fbpx الأزمة السياسية تتفاقم: الرّئيس يختارُ التصعيد والدولة تترنّح! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الأزمة السياسية تتفاقم: الرّئيس يختارُ التصعيد والدولة تترنّح!

Share

 

هل كان على رئيس الجمهورية أن ينتظر أكثر من أربعة أشهر قبل أن يحسم موقفهُ من الحوار الوطنيّ ويدلي برفضه النهائيّ لفكرة الجلوس إلى طاولة واحدة مع خصومه؟ الحقيقة، لا ! فما يبدو لنا واضحًا وضوح شمس شهر أفريل أنّ رئيس الجمهوريّة لم يكنُ ينتظرُ سوى حجّة وحيدة يقيمُ رفضهُ عليها، وها هو مجلس نواب الشعب يقدّمهها إليه على طبقٍ من ذهبٍ في صورة تعديلاتٍ أدخلت على القانون الأساسي المتعلّق بإرساء المحكمة الدستوريّة وانتخاب أعضائها .
ويوم أمس في جهة المنستير، بدا الرئيسُ أكثر إصرارا على موقفه الرّافض لا فقط لإرساء المحكمة الدستورية، بل للتحاور مع منظومة سياسية "شريرة"، ومسؤولة عن كلّ الأعطال والآثام التي ابتليت بها تونس، بعيد الثورة، مستغلاّ ذكرى وفاة الزعيم الحبيب بورقيبة ليوجّه رسائل جدّ صادمة لخصومه، وإن كانت من قبيل المكرّر المعاد، متماهيًا مع شخصيّة الزعيم الرّاحل القويّة، إلى حدّ أثار التساؤل فعلاً عن مدى صلاحيّات رئيس الجمهورية.
والحقّ إنّ من يعتقد أنّ صلاحيات رئيس الجمهوريّة محدودةٌ بالدستور، يعدُّ واهمًا كيلا نقول جاهلاً بطبيعة الألغام الموجودة في دستور 2014 نفسه، فضلاً عن طبيعة الأرض التي يتحرّك عليها الفرقاء السياسيون في تونس، إذ أثبتت محطات الصراع بين رئيس الجمهورية وخصومهِ "البرلمانيين" أنّ الرجل يعي حقيقةً أنّ غياب المحكمة الدستورية منحهُ لا حريّة تأويل الدستور فحسب وإنّما التحكم في اللعبة السياسية، وإدارتها بالطريقة التي تضمنُ لهُ ولاء أنصارهِ المتعطشين لنموذجٍ سياسيّ لا مكان للفسادِ وللأحزاب كذلك فيه.
غير أنّ هذا النهج الرّافض للحوار، وهو نهجٌ تسلّطي، وهذا ما نقولهُ بلا مواربة، أضرّ الصديق قبل العدوّ، وفي هذه يحقّ لنا أن نقول إنّ رئيس الجمهورية قد يكونُ رجلاً بارّا بوطنه، وسياسيّ عتيّ قادر على مواجهةِ كلّ العواصف والخطوب، بيد أنّه يفتقدُ لأهمّ خصلةٍ يجبُ أن تتوفّر في السياسيّ الناجح، وهي القدرة على إدارة الأزمات.

