fbpx المشيشي قفز داخل مسبح فارغ: تعديل المرسوم 116 يخدمُ بارونات الفساد و الشعبويين الجدد ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

المشيشي قفز داخل مسبح فارغ: تعديل المرسوم 116 يخدمُ بارونات الفساد و الشعبويين الجدد !

Share


في خطوة أثارت استهجان عموم الصحافيين والإعلاميين والمنظمات الوطنيّة والقوى الحيّة في تونس، أقدم رئيس الحكومة، هشام المشيشي، على سحب مشروع قانون حرية الاتصال السمعي البصري الذي قدمته الحكومة السابقة، مثبتًا انحيازه الأعمى للائتلاف السياسي الحاكم بأمره في البلاد، ائتلافٌ منحهُ السلطة على طبقٍ في إطار صفقةٍ بدأت بنودها تتكشّفُ يوميّا للرأي العام، وبمقابلٍ لا أحد يعلمُ حجم ارتداداته القادمة على البلاد.
والحقّ أن المشيشي غالط نفسه قبل أن يغالط الرأي العام، حين أكّد في الحوار الذي أدلى به للقناة الوطنيّة الأولى، يوم الأحد الماضي، بأنّه "الفاعل السياسي الأوّل" في البلاد، ذلك أنّ سحب مشروع القانون المتعلّق بتنقيح المرسوم 116 المنظّم لقطاع الاتصال السّمعي البصري، وقبلها قانون المالية للعام 2021 (وهو ما سنعود إليه في مقال قادم)، أو محاولة فرض تعيينات مشبوهةٍ في مستشاريّته، خدمةً للحزام السياسي المحيط بهِ، كلّها إحداثيات تكشف بلا لبسٍ عن توجّهٍ سياسيّ واضحٍ، وهو تنفيذ بنود الصفقة التي عقدها مع الثلاثي حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة. 
وليس من باب التجنّي على الرّجل في شيء إن أكّدنا أنّ هرولة المشيشي في هوى حزامه السياسي، ليس إلاّ فصلاً هزليًّا جديدًا في مسرحيّة الحكومات المتعاقبة، مسرحيّة يتحوّل فيها رؤساء الحكومات إلى دمى تتلاعبُ بها أيادي الأحزاب وبارونات الفساد وأقطاب الشعبويّة الجديدة.
بيد أنّ حلم المشيشي في إدامة حكمه على حساب حرّية الإعلام قد يصطدم هذه المرّة بجبهة حيّة، ستعمل على إسقاط كلّ المشاريع السياسية "الملغومة"، كما أسقطت قبلها مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح وأجبرت المشيشي وغيره على التراجع عنه.

ضرب لاستمراريّة الدولة

ولكي نفهم أكثر خطورة ما أقدم عليه رئيس الحكومة، يتعيّن علينا أن نعود إلى شهر ماي الماضي، حين أقدم ائتلاف الكرامة (18 نائبًا في البرلمان)، على تقديم مبادرة تتعلّق بتنقيح المرسوم 116 لسنة 2011. وتتكوّن المبادرة من ثلاثة فصول تتعلق بتركيبة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري الحالية وتجديدها وحذف صلاحية إسناد الإجازات التي تمنحها الهيئة لإحداث القنوات التلفزية، بالإضافة إلى إقرار مبدأ مجرد التصريح بالوجود للوسيلة الإعلامية. ولقد نوقشت المبادرة صلب لجنة الحقوق والحريّات، والمصادقة يوم 8 جويلية 2020 على تمريره للتصويت في الجلسة العامة بأغلبية أعضاء اللجنة، فيما صوّت نواب الحزب الدستوري الحر ضد التعديل واحتفظ نوّاب الكتلة الديمقراطية بأصواتهم.
في غضون ذلك، عبّرت ثلاث كتل برلمانية وهي كتل حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة (صاحب المبادرة)، عن نيّتها التصويت لتمرير هذا التّعديل (تمثل هذه الكتل مجتمعة 102 نائب)، ما يثبتُ سوء نيّة رئيس الحكومة الذي تعمّد سحب مشروع الحكومة السابقة، في ضربٍ واضح لمبدأ استمراريّة الدولة، متجاوزًا الهياكل المهنيّة والمنظمات الوطنيّة وغيرها من الحساسيات الوطنيّة وفي وقتٍ حسّاس للغاية، خدمةً لأجندة لم تعد خافية على أحد.

