fbpx إذا غرقت تونس.. فلن يحكموا سوى الخرائب المشتعلة! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

إذا غرقت تونس.. فلن يحكموا سوى الخرائب المشتعلة!

Share

 

بات من الواضح أنّ تونس مقدمة هذا الصيف، على أشدّ فصولها السياسية حرارةً، خصوصا مع اشتداد الأزمة السياسية دخل الائتلاف الحاكم أو بين أحزاب الحكم والمعارضة، علاوة على معارك "الهامش السيادي" التي باتت تميّز العلاقة بين رئيس الجمهوريّة، قيس سعيّد ورئيس مجلس نوّاب الشعب، راشد الغنوشي. الاتحاد العام التونسي للشغل دخل بدورهِ معمعة الاحتقان السياسي، إذ صرّح أمنيه العامّ، نور الدين الطبوبي، من صفاقس، قلعة النضال النقابي الرمزيّة، قائلاً: "نحن قادمون قريبا إلى باردو لا بهدف حل البرلمان ولكن من أجل تعديل البوصلة نحو الخيارات والسيادة الوطنية"، تصريحٌ لم يمرّ دونَ إثارة غضب قيادات النهضة وتوابعها في ائتلاف الكرامة، ما يؤشّرُ عمليّا على اتساع رقعة الحريق السياسيّ.
والوضعيّة التي تعرفها تونس اليوم هي وضعيّة "فريدة" ولا يمكن بأيّة حال تشبيهها بمحطات الاحتقان السياسي الكبرى، خصوصا في العام 2013، بعيد اغتيال الشهيد محمد البراهمي كما ذهب إلى ذلك مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس التأسيسي السابق، ومردّ فرادة هذه الأزمة يعودُ أساسا إلى تشتت المشهد السياسي وتشظيهِ، المسألة السيادية والخيارات الاقتصادية المتّبعة.

فسيفساء سياسية بلا أفق

ففي ما يخصّ النقطة الأولى، لم تعرف البلاد تشتتا سياسيا كما تعرفه الآن، ويعزى ذلك إلى طبيعتيْ النظامين السياسي والانتخابي، الذين أفرزا بلا لبس فسيفساء سياسيةّ بلا آفاق حكم واضح. وإذا ما استثنينا رئاسة الجمهورية التي آلت إلى قيس سعيّد، بإجماع جزء هام من التونسيين، ممن يحقّ لهم التصويت، فإنّ الأمر على مستوى مؤسسة البرلمان، يبدو مختلفا كليّا. فالأغلبيّة التي حازت عليها حركة النهضة مثلاً، منحتها حقّ تشكيل الحكومة "صوريّا"، لأنّ نتائج التشريعيات أفرزت نتائج متقاربة، مع بروز أربع كتل أو خمس كبرى متنافرةً من جهة البرامج والتوجهات وحتّى الأسس الفكرية والأيديولوجيّة. وإذ ما فشلت حركة النهضة في تمرير حكومة الحبيب الجملي، فذلك استحالة تحصيل الإجماع حول شخصية رئيس الحكومة المقترح وقتها أو على برنامجها، ما اضطرّ حركة النهضة إلى الدخول مكرهة في ائتلافٍ حكومي مع ثلاثة أحزاب لا شيء يجمعُ بينها، كالتيار وحركة الشعب وتحيا تونس، بل إنّ الأحزاب الأربعة نفسها تظلّ متنافرة في ما بينها، رغم الاستنجاد بإلياس الفخفاخ، كلاعب من خارج الدائرة الانتخابيّة.
وهذه الوضعيّة الشاذّة، لم تمنح الحكم إلى أيّ أحد، بل احتكم إلى إكراهات الواقع، وهو ما أنتج جملة من الأزمات، بات من الصعب حلّها، سواء عبر إقرار منطق توسيع الائتلاف (عمليا وبرامجيّا، لا توجد أيّ فائدة من دخول تونس إلى الحكم)، أو المحافظة على الحدّ الأدنى من التعايش. بل لم نعدم معاينة كيف وضعت النهضة قدما في الحكم وأخرى في المعارضة، بسبب ذلك الإكراه تحديدا، وانفراط عقد "التضامن الحكومي" مع أوّل اختبار حقيقي، وهو مسألة التفويض لرئيس الحكومة، إبان أزمة الحجر الصحي، لتتضح خطوط الصدع أكثر مع تقديم عبير موسي للائحة رفض التدخل الأجنبي.  
وهنا، من المهم بمكان تسمية الأشياء بمسمياتها والقول بأنّ أحزاب الائتلاف الحاكم لا يوجد ما يجمعها سوى قاعة اجتماعات مجلس الوزراء لا غير، وهو ما فتح باب المناورات في ما بينها، مناورات كشفت عن وجهها القبيح بعد قضية تضارب المصالح التي توّرط فيها رئيس الحكومة.

