تقديرموقف

    إلى ماذا تشيرُ بوصلة الرّئيس؟ ratEREsc خميس, 07/22/2021 - 10:00 إلى ماذا تشيرُ بوصلة الرّئيس؟

     

    مرّة أخرى يختارُ رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، أسوأ الظروف الممكنة، لتمرير رسائله السياسية، فبعد إقالة وزير الصحّة فوزي مهدي، المحسوب عليه، على إثر تفجّر فضيحة "يوم التلقيح المفتوح"، سارع رئيس الجمهورية إلى استقبال المعنيّ بالأمر في قصر قرطاج- حتّى إنّ هنالك حديث يدور حول إمكانية إلحاقه بمستشاريّة القصر للإشراف على ملفّ الصحّة- في رسالة واضحة إلى رئيس الحكومة هشام المشيشي وحزامه السياسي. 
    كما لم يكتفِ رئيس الجمهورية بذلك، بل ما وقع من تدافع وفوضى أمام مراكز التلقيح بالجريمة متهما من اسماهم بالأشخاص النافذين في المنظومة السياسية بالوقوف وراء "هذه العملية المدبرة"، غارفا كالعادة من خزان نظريات المؤامرة.
    وفيما تكادُ الأزمة السياسية التي تعصفُ بالبلاد تغلقُ قوس عامها الأوّل، بلا آفاق واقعيّة في انفراجٍ قريبٍ، يواصلُ رأس المنظومة نفسهُ "شطحاته" اللغوية بلا رغبةٍ حقيقية في تنقية الأجواء السياسية و الانكباب على معالجة ملفات البلاد الثقيلة وعلى رأسها الملفّ الصحيّ. وإذ يبدو لنا من المنطقيّ أن نشير إلى مسؤوليّة رئيس الحكومة، هشام المشيشي، في ما أصاب مؤسسات البلاد من شلل ألقى بظلاله على علاقات البلاد بشركائها والصناديق الدولية وكبار المانحين، فضلاً عن تسبّبهُ في رفع منسوب الاحتقان الاجتماعي الداخليّ، فسيكون من غير المنطقيّ ألا نشير إلى مسؤوليّة رئيس الجمهوريّة نفسه، لا سيّما وهو يبدي تصلّبا وتعنّتا غير مسبوقين، وكأنّه غير معنيّ بما يحدثُ في البلاد. 
    والحقّ أنّ مواقف الرئيس باتت تبعثُ على الحيرة كثيرًا، فلا هو صارح الشعب بما يريدهُ أو كاشفه بما يحدثُ في البلاد، ولا هو ساهم من موقعه في حلحلة أعنف أزمة سياسية تعرفها البلاد منذ استقلالها إلى الآن.
    صحيح أنّ هنالك شبه اتفاق على أنّ أحد أكبر عيوب مؤسسة رئاسة الجمهوريّة يكمنُ في جهازها الاتصالي، وصحيحٌ كذلك أنّ التونسيين اعتادوا على نمط سلوك الرّئيس الغامض، سلوك يقول كلّ شيء ولا يقول شيئا في الواقع، لكن سيكون من الأصحّ أيضا أن نقول إنّ رئيس الجمهوريّة يتحمّلُ بدوره جزءًا من المسؤولية في وضع الأزمة الحالية، إن لم يكن محرّكها الأوّل، بسبب كمّ الهفوات التي رافقت اختياراته السياسية، وتحديدًا عند تعيين كلاّ من إلياس الفخفاخ وهشام المشيشي، وصولاً إلى لحظة انفجار الأزمة الصحية الأخيرة وما رافقها من أخطاء كارثية.