بدعة خطيرة

وحتّى لا نبقى في العموميّات، يتعينُ علينا أن نشير إلى أنّ مبادرة ائتلاف الكرامة، تعدُّ بدعة "لم تأت بها أكبر الديمقراطيات في العالم"، على حدّ تعبير محمّد عبوّ، الوزير السابق للوظيفة العمومية ومكافحة الفساد والأمين العام السابق لحزب التيار الديمقراطي. 
فما أقدم عليه ائتلاف الكرامة يعدّ تشريعًا للفساد وتبييض الأموال والإرهاب معًا، ذلك أنّ مبدأ إلغاء الإجازة لإنشاء تلفزات وإذاعات (الفكرة تعود في الأصل إلى نبيل القروي)، يفتح الباب أمام كلّ من هبّ ودبّ لإنشاء حوانيت إعلاميّة تستغّل لتوجيه الحياة السياسية والتأثير في المزاج العامّ وخدمة أطراف أجنبيّة وإقليميّة وتبييض الأموال وبثّ خطابات الكراهية والاقتتال بين أفراد الشعب الواحد (وهو ما نعاينه يوميّا تحن قبّو مجلس نواب الشعب)، دون مراقبة مسبقة أو تعديل أو تنظيم، بمعنى أنّ شرط إلغاء الإجازة يعد ممرًّا آمنًا لكلّ المشاريع السياسية والماليّة الخطيرة، في ظلّ غياب شروط الرّقابة المسبقة وخصوصًا في ظلّ إلغاء الدور التعديلي للهيئة المستقّلة للإعلام السمعي والبصري. 
وخطورة قانونٍ كهذا، لا يمكن حصرها فقط فيما تقدّم، وإنّما في توفير ملاذات آمنة لبارونات الفاسد واللوبيات ومراكز النفوذ، يتحكمون من خلالها في تسيير الشأن السياسي والتأثير في المزاج العام وتشكيل المشهد على صورة مصالحهم الضيّقة، علاوة على أنّ هذه الملاذات تشكّل حاضنة للقوى الإقليمية والدوليّة، ما يضعُ مبدأ السيادة الوطنيّة على المحكّ. 
ومن بين الدفوعات الهزليّة التي يتحجّج بها أصحاب المبادرة وحلفاؤهم، مبدأ التعدّدية الإعلامية والرفع من تشغيلية القطاع، ذلك أنّهم يرون أن حذف الترخيص المسبق، سيفتح أبواب التشغيل وسيفسح المجال لمزيد من التّعددية في المشهد الإعلامي بتونس، وهو ما يكشف حجم الكذبة التي تبدّى عجزهم في الدفاع عنها. فالتعدّدية لا تلغي الرقابة والتعديل، بل تطلبهما، كما هو الحال في عدد من الديمقراطيات العريقة، كفرنسا وبريطانيا وحتّى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ذلك أن قطاع الإعلام نفسه يعدُّ من القطاعات "الخطرة" على الديمقراطيّة، إن لم يقع إخضاعه للتعديل والمراقبة. علاوة على ذلك، لا أحد في تونس يصدّق قدرة قطاع الإعلام على النهوض بالتشغيل، وأغلب مؤسسات الإعلام في البلاد، تكادُ تشارف على الإفلاس. 
أضف إلى ذلك، تعد المبادرة نفسها متعارضة مع روح الدستور والتزامات الدولة التونسية في مجال حماية حرية التعبير والإعلام، من خلال تأسيس هيئة عمومية مستقلة لا يمكن أن تقوم بأدوارها الأساسية، كمؤسسة تعديلية، إلا من خلال ممارسة صلاحية إسناد الإجازات للإذاعات والتلفزات ووضع القواعد المنطبقة على مجال الاتصال السمعي والبصري والسهر على احترامها.

