fbpx الغنوشي وسعيّد: زوابع الحكم وتوابع الصراع.. | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الغنوشي وسعيّد: زوابع الحكم وتوابع الصراع..

Share


لا حاجة لتفاصيل الكواليس أو ما يدور في المجالس المغلقة مثلما تسرّب من اجتماع مجلس الشورى لحركة النهضة المنعقد في الحمّامات، لإدراك أنّ «التيّار لا يمرّ» (كما تقول الفرنجة) بين كلّ من رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد رئيس الجمهورية ورئيس حركة النهضة ورئيس مجلس نوّاب الشعب راشد الغنوشي. المسألة لا ترتبط فقط بطبيعة منصب كلّ منهما أو المزاج الشخصي، بل هما في تناقض موضوعي مع بعضهما البعض.
من جهة يجلس راشد الغنوشي على رأس الحزب الأفضل تنظيمًا، أو بالأحرى الذي يشهد الفوضى الأقلّ في البلاد. ماكينة تضرب في جذورها، زمنيا إلى «الجماعة الإسلاميّة» في مطلع سبعينات القرن الماضي، وتنظيميا إلى «أخطبوط» التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وعلى مستوى المعاناة تستند إلى آلاف الشهداء والجرحى وضحايا التعذيب ومن كانوا في الشتات والمنافي، وأساسًا إلى عقيدة «التمكين في الأرض» القائمة على «الولاء والبراءة». قيس سعيّد يأتي نقيض ذلك بالكامل. مجرّد فرد أقرب إلى «الناسك» من رجل عجنته السياسة وعركته أو هي لوثته. لا ماكينة سياسيّة وراءه، على الأقلّ على شاكلة ما تعرفه البلاد. كذلك لم يكن «رجل سياسة» بالمعنى المتداول، سواء «رجال دولة بن علي» أو «الطبقة المعارضة» قبل 14 جانفي 2011. بالملخص هو خارج ماكينة الحكم ولم يأت من رحم «السيستام» الذي ولّد «رجال الدولة» كما «مناضلي المعارضة».
الداهية والخطيب
التناقض بين الرجلين في أقصاه، خاصّة على مستوى الخطاب، راشد الغنوشي الذي يعطي عندما يتكلّم بل حتّى الابتسامة ربّما التنفسّ، أهميّة للتوازنات الداخليّة وموازين القوى الاقليميّة والدوليّة، وكذلك ضرورة صناعة صورة وصياغة خطاب، يطمئن الداخل كما الخارج، بأنّ «تهمة الإرهاب» التي طالت كامل «الإسلام السياسي» منذ 11 سبتمبر، لا تعني حركة النهضة. يعمل الرجل وقد أنفق من الجهد ما لا يمكن تخيّله لإثبات أن النهضة صارت ليس راسخة في الديمقراطيّة، بل هي الأشدّ رسوخًا بين التشكيلات السياسيّة في تونس، أو هي أكثر من ذلك الأفضل وربّما الأقدر، إن لم نقل الأوحد على ضمان الاستقرار بالمفهوم التي تراه وتتبنّاه دول الغرب. 
في المقابل، خرج قيس سعيّد إلى السياسة، كما خرج الصعاليك على قومهم زمن الجاهليّة، ذلك «الفرد» الذين يعتبرون أخلاق السياسة سابقة للممارسة، وثانيا (على عكس راشد الغنوشي وحركته) لا يتبنون المواقف السياسيّة خاصّة في ما يتعلّق بالقضايا السياسية الكبرى على قراءة توازنات المرحلة وفي أيّ اتجاه تنحو موازين القوى، بل فقط وحصرًا على العقيدة والمبادئ.
الموقف من القضيّة الفلسطينية شكّل العقدة الأولى الذي وضعها قيس سعيّد في منشار النهضة، حين طعن بجملة واحدة وفي لحظة تقريبًا، ما صرفت النهضة على بنائه طوال سنوات، من خطاب يقوم على التحذلق اللغوي وتدوير الزوايا وتربيع الدوائر، ومن ثمّة الخروج على الجميع بخطاب لا يزعج الراعي ولا يغضب الذئب، وأساسًا تصفّق له الخرفان طربًا.