نيران صديقة

وبالنظر إلى طبيعة الأزمة في تونس، اختار رئيس الجمهوريّة القارب الخطأ للتجذيف في بحارها الغاضبة، ذلك أن رفض الحوار في هذا الوقت بالذات، بعد أن قبل به، يعكسُ استخفافا بشريك نموذجيّ هو الاتحاد العام التونسي للشغل، شريك وقف معهُ، وإن على نحو ضمنّي، في صراعه المشطّ ضدّ محاولات تشويهه من طرف أنصار أحزاب الائتلاف الحاكم وقياداتها. بل إن الاتحاد لم يدخّر جهدًا في تلبية كلّ طلبات الرّئيس ما كاد يفرغُ المبادرة من مضمونها، فأيّ جدوى من حوارٍ سياسيّ يقصى منهُ البعض بتعلات واهية كالفساد وممارسة العنف أو الإرهاب، دون وجود إدانة قضائية؟ ومع ذلك سارعت المنظمة الشغيلة في هوى الرّئيس، لأنّها تعرف قبل غيرها أن تكلفة حالة الشلل السياسي ستكونُ باهظة اقتصاديّا واجتماعيّا.
ورغم كلّ هذا، كان للرئيس رأي آخر، رأي هو في النهاية "مبدئي" وقد يجد هوى لدى عموم التونسيين، ولكنّه يتناقضُ بالطول والعرض مع موجبات الفعل "السياسي"، وبهذا الخصوص أثبت رئيسُ الجمهورية انه لا يقيمُ وزنا للاستشراف أوللاستراتيجية أو حتّى مصلحة البلاد، وههنا نحنُ لا نبالغُ، ما يضعهُ في الخندق نفسهِ مع من يصفهم بالفساد.
فهل يدركُ قيس سعيّد أنّ استمرار الأزمة السياسية على هذا النحو الفجّ والعنيف، سيكون الشعبُ التونسيّ المتضرّر الوحيد منها؟ هل يدركُ أنّ إغلاقه لكل أبواب الحوار مع خصومه، يعرقلُ مساعي تونس لتمويل اقتصادها المتعثّر؟ هل يدركُ أنّ مبادراته هو، على غرار مسألة استرجاع الأموال المنهوبة، سيكونُ مآلها الفشل الذريع بسبب حالة الصدام بين مؤسسات البلاد؟ هل يدركُ أن صورة تونس في الخارج صارت مرتبطة بالفشل السياسيّ والفضائح حدّ أنّها باتت في طريقها لكي تصنّف كدولةٍ فاشلة؟
نعلمُ جيّدًا أنّ رئيس الجمهوريّة يدركُ هذا، ولكننا نعلمُ أنّه ما يزالُ إلى الآن يتصرّف وكأنّه في سياق حملةٍ انتخابية، فكل ما يقولهُ بالأساس هو موجّه لأنصاره لا لخصومه، ولهذا يتفادى تسميتهم بالاسم، وهنا تكمنُ الخطورة، فعلاوةً على الشيطنة المبالغ فيها، والنهل من معين نظريات المؤامرة، كلّ ما يفعلهُ الرّئيسُ عمليّا هو خلقُ دولةٍ جديدة، خالية من الأحزاب السياسية، دولة هو حاكمها الوحيد، داخل دولةٍ قديمةٍ، بات التعايش بين رئاساتها الثلاث أمرًا مستحيلاً.

تفكيك الدولة

في الجهة المقابلة، يخطأ من يعتقد أنّ رئيسي الحكومة والبرلمان سيقفان مكتوفي الأيادي. فرئيس الحكومة بحكم صلاحياته الدستوريّة، لا يحتاجُ عمليّا إلى اليمين الدستوريّة لمواصلة مهامه، بل سيكونُ في مقدوره تأبيد وضع "الوزارات بالنيابة" إلى نهاية العهدة، تاركا رئيس الجمهوريّة مع تهويماته القانونية، وبالمثل، بوسع رئيس مجلس النواب استخدام صلاحياته والأغلبيّة النيابية، لرفض كلّ المشاريع التي تقترحها مؤسسة الرئاسة، وهو في هذا لن يحتاج إلى محكمة دستورية أو إلى طرح فكرة عزل رئيس الجمهورية من أساسها، بل قد تعمدُ الكتل الوازنة في صورة استمرار الأزمة واستفحالها إلى طرح مبادرة لتغيير الدستور (رغم أنه الفصل 148 منه يعطي أولوية النظر لمبادرة رئيس الجمهورية في هذا الشأن). على أنّ كل هذا لن يخدم سوى حقيقة وحيدة : وهي مضّي الدولة التونسية نحو تفكيك سلطاتها، وحصرها داخل جزر معزولةٍ في حالةٍ حرب دائمة في ما بينها، وهذا الأمر له تداعيات كارثية حقيقية سواءً من جهة إدارة الشأن العام، أو- وهذا الأخطر- من جهة إفقاد تونس أيّ أملٍ في دفع الشركاء الاقتصاديين والمانحين الكبار إلى تجاوز مأزق تصنيف وكالة "موديز" الأخير ومنحها ما تستحقّه ميزانيتها من تمويلات، بسبب غيابٍ "مخاطبٍ وحيد" لها.
لقد خرجت الأزمة نهائيا من منطق الخلاف على قضيّة اليمين الدستورية لتدخل حلقةٍ مفرغة عنوانها الرئيس الفعل وردّ الفعل، وهو ما يهدّدُ بتعاظم كرة الثلج، حدّ تحطيم كلّ ما يعترضها في طريقها من مؤسسات وسلطات وآمال يعلقها التونسيون على المستقبل.
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
رئيس الجمهورية قيس سعيّد هشام المشيشي راشد الغنوشي البرلمان
Share