fbpx إلياس الفخفاخ بريء.. نحنُ المذنبون! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

إلياس الفخفاخ بريء.. نحنُ المذنبون!

Share

 

ألقت تصريحات العميد شوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد، المزيد من الضوء على قضيّة تضارب المصالح التي تورّط فيها رئيس الحكومة، إلياس الفخفاخ، إذ أشار إلى أن رئيس الحكومة خرق القانون والدستور بمواصلة إدارته لثلاث شركات بينما يباشرُ مهامّه كرئيس للحكومة.
العميد لم يلتهم كلماتهُ وهو يؤكد على ضرورة فسخ عقود شركات (وليست شركة واحدة كما قال الفخفاخ) مع الدولة، ذلك انّ هذه العقود أبرمت ورئيس الحكومة يباشرُ مهامّهُ، خصوصا أنّ الفخفاخ كان قد أصدر خلال فترة الحجر الصحي قرارا بإلغاء عقود شركات تابعة لنائبين مع شركات أسمنت الكاف وبنزرت والصيدليّة المركزّية.
 وإذا كان هذا رأي الهيئة بخصوص القضّية، إلاّ أنّهُ لا يجيبُ، على نحو واضحٍ وصريح، عن سؤال حيّ يطرحهٌ التونسيون: "هل القضيّة قضّية تضارب مصالح أم قضيّة فساد حقيقيّة؟".

شبهة فساد وكذب متعمّد

لنتفق بداهةً على أنّ السيد إلياس الفخفاخ بنى خطاب التنصيب على شعارٍ مركزّي وواضح وهو محاربة الفساد. شعارٌ سرعان ما استجلبهُ إلى كلمته التلفزيّة التي توجّه بها إلى الشعب التونسي حين أعلن عن دخول تونس مرحلة الحجر الصحيّ الشامل، بل وأردفهُ بعبارته الشهيرة "حتّى حد ما فوقْ راسو ريشة"، بمعنى أنّ لا أحد فوق القانون. ولقد اعتبر ذلك التصريحُ إعلانا جادّا على شروع الحكومة في فتح ملفات الفاسدين والمفسدين في البلد، خصوصا أنّ حزام رئيس الحكومة يضمّ حزبا بنى كلّ أدبياته على مكافحة الفساد، ونعني هنا حزب التيار الديمقراطي. ومع ذلك، اتضح مع تفجّر فضيحة ملف "تضارب المصالح" أنّ رئيس الحكومة كان أوّل من بادر إلى كسر شعارهِ، بل وطوّع الدولة لأغراض أخرى تعودُ بالمنفعة الماديّة عليه وعلى شركاتهِ.
بهذا الخصوص، دعونا نذكر رئيس الحكومة وأنفسنا بأنّ مصطلح "تضارب المصالح" ما هو إلاّ تسمية فضفاضة لا تعني شيئا آخر غير "الفساد". ومن عناوين هذا الفساد كما تعرّفه اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد للعام 2003، نجدُ الرشوة القطاعين العام والخاص والاختلاس والمتاجرة بالعملة وإساءة استغلال الوظيفة وتبييض الأموال والثراء غير المشروع وغيرها من أوجه الفساد الأخرى. فإذا استندنا إلى هذا التعريف وحدهُ، نفهم أنّ ما ارتكبهُ رئيس الحكومة، بحسب ما ذكره العميد شوقي الطبيب، هو إساءة استغلال وظيفة، والكذب المتعمّد على الهيئة وعلى عموم الشعب التونسي، خصوصا بعد افتضاح أمر بقيّة شركاته التي لم يتخلّ عن إدارتها إلى حدود هذه اللحظة.
قد يناقش أحدهم التعريف الذي سقناهُ، ولهذا لا نجدُ غضاضةً في العودة على تعريف آخر أدقّ وينطبق تماما على حالة رئيس الحكومة، وهو تعريف صندوق النقد الدولي الذي جاء فيه أنّ الفساد هو "علاقة الأيدي الطويلة المتعمدة التي تهدف لاستنتاج الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو لمجموعة ذات علاقة بالآخرين". ونعتقدُ أنّ هذا التعريف يكفي لتوصيف ما فعلهُ رئيس الحكومة، فهو ليس خطأ إداريا، ولا إشكال يجب معالجته في قانون الاثراء غير المشروع، وإنّما شبهة فساد مبنيّ على إرادة متعمّدة.

