك الوضع كما هو لأنّ تستفيدُ أساسًا من وضع الفوضى، وأن يأسس عليها مشروع قانون المالية للعام القادم، مشروع خاضع لرؤية محددة وبأهداف محددة. عدا ذلك، النتيجة ستكونُ ما فصلا صندوق النقد الدولي، مجرّد أرقام خالية من المعنى إنّ هي أبعدت عن تفاصيلها الدقيقة.. والمخيفة!
 

 

محاور
اقتصادية
الكلمات المفاتيح
الميزانية الاقتصاد هشام المشيشي صندوق النقد الدولي النمو العجز مديونية
Share