معارك الهامش السيادي

وإذ كان هذا هو الحالُ صلب الجسد الحكومي، فإنّ المسألة تبدو أكثر خطورة إذا ما تعاملنا مع الصورة العامّة وفق ترتيبات القصور الثلاث، وخصوصا قصريْ قرطاج وباردو. فالخلافات بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب لم تعد خافية على أحد، وكنا في شكشوكة "تايمز" أوّل من نبّه إليها حتّى قبول دخول تونس فترة الحجر الصحيّ. وإذ كانت الخلافات في البداية يميّزها جس النبض الحذر، إلاّ أنّها سرعان ما اتخذت منحى دراميّا، مع اشتداد الأزمة الليبية، إذ طرحت مسألة تنازع الصلاحيات في هذا الملف على نحوٍ واضحٍ ودون لبس، بل كانت إشارات رئيس الجمهوريّة واضحة بهذا الخصوص، حين أشار إلى أنّه المسؤول الأوّل عن السياسة الخارجيّة لتونس، عكس موقف رئيس البرلمان الذي لا يخفي انحيازه إلى أحد طرفي الصراع في ليبيا، ضمن لعبة محاور إقليمية مكشوفة.
وما يؤسف له أنّ الصراع نفسه غادر منطق التنفيس على نحو بروتكولي، إلى منطق "التشنيع" و"السباب" على وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي وحتّى تحت قبّة البرلمان. فمن تلويح النائب سيف الدين مخلوف بسحب الوكالة من رئيس الجمهورية، إلى مسّ نور الدين البحيري من ذات الرئيس المعنوية مؤخرا، في ترحمه على الباجي قائد السبسي، تماهيا مع موقف خالد المشري، رئيس مجلس الدولة الليبي، إلى بثّ إشاعة مرض الرئيس يوم أمس، ما أدخل بلبلة في صفوف الناس، وانتهاء بمناورة عزل الرئيس عن الحكومة، كلّها إحداثيات تكشفُ انقطاع التيار بين أهمّ مؤسستين في البلد.
بل ثمّة تحاليل تذهبُ إلى إمكانية إعادة سيناريو عزل حركة النهضة لرئيس الدولة، عبر استمالة الفخفاخ مقابل انقاذه من ورطة سحب الثقة، في تكرار لسيناريو عزل الباجي قائد السبسي سياسيا حين وقفت النهضة مع يوسف الشاهد الذي انقلب على عرّابه، وهو ما يكشف بداهة عن صعوبة ردم الفجوة الآخذة في الاتساع بين الحزب الأول في البلاد والرئيس ذي الشعبية الجارفة.

خيارات اقتصادية مرفوضة

والغريب أن تدور هذه الصراعات وسط تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية. ورغم أنّ جميع مؤشرات لوحة القيادة باللون الأحمر، إلا أن انزياح الطبقة السياسية برمتها نحو التقاتل على الهوامش وإغفالها للوضعيّة الكارثية التي تتخبّط فيها البلاد، زاد من تأزم الوضع الاجتماعي في البلد في غياب التنمية والحلول. 
ومن يعتقد أنّ حرائق المكناسي وقفصة وتطاوين هي الأخيرة، فهو واهم، فمع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، وتضرر النسيج الاقتصادي والصناعي في البلاد، وانهيار قطاعات بأكملها، تبدو لنا الصورة أكثر قتامة ممّا قدمه رئيس الحكومة في مداخلته أمام مجلس نوّاب الشعب.
وإذ سبق لنا أن نبّهنا إلى خطورة اعتماد سياسة التقشّف ذات المنحى الضريبي على استقرار البلاد وخصوصا على السلم الاجتماعي، فإنّ التحذير أتى أوّل أمس من صفاقس، حين خاطب نور الدين الطبوبي النقابيين معلنا رفضه لتلويح رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بالتخفيض في الأجور بسبب الوضع المالي والاقتصادي الصعب الذي تمر به تونس، إذ قال بهذا الخصوص، أنه لا تخفيض في الأجور طالما منظمة فرحات حشاد موجودة، كما دعا الحكومة إلى الكف عن إثقال كاهل الشعب التونسي بالاقتطاع. وهو ما يأشّر إلى تصعيد قادم من طرف المنظمة الشغيلة خصوصا مع انعدام الحلول أمام حكومة الفخفاخ (أو استسهال الحلول الضريبية) مع ما يعنيه ذلك من تفاقم الكلفة الاجتماعيّة على البلاد.
وبالمحصّلة، تبدو الصورة العامّة قاتمة للغاية، ما لم يتدارك الفرقاء أمرهم، ويفوّضوا لرئيس الجمهورية فرصة جمعهم حول طاولة حوار اقتصادي واجتماعي موسعة، تشمل أحزاب الحكم والمعارضة على حدّ سواء، تطرح فيها كلّ المشاكل الثانويّة جانبا، ويدفع الجميع على الانكباب على إنقاذ السّفينة الغارقة. 
وههنا، لا بأس من تذكير الجميع، أنّه في صورة تواصل مناكفاتهم ولهاثهم وراء الاستفراد بالحكم، لن يجدوا ما يحكموه سوى الخرائب المشتعلة بنيران الغضب الشعبيّ.

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
اتحاد الشغل إلياس الفخفاخ قيس سعيد راشد الغنوشي نورالدين الطبوبي
Share