جبهة موحّدة ضدّ مشروع التعديل 

وإذ كانت هذه المبادرة التي تعدّ إحدى بنات أفكار نبيل القروي، رئيس قلب تونس، ومالك قنة نسمة، تولّى ائتلاف الكرامة تقديمها لإبعاد الشكوك عن صاحبها الأصليّ، قلنا إذا كانت هذه المبادرة قد حشدت ضدّها أغلب الكتل النيابيّة، فإن خطوة رئيس الحكومة، سرّعت من إنشاء جبهة موّحدة، ضمّت الهياكل النقابية (كنقابة الصحافيين ونقابة الثقافة والإعلام) والأحزاب السياسية المنظمات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الأهليّة ومثقفي البلاد وكلّ القوى الحيّة التي تدرك أنّ تمرير التعديل يعني منح صكّ على بياضٍ لمعاول الفساد والتخريب والشعبويّة لهدم مسار ديمقراطيّ نحتته تونس في الصخر بدماء شهدائها. 
ولعلّ في حالة الاستنفار التي تشهدها الكتل البرلمانية على خلفيّة مشروع التعديل أبلغ دليلٍ على خطورة ما أقدم عليه حزام الرّئيس هشام المشيشي.  فالتيار الديمقراطي أكد أنّ الحزب سيتصدّى للتعديل المتعلّق بالمرسوم 116 في البرلمان وسيطعن فيه لدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، في صورة تمريره، فيما عبّرت كتل أخرى عن رفضها القطعي لتعديل المرسوم 116، كما اقترحته كتلة إئتلاف الكرامة، على غرار كتلة الحزب الدستوري الحر (15 نائبا) وكتلة الإصلاح (16 نائبا). من جهته أكد النائب في البرلمان عن أمل وعمل ياسين العياري، أنه سيصوت ضد مشروع قانون تنقيح المرسوم 116 المقترح من كتلة إئتلاف الكرامة، بينما دعت كتلة تحيا تونس إلى ضرورة تأجيل البتّ في عرض المشروع، "لما تشوبه من إخلالات إجرائية تتعارض مع الدّستور"، موضحة أن هذه الإخلالات تتمثل في وجود مقترح تنقيح سابق من طرف الحكومة، يتمتع بأولوية النظر، حسب الفصل 62 من الدستور، بالإضافة إلى أن الفصل 127 من الدستور ينص على وجوبية استشارة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا). 
وفي بيانات سابقة لها، اعتبرت منظمات المجتمع المدني، الرافضة لهذا التعديل، على غرار نقابة الصحفيين ومنظمة المادة 19 ومراسلون بلا حدود ومركز تونس لحرية الصحافة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة "أنا يقظ"، أن المبادرة المقترحة لا تحترم هذه المعايير، إذ أن اعتماد مجرد التصريح سيخل بصلاحيات هيئة الاتصال السمعي والبصري في إسناد الإجازات، وبالتالي بالتزام الدولة التونسية في تكريس الحق في الإعلام المنصوص عليه في الفصل 32 من الدستور، والذي يقتضي أن تعمل الدولة على ضمان الحق في الإعلام لكل الأفراد وضمان تمثيل أصواتهم في إعلام بلدهم.
وبيّنت أن الهيئات ذات العلاقة بالمسار الديمقراطي (الهيئات الدستورية)، تنتخب بأغلبية معززة (145 نائبا)، حتى لا يتمكن أي طرف سياسي من الهيمنة عليها، ولذلك فإن الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الحالية) وإن لم تكن دستورية، من الناحية الشكلية، فإنها تعتبر كذلك من الناحية الوظيفية، بما أنها تقوم بالوظائف نفسها التي أسندها الفصل 127 من الدستور، للهيئة الدستورية المرتقبة (هيئة الاتصال السمعي البصري). وبالتالي فإن احترام مقصد المجلس الوطني التأسيسي، يحتم انتخاب أعضاء الهيئة وفقا لأغلبية معززة.
وأوضحت مكونات المجتمع المدني أن هذه المبادرة "تأتي لترقيع المرسوم 116 لسنة 2011، كنص وقتي، بنص وقتي آخر ينقحه، ما يجعلها مبادرة ترمي إلى إدامة المؤقت وتمطيطه عوض تركيز الهيئة الدستورية، بالمصادقة على قانون أساسي شامل ومنظم لهذا القطاع، وفقا لمقتضيات الدستور".

بينوكيو يردّ الجميل...

وفي الحقيقة، ونحنُ نناقش موقف رئيس الحكومة من مشروع التعديل، واستهجان القوى الحيّة في البلاد لمبادرة الترويكا الجديدة (النهضة، قلب تونس وائتلاف الكرامة)، تحضرنا قصّة بينوكيو، الصبيّ المصنوع من الخشب الذي تنكّر لصانعه العجوز جيبيتو وقام بسلسلة من الأعمال السيّئة قبل أن يكافأ في النهاية على حسن سلوكه، بأن حوّلته الجنيّة إلى صبيّ بشريّ. غير أنّ نهاية القصّة الحقيقية لبينوكيو، كما كتبها الروائي الإيطالي “كارلو كولودي” سنة 1880 تختلف كليّا على نهايات أفلام الكرتون التي شاهدناها في طفولتنا، ذلك أنّ القصة تخبرنا أنّ بينوكيو واصل سلسلة أعماله السيئة كالسرقة، والكذب، والهروب من المدرسة، وبسبب ذلك تعرض الصبي الخشبي للسجن، والضرب، والتجويع قبل أن يُشنق في نهاية الجزء السابع عشر من القصة المسلسلة على جذع شجرة..
نهايةٌ حزينة بلا شكّ، لا نتمناها للسيد هشام المشيشي الذي يسعى إلى إدامة حكمه في القصبة ضاربًا عرض الحائط بكلّ ما أقسم عليه أمام رئيس الجمهوريّة.

 

 

 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
هشام المشيشي ائتلام الكرامة تعديل المرسوم 116 قلب تونس نبيل القروي الصحافة الإعلام
Share