    غريبٌ عن أرض غريبة

    لقد أجمع التونسيون على أنّ قيس سعيّد ينتمي إلى فئة القادة العادلين، فما عرف عن الرّجل من احترامٍ يكاد يكونُ طقوسيا لدستور البلاد وقوانينها، ونظافة يده وسريرته، يعدُّ بالنهاية عامل اطمئنان إلى وجود قيادة رشيدةٍ تضع مصلحة البلاد وشعبها نصب عينيها. بيد أنّ هذا الاطمئنان نفسه سرعان ما ساورتهُ الشكوك، لا بسبب انحراف الرّجل عن عاداته، أو بسبب تغيير مفاجئ في طبيعته، وإنّما بسبب غموض أجندتهِ ومواقفه، حدّ أن التساؤل حول ما يريدهُ الرّئيسُ فعلاً بات أمرًا مشروعًا. لقد قيل إنّ الرّئيس جاء ببرنامجٍ من نقاطٍ "واضحة"، أو هكذا يخيّل إلينا (وسنأتي على تفسير ذلك في ما بعد)، لعلّ أهمها تكريسُ الحكم المحليّ، أي إعادة السلطة إلى الشعب صاحبها الأصليّ، ما يتطلبّ تغيير النظام السياسي وشقيقه الانتخابي وفتح ورشة دستورية عملاقة تتنادى إليها كلّ الأطراف السياسية لمناقشة طبيعة النظام الذي يصلحُ بالتونسيين. وبالفعل، كان الأمرُ سيكون فرصة حقيقية للجميع لدراسةِ أحد الأعطاب الكبرى التي تعانيها المنظومة السياسية في تونس، وهي هذا النظام الهجين، الموزّع بين سلطاتٍ ثلاث، تتنازعُ الصلاحيات دون أن تمارس الحكم فعليّا. لكن ما حدث أن رئيس الدولة لم يبادر إلى طرح الموضوع إلى الآن، ولم يفعّل صلاحياته الدستوريّة، كالدعوة إلى الاستفتاء مثلاً على تغيير النظام السياسي، بل ولم يتحرّك قيد أنملة لشرح وجهة نظره السياسية والقانونية، بل كان علينا أن نتسقّط ما يقولهُ مستشاروه والمقرّبون منه، ونحاول جمع القطع إلى بعضها، كما يفعل لاعبو لعبة "البازل". 
    عدا ذلك، انخرط الرّئيس في صراعاتٍ ثانوية، أغلبها مفتعل، غالبا مع الأحزاب، ومرارًا مع رئيسيْ الحكومة، المقال والذي يسعى إلى إقالته، وأحيانًا مع أطراف يتهمها بالعمالة والخيانة والاستقواء بالأجنبي، دون أن يتحرّك، باعتباره رئيسا للجمهورية ولمجلس الأمن القومي والقائد الأعلى للقوات المسلّحة، للضرب على أيدي "هؤلاء" أو محاكمتهم أو حتّى تسميتهم بالإسم، ما ضرب مصداقيّة الرّئيس في مقتلٍ، وأظهرهُ في ثوب "المشاكس" الضعيف، العاجز عن إقامة الحجّة على من يتهمهم بمحاولة تفجير الأوضاع من الداخل.
    وانخراط رئيس الجمهورية في سياق ردود الفعل المتشنّجة على تحرّكات الأحزاب في المشهد الخلفيّ للأزمتين السياسية والاقتصادية، رغم مسؤوليته المباشرة في اختيار كلّ من إلياس الفخفاخ وهشام المشيشي، بل ومسؤوليته المباشرة في اختيار فريق هذا الأخير الحكومي، وكأن الرّجل وزيرًا أوّل لا رئيس حكومة، ما حدا به إلى الارتماء في شرك "حزام سياسي " تتناقض أجنداته مع خطط رئيس الجمهورية، أضعف دوره داخليا وخارجيا على حدّ سواء، وبعبارة أخرى، مضى عامان تقريبا، ولم نر إلى حدّ الآن أي دورٍ فاعلٍ لرئيس الجمهوريّة، عدا اشتباكه المتواصل مع الأحزاب السياسية ورئيس الحكومة، بلا رغبة حقيقية في تغيير المعادلة.

    بلا بوصلة !

    وما ذكرناه للتوّ لا يعني أنّ رئيس الجمهوريّة استكان إلى خموله، إذ أننا لا نعدم وجود محاولات يتيمة منه في عددٍ من الملفات الكبرى التي تهمّ البلاد، كملف الأموال المنهوبة في الخارج، أو مكافحة الفساد أو في تحركاته الأخيرة لجلب التطعيمات من الخارج، بيد أنّ هذه المحاولات تظلّ محاولات عقيمة، وخارج منطق تجانس كلّ مؤسسات "الجهاز التنفيذي"، ما أضعف من فاعليتها.
    وللأمانة، لسنا ههنا بصدد تشكيك في عزم رئيس الجمهورية، أو في وجاهة خياراته ومواقفه من عدمها، أو حتّى في نبل أخلاقه، إذ لا يختلف عاقلان على أنّ قيس سعيّد يعدُّ علامة "أخلاقيّة" فارقة في تاريخ تونس السياسي، بيد أنّ ما نعيبه على رئيس الجمهورية هو أنّه يمارسُ العمل السياسي بطوباويّة شاهقة تصلُ حدّ التزّمت الطقوسي، وهو ما لا يستقيمُ مع جوهر العمل السياسي، القائم على الحوار والتفاوض والتنازل والمساومات أيضا. كما نعيبُ عليه عدم تحديده لهويّة الصراع السياسي. فهل نحن بصدد صراعٍ على أجندات حقيقية أم أن الأمر لا يعدو كونه تصفية حسابٍ عالقٍ مع مدرسة "الأحزاب" التي لا يخفي الرّئيس عداءهُ لها؟ 
    وفي تقديرنا، ما يعوق الرّئيس عن القيام بواجبه في وضع الأزمات هذا، هو افتقادهُ إلى حاسّة "التنسيب"، وهي حاسّة ضروريّة لحلحلة الأوضاع العالقة. ومع ذلك، نرى أن فرصة تصويب الأمور وتعديل المواقف بما يساعد البلاد على الخروج من نفقها المظلم، ما تزال قائمة، وما على الرّئيس سوى أن يضع كامل عدّته الحربية الآن ويلتفت إلى العقل وحده، عقل يقول إنّه أيضا جزء من الازمة بل ويتحمّل تبعاتها، وما عليه سوى أن يعدّل أوتارهُ، فإما أن يفصح عن مواقفه دفعةً واحدة، ويفعّل ما تحت يديهِ من صلاحيات دستورية، أو ينزل من برجه العاجّي ويجلس إلى الجميع، كأبٍ وقائد لكلّ التونسيين، لا يميز بينهم، بحثا عن مخارج واقعية وبراغماتية للأزمة الحالية.
     

