تقديرموقف

  • سؤال معلّق على شفاه التونسيين: من يحكم تونس اليوم؟ lomPLacD سبت, 12/19/2020 - 09:35 سؤال معلّق على شفاه التونسيين: من يحكم تونس اليوم؟


    ثمّة اتفاقٌ شبه معلنٌ بين الفاعلين السياسيين وحتّى بين المتابعين العاديين لمشهد الفورات العاطفيّة داخل المنظومة السياسية المنقسمة على نفسها، على أنّ النظام السياسي، في شكله الحالي، باتَ يشكّلُ عقبة حقيقية لا فقط أمام كلّ مشاريع الإصلاح وإنّما كذلك، أمام الحكم بما يعنيه ذلك من تحمّل لمسؤولية إدارة الشأن العامّ، دون تداخل بين السلط، ووضع النفسِ أمام المحاسبة والمساءلة، وفق آليات الديمقراطية. لقد أثبت النظامُ الحالي، وهو نظام شبه برلماني شبه رئاسي، حدودهُ وأظهر كلّ عيوبه وأعطابه، بل وتحوّل إلى عامل من عوامل الفرملة الحقيقية، وهو ما جعل من سؤال "من يحكم تونس اليوم"، سؤالاً يستمدُّ شرعيته ومشروعيته، من الشلل الواضح على مستوى إدارة الدولة وتصريف أزمات البلاد.
    وعلى ذكر أزمات البلاد تحديدًا، في شقيها الاقتصادي والاجتماعي،  ثمّة انسجامٌ معلنٌ بين الرئاسات الثلاث حول توصيفها ، واعتبارها الأخطر على الإطلاق، بيد أنّ هذا الإنسجام لا يغادرُ قطّ منطقة "الشكل" أو بالأحرى منطقةَ التصريحات الإعلاميّة، لا بسبب فتور العلاقة بين المقاطعات الثلاث التي تتحكمّ في مصير 12 مليون تونسي، وسياسة الضرب تحت الحزام التي ينتهجها هذا الطرفُ أو ذاك، فحسب ولكن كذلك بسبب طبيعة النظام السياسي الذي لا يمنحُ سلطات مطلقة لأيّ من الرؤساء الثلاثة، مفضّلا تطبيق مبدأ "توازن الرّعب" على "نجاعة العمل السياسي"، ما جعل كلّ طرف يتخوّف من هذه المرحلة الحليقة على الصفر، حدّ تقاذف الكرة على مرأى ومسمع من الشعب التونسي.
    والحق أنّ لا أحد من الرؤساء الثلاث أثبت إلى حدّ الآن أنّهُ قادرٌ على المبادرة والتقدّم إلى إدارة دفّة السفينة التي تتقاذفها الأمواجُ الهائجة، بل العكسُ هو ما يحصلُ، إذ بات واضحًا إحجامُ كلّ طرفٍ عن التورّطِ في ما يحدثُ بالبلد، تخوّفا من تغيّر مفاجئ في المعادلة السياسية.