تونس الجريحة

ولن نعودُ ههنا إلى تفاصيل القضيّة أو مآلاتها القانونية والسياسية، رغم أنّ المنطق يفرضُ على رئيس الحكومة أن يتقدّم باعتذاره إلى عموم الشعب التونسي ويغادر وظيفتهُ، تمهيدا لمقاضاتهِ، خصوصا أنّه يحمل الجنسية الفرنسية، ويعرفُ جيدا ما حدث لفرانسوا فيون، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، الذي حكم عليه بالسجن خمس سنوات إثر إدانته في قضية وظائف وهمية استفادت منها زوجتهُ واثنان من أبنائه (لم يوفر عقودًا لشركاته بالمليارات كما حدث مع الفخفاخ). قلنا لن نعود إلى هذه التفاصيل، لانّ ما يهمنا هو الطريقة التي تحوّل بها الفساد في تونس من شعارٍ إلى حصان طراودة، يرفعه السياسيون بمناسبة ودونها، لدغدغة قلوب الجماهير، بينما يمارسونهُ سرًّا وبعيدًا عن الأعين.
ومن ثمّة علينا أن نصارح أنفسنا ونقول، اجل، هناك من على رأسه ريشة في تونس، وللأسف، هؤلاء هم الذين أدوا القسم على القرآن الكريم من أجل حماية مصالح هذا البلد وأهله. والنتيجة أنّ تونس تحتلّ المرتبة 74 من أصل 180 بلدًا مصنفًا في مؤشر مدركات الفساد للعام 2019 الصادر عن منظمة الشفافية العالمية، بسبب غياب الإرادة السياسية التي تجلت في تواصل ظاهرة الإفلات من العقاب، وتواصل ظاهرة انتقائية تحريك ملفات الفساد، وعدم تطبيق قانون حماية المبلغين.
النتيجة أيضا أن تونس تخسرُ سنويا مليار دولار (حوالي 3 مليار دينار) من الفساد، وأكثر من نقطتي تنمية، ما حوّلنا إلى مزرعة للمافيات والبارونات والحيتان الكبرى المتحالفة مع السياسيين، أو المتحصنة داخل البرلمان، أو أصحاب الشركات الذين اختيروا، على الغفلة من الكلّ، لقيادة البلد وقيادة الحرب على الفساد.
والفخفاخ واصل على درب سلفه يوسف الشاهد، محاولا استمالة عقول وقلوب التونسيين عازفا على وتر اشد كوابيسهم ضراوة، ومثلهُ أثبت أنّه يعتنق العقيدة الفاسدة نفسها سرّا. فاليوم عاد ملف مروان المبروك للظهور إلى الواجهة، ملف كان يوسف الشاهد قد عتّم عليه تماما، حين رفع التجميد عن أموال صهر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، التي تقدر بـ97 مليون دينار (33 مليون دولار)، وهو ما تسبب في حربٍ خفيّة رئيسي الحكومة الحالي وسلفهِ، حتى إن بعض التحاليل ذهبت إلى أن "جماعة" الشاهد كانت وراء تسريب ملفّ الفخفاخ إلى الإعلام. 
بالنهاية، كلّ هذا لا يهمّ، مادام الفخفاخ وجد من يدافع عنهُ بل ويبرّر لفضيحة الدولة، محاولا إكسائها لبوسا سياسيا وردّها إلى رغبة حركة النهضة في توسيع الائتلاف الحاكم. أجل ثمّة من يبررّ للفساد اليوم من داخل منظومة الحكم، مثل من سبقهم حين سكتوا عن التهرب الضريبي في تونس الذي يقدر بحوالي 30 مليار دينار (ثلاثة أرباع ميزانية البلد)، طالما أن المهربين يمولون أحزابهم وحملاتهم الانتخابية، مثلما سكتوا عن قضية القروض دون ضمانات التي تحصّل عليه رجال أعمال قبل الثورة، بل أرهقوا كاهل المجموعة الوطنية من خلال رسملة البنوك المتضررة من السرقات، وكأنّ قدر الشعب التونسي أن يدفع مقابل سرقات الجميع.   أجل كلّ ذلك، لا يهمّ، ما دام الفسادُ هو القطاعُ الوحيد الذي لم يشهد اضرابا طوال عشر سنوات، ولم يعطل مصالح الدولة، بل وكان مثالاً للإنتاجية العالية والتفاني في العمل.

 

محاور
اقتصادية
الكلمات المفاتيح
الفساد تضارب المصالح إلياس الفخفاخ يوسف الشاهد الحكومة التونسية الدستور
Share