الخوف من سعيّد
منذ اعدام السيّد قطب عرّاب الإخوان في مصر ومجيء الهضيبي والتلمساني إلى موقع الإرشاد، ومنذ أو حتّى قبل تحوّل «الاتجاه الإسلامي» إلى «النهضة» تمّ التأسيس أو هو التأصيل الفقهي لسياسة «مجاراة الواقع» والتأقلم مع الأحداث، ومن ثمّة القطع ما سياسة «الكراسي الشاغرة»، بل الرضا والتأسيس على أيّ مكسب وإن كان «حبّة خردل»، لا يجب قطع «شعرة معاوية» بسببها.
علّل الفكر الإخواني هذه «المرونة السياسيّة» بحجم المعاناة والعذابات، وبضرورة القضم المتدرّج لمساحات من دائرة الحكم، وإن تطلّب قرنًا أو يزيد، ليكتشف هذا العقل ومعه العمق الإخواني أنّ قيس سعيّد قال ما قال عن فلسطين، ولم تقذفه حاملات الطائرات بالصواريخ العابرة للقارات، ليستفيق جزء غير هيّن من «عقل النهضة» ليسأل ذاته ويستفسر من قيادته أثناء مؤتمر حركة القادم : «هل بالغت قيادات في تعظيم الخطر الغربي على الحركة؟»، ومن ثمّة شرّعت الانبطاح التام والتحوّل إلى آلة لا ترفض أيّ «نصيحة غربية»؟ ليكون السؤال القاتل : «ماذا لو كان هذا الرُهاب من الغرب (في جزئه الأكبر والغالب) مجرّد «تخيلات» من صنائع وكالات الاستخبارات الغربيّة (الأمريكيّة والبريطانيّة خاصّة)، التي جعلت النهضة تعمل من خلال الخوف على الذات والمشروع، ورعب القيادات من العود إلى الزنزانات، رغم أنّ العقل الرصين يستبعد ذلك.
لذلك جدّت مفارقة غريبة وعجيبة : قيادات النهضة شديدة التخوّف من الرجل وما يمثّل. خوف عبّر عنه القيادي في حركة النهضة محمّد بن سالم أثناء الحملة الانتخابيّة لإحدى الإذاعات التونسية. خوف أو هو رعب من قبل قيادات النهضة بأنّ يرفض عمق الحركة المتماهي والمفتون بسحر خطاب قيس سعيّد، أي خطاب سوء عن الرجل، بمعنى تفضيل المنافس نبيل القروي أو حتّى مجرّد البقاء على حياد تعتبره هذه القواعد خيانة.
الفيروس القاتل
النهضة التي اعتادت بل صارت تستلذّ وتستقوي إن لم نقل أدمنت الهجومات من الخارج التي تقدّم لها أفضل خدمة، مثل خطاب اليسار المتشنّج، الذي به تشتدّ اللحمة الداخليّة للحركة، هالها الاختراق الذي استطاع أن ينفّذه قيس سعيّد بمفرده، في لحظة وبهذا العمق، لذلك تصير جميع توصيفات (الداهية) الغنوشي العلنيّة والمسرّبة عن قيس سعيّد مفهومة أو بالأحرى مبرّرة حين يبغي «الشيخ/المرشد» العمل بأقصى سرعة قبل أن يستفحل الداء.
كلّما زاد عنف «الذباب الأزرق» على قيس سعيد وكلمّا ارتفع التنديد بأيّ فعل يأتيه الرجل وإن كان دون قيمة، كلّما تعمّقت حتميّة الحسم بين الطرفين. حسم ستترك فيه النهضة خسائر كبيرة، ومن ثمّة تخسر المعركة...
تخسر النهضة المعركة كما خسر بن علي المعركة أمام توفيق بن بريك، لأنّ خسائر الآلة تكون دائمًا ثقيلة، في حين أنّ «الفرد» (بن بريك أو سعيّد) ليس لديه ببساطة ما يخسره. 
النهضة ستخسر لأنّها (في علاقة بصراعاتها الداخليّة) تعتبر الانتصار على قيس سعيّد «مهما كان الثمن» قضيّة حياة أو موت.... ستكون أقرب إلى الموت من الحياة. 
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
قيس سعيد راشد الغنوشي النهضة رئيس الجمهورية الإخوان
Share