    أشباح قيس سعيّد

     ولنبدأ برئيس لجمهوريّة قيس سعيّد الذي تميّز بغيابهِ عن الأزمة السياسية الأخيرة التي تعرفها البلاد، وتفاقم بعديها الاقتصادي والاجتماعي، إذ خيّر عدم التدخّل تمامًا رغم الدعوات الموجّهة إليه سواءً بتفعيل الفصل 80 من الدستور، أو مناقشة خطة اتحاد الشغل، أي الدعوة إلى حوار وطني شامل يشخّص أزمات البلاد ويناقشُ إحداثياتها بهدوء ورويّة. وباستثناء ما سربته لنا مصادرنا في قصر قرطاج، حول تردّد الرّئيس بخصوص مبادرة الاتحاد، ورغبته في ألا يشمل الحوار كلاّ من قلب تونس وائتلاف الكرامة، أو عدم استجابته لدعوات مناصريه لتحويل يوم 17 ديسمبر إلى يوم مطالبة بحلّ البرلمان (تقول مصادرنا إنّه لم يذهب إلى سيدي بوزيد بسبب ورود معلومات مؤكدة حول وجود تهديدات جدّية خُشي معها على أمن الرّئيس) فإنّ الرئيس نأى بنفسه تماما عن المشكلة، بل ولم يتدخّل والتصّدع داخل البرلمان، يأخذُ في الاتساع على حساب القضايا المركزية للبلد. والحقّ أنّ تقييم موقف الرّئيس يبدو مستعصيا، بالنظر إلى مسؤوليّاته الدستورية كضامن لوحدة التونسيين، وكقائد أعلى للقوات المسلحة، أي المسؤول رقم واحد على أمن البلاد، ولهذا لا نجد أيّ تفسير مقنعٍ بخصوص صمته عمّا يحدثُ داخل القصبة أو في باردو.
    الأغربُ من ذلك، أنّ الرئيس لم ينفكّ في تصريحاته الإعلامية في الداخل والخارج، عن الإشارة إلى وجود مؤامرات تحاكُ ضد البلاد، ومحاولات انقلابية، ومتآمرين يتربصون شرّا بتونس، دون أن يسميهم أو يعينهم باصبعه الرئاسيّ، ما حوّل الأمر إلى حفل أشباح نسمعُ عنهُ ولا نراه. ثمّ ما الذي حقّقهُ الرئيس منذ وصوله إلى قصر قرطاج؟ صحيح أنّه ثمّة نجاح ديبلوماسيّ لافت، لكنّ داخليّا، لم ينهضُ الرئيس بدوره التشريعي إلى حدّ الآن، فلا هو قدّم مبادرات ولا هو أثبت أنّ لهُ الكلمة الفصل، باعتباره الوحيد المنتخب على نحو مباشر من الشعب التونسي، فضلاً عن نأيه بنفسه عن السجالات القانونية الدائرة، وهو رجل القانون، وما خلّفته من انقسامات بين التونسيين وصلت حدّ التشويه والتخوين، رغمُ أنّه، نظريا وعمليا، الضامن الوحيد لوحدة التونسيين.

    تغريبة راشد الغنوشي

    من جهتهِ لم يتوقّع رئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، أن يضعهُ كرسيّ الرئاسة الذي لهث خلفهُ، أمام أشد كوابيسهِ ضراوةً، ففقد كلّ قيمته الاعتبارية، كرجل ظلّ يتحكم في اللعبة السياسة من وراء الستار، وكمحكم في توازنات المشهد السياسي، خصوصا بعد رحيل الباجي قائد السبسي، وتحوّلَ إلى هدف محبّذٍ لسهام النقد، سواء من خصومهِ الأيديولوجيين، أو حلفائه المقرّبين أو حتّى من أبناء حركتهِ، على خلفية تأجيل مؤتمر الحركة. لقد كان خروج راشد الغنوشي من "السريّة" إلى العمل السياسي العلني، ومن موقع هو الأخطر، باعتبار أن البرلمان هو مصدر السلطة الأساسي، أفقد الأسطورة بريقها وسحرها وأظهرهُ في مظهر العاجز أمام خصومه، يتلقى انتقاداتهم وشتائمهم دون قدرة على الردّ. والواقع، أن الغنوشي وجد نفسهُ مسحوبا منذ البداية إلى لعبةِ اللوائح داخل المجلس، بسبب إصراره على التخندق سياسيا وفكريا وراء أطراف إقليمية، ما أنساهُ تماما حسابات الداخل. إذ اصطدم برئيس الجمهورية في أكثر من موقعة، وبالأحزاب المشكلة للائتلاف الحاكم، ناهيك عن خصمه اللدود داخل المعارضة، أي الحزب الدستوري الحرّ. أضف إلى ذلك، يبدو "شيخ مونبليزير" منشغلاً أكثر بترتيبات حزبهِ الداخلية، وتوفير الظروف الملائمة لكي يخلف نفسهُ بنفسه على رأس الحزب، وهو ما أبعدهُ نسبيا عن المساهمة بفاعليّة في إدارة الشأن العامّ تشريعيّا على الأقل، وتكفي إطلالة بسيطة على عدد مشاريع القوانين التي تقدمت بها حركة النهضة، وطبيعتها، حتّى نقفَ عن على فراغ "جعبة" الحزب الأغلبيّ ورئيسهِ، علاوةً على تخوّفه من تحمّل مسؤوليّة إدارة المرحلة برمّتها وهو ما يفسّرُ اختباءه المزمن وراء فكرة حماية الحزام السياسي الحالي المحيط برئيس الحكومة هشام المشيشي، وتوزيع الحرائق على الجانبين، أي توكيل حليفيه، قلب تونس وائتلاف الكرامة، بمهمة وحيدة وهي الدفاع عن حياضه وامتصاص صدمات المعارضة.

    سذاجة هشام المشيشي

    ثالث الثلاثة، المحظوظ والساذج في الآن نفسه، هو هشام المشيشي الذي تسبب انفلاتُ لسانه في انتشار التنسيقيات العشوائية وتعطيل مواقع الإنتاج، علاوةً على "سقطته" الأخيرة في وسيلة إعلام دولية هي فرانس 24 حين شبه أبناء بلده من المهاجرين غير النظاميين بالإرهابيين، وبدلاً من التفاوض بندية مع الجانب الفرنسي، ألقى بورقة تفاوضية مهمة هي ملف الهجرة في أول مقلب قمامة اعترضه خارج المطار. ورغم أنّه لبس جبة الشرطي الحارس للحدود الجنوبية للمتوسط، إلا أن أداءه أزعج الفرنسيين أنفسهم، كما تؤكد مصادرنا، ذلك أنّهم لم يجدوا أمامهم رئيس حكومة دولة ذات سيادة، متمكن من ملفاته، بل إداريا ساذجًا فاجأته السلطة على طبق.  لقد كان على المشيشي أن يحفظ ماء وجهِه ويستقيل، بعد سقوط مشروعي قانون المالية التعديلي للعام 2020 وقانون المالية للعام 2021، بيد أنّه خيّر أن يهرول إلى الأمام، معوّلاً على تفهم حزامه السياسي وتخوّف النواب دون استثناء من سيناريو إدارة الشأن المالي للبلاد وفق مراسيم تصدر كل ثلاثة أشهر. ودون العودة إلى ما ذكرناه بخصوصهِ في مقالاتنا السابقة، سنكتفي بالإشارةِ إلى أنّ المشيشي أظهر منذ البداية عجزه  عن إدارة الشأن العامّ، رغم استماتة أحزاب النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة في الدفاع عنه، وهي استماتة مرتبطة أساسا بتخوّفها  من عودة المبادرة إلى الرئيس والمعارضة، لمعرفتها بأنّ سقوط الحكومة الحالية، تعني آليا دخول البلاد إلى مرّبع ضيق يحسب بالسنتيمترات المربّعة. ومن ثمّ يعدّ دفاع هذا الحزام السياسي عن المشيشي بعيدًا عن المواقف المبدئية مبدئيّا بقدر ما هو استباقٌ لمرحلة مجهولة، لا أحد يملك الشجاعة لخوض غمارها حتّى النهاية. 
    ممّا تقدّم، تبدو الصورة أكثر من مؤلمة لنا كتونسيين، مع رئاسات مفتّتة، وحسابات سياسية ضيّقة نسفت أيّ أمل في الإصلاح، وأخطاء قاتلة كشفت الوجه القبيح للفساد المؤسساتي، وغياب إرادة حقيقية في معالجة أعطاب البلد، طالما أنّ هدف القيادات الثلاث، هو إنهاء العهدة، دون خسائر جسيمة، حتى وإن كانت تونس وشعبها هما الخاسر الأكبر في كلّ ذلك.
     

     

  • Subscribe to تقديرموقف