    قانون الإنعاش الاقتصادي: حكومة المشيشي تكسرُ بيضةَ الخوف! ratEREsc خميس, 07/15/2021 - 10:21 قانون الإنعاش الاقتصادي: حكومة المشيشي تكسرُ بيضةَ الخوف!

     

    نجحت حكومة هشام المشيشي، يوم الاثنين الماضي، في انتزاع مصادقة مجلس نواب الشعب على خطتها الاقتصادية الجديدة الموسومة بـقانون الإنعاش الاقتصادي، بموافقة 110 نواب مع احتفاظ خمسة بأصواتهم واعتراض سبعة آخرين.
     ولئن أثار القانون نفسهُ اعتراض جزء من نواب المعارضة والمنظمات المستقلة المختصة في الحوكمة ومقاومة الفساد، إلا أنّ الساحتين المالية والاقتصادية رحّبتا بقانونٍ رأتا فيه بيانا حكوميا يعكسُ رغبةً في تجاوز الركود الاقتصادي، ودفع حركة الاستثمار وخلق مواطن الشغل وإدماج القطاع الموازي، وإنهاء "مظلمة" مخالفات الصرف، وتمكين التونسيين للمرّة الأولى من مسك حسابات بالعملة الصعبة.
    وقبل تفصيل بعض ما ورد في فصول القانون، لا بدّمن الإشارة إلى أنّ حكومة المشيشي وجدت نفسها في منطقة بين منطقتين، فإمّا أن تكسر البيضة وتقوم بتثوير بعض التشريعات الاقتصادية وتحمّل تكلفة ذلك، كبروز طبقة جديدة من المتمعّشين والمستفيدين، أو مواصلة العمل بالقوانين القديمة، وتأبيد حالة العطالة المتفشّية في مفاصل الدولة، لا سيّما مع تواصل الانكماش الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، فضلاً عن ارتفاع نسبة وفيات المؤسسات جراء الازمة الصحيّة وتراجع كلّ محركات الاقتصاد التونسي (الاستثمار، التصدير، الادخار،...) 

    كسر البيضة

    وأمام حتميّة الاختيار، فضلت حكومة المشيشي كسر بيضة الخوف وتثوير منظوماتها التي يتفق الخبراءُ على أنّها باتت عبئا اقتصاديا وتشريعيا ذا كلفةٍ باهظة، لا يستجيب لمنطق التحولات الاقتصادية العالمية الكبرى. ولقد تضمّن قانون الإنعاش الاقتصادي جملة من الإجراءات الثورية فعلاً كتخفيف الضغط الجبائي على الشركات والمستثمرين والمطورين العقاريين، وإدماج الأنشطة والعملة المتأتية من الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية، ومقاومة التهرب الضريبي ودعم الشفافية، فضلاً عن إجراءات لترشيد تداول الأموال نقداً.
    كما يوفّرُ هذا القانون للمواطنين الانتفاع من قروض بنكية للتملك بنسبة فائدة سنوية تقدر بثلاثة في المئة، تسدّد على مدة أقصاها 40 عاماً، مع عدم اشتراط توفير تمويل ذاتي بالنسبة إلى المسكن الأول، وهو ما يعتبر مطلباً أساسياً للباعثين العقاريين وسيمكن التونسيين من امتلاك مسكن بشروط مقبولة.
    ومن الإجراءات المهمّة التي تضمنّها القانون، السماح لكل مواطن تونسي، بمسك أو فتح حساب بالعملة الأجنبية أو بالدينار القابل للتحويل بتونس، وهو ما يعد أحد أبرز المطالب التي رفعها عدد من التونسيين والمستثمرين لتسهيل العمليات التجارية او الشراءات من الخارج.
    كما مكن الشركات من إعادة تقييم العقارات المبنية وغير المبنية التي تتضمنها موازناتها حسب قيمتها الحقيقية، وطرح الأرباح أو المداخيل المعاد استثمارها في رأس مال المؤسسات المصدرة كلياً، إضافة إلى تسوية المخالفات والجنح الديوانية للمؤسسات عبر الاقتصار على دفع عشرة في المئة من مبلغ الضرائب المتوجبة.
    علاوة على ذلك، وضع القانون خط تمويل بثلاثة مليارات دينار على ذمة المؤسسات بشروط ميسرة وبضمان الدولة مما من شأنه أن يساهم في تجاوز المصاعب المالية والاقتصادية الراهنة وفي دفع النمو وتنشيط الاقتصاد، وإذ تهدفُ هذه الإجراءات إلى دعم المؤسسات التونسية، خاصة منها المصدّرة، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، فإنّها لم تغفل أيضا الاقتصاد الموازي، من خلال توفير حزمة إجراءات مهمّة كإحداث مساهمة تحررية قد تصل نسبتها إلى 20 في المئة توظف على المبالغ المتأتية من مداخيل وأرباح غير مصرح بها، أو مسك عملات في شكل أوراق نقدية أجنبية بتونس ومكاسب من العملات بالخارج من دون التصريح، شريطة إيداع المبالغ المذكورة بحساب بنكي أو بريدي.

    تحوير جبائي...

    ورغم أنّ الأنظار كانت تتطلّع إلى عملي تثوير حقيقية لقطاعة الجباية، إلا أن القانون الجديد اكتفى بإجراءات بسيطة كإسناد معرفات جبائية رأساً للأشخاص المخلين بواجب التصريح في الوجود، والتخفيض من ستة إلى أربعة أشهر في المدة القصوى المحددة لإجراء المراجعة الضريبية المعمقة، أو الرفع من ثلاثة إلى ستة في المئة في معلوم إسداء خدمة التسجيل المستوجب على العقود والتصاريح المتعلقة بنقل ملكية عقارات (الهبات والتركات)، واحتساب هذا المعلوم على أساس القيمة المحينة للعقارات المحالة.
    كما اقترح القانون إجراءات جديدة لفائدة الجالية التونسية في الخارج، من أبرزها تمكينها من الانتفاع بالتسجيل بالمعلوم القار عوضاً عن المعلوم النسبي عند الاقتناء بالعملة الأجنبية للعقارات المعدة لممارسة نشاط اقتصادي واقتناء الأراضي. كما يقر القانون احتساب معاليم الجولان على السيارات المسجلة خارج البلاد، التي تم توريدها من قبل التونسيين بالخارج بشرط تجاوز مدة ثلاثة أشهر.

    المهم والأهمّ

    وههنا تجدرُ الإشارة إلى أن القانون كانت قد أعدته حكومة السيد إلياس الفخفاخ، قبل سقوطها، لتعيد حكومة المشيشي صياغتهُ وإدخال فصول جديدة عليه، لعلّ أبرزها هو وضع خطّ تمويل على ذمة المؤسسات التونسية.
    ولقد رحّبت الساحتين المالية والاقتصادية بالقانون الجديد إذ رأت فيه مشروعا تثويريا يحمل أبعادا اقتصادية ومالية واجتماعية ومجتمعية تهدفُ إلى" إنقاذ الاقتصاد الوطني في ظل الصعوبات التي تواجهها البلاد"، حسب بيان منظمة الأعراف التي اعتبرت القانون " خطوة هامة على طريق تطوير التشريعات الاقتصادية والمالية وملائمتها مع تشريعات البلدان المتطورة، ومع الظروف التي تعيشها تونس خاصة جراء تداعيات أزمة فيروس كورونا، ويمثل أرضية مناسبة لتحسين المناخ العام للاستثمار والأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وجاذبية الوجهة التونسية، وسيساعد على المحافظة على ديمومة المؤسسات وعلى مواطن الشغل وخلق فرص عمل جديدة خاصة للشباب في كل الجهات والقطاعات".
    كما سجلت المنظمة ارتياحها " بالخصوص لأهمية وضع خط تمويل بثلاثة مليارات دينار على ذمة المؤسسات بشروط ميسرة وبضمان الدولة مما من شأنه أن يساهم في تجاوز المصاعب المالية والاقتصادية الراهنة وفي دفع النمو وتنشيط الاقتصاد، وكذلك إقرار خط تمويل بشروط ميسرة وبدون تمويل ذاتي في مجال السكن مما يحسن المقدرة الشرائية في هذا المجال الحيوي ويفتح أبواب الأمل أمام التونسيين وخاصة الشباب في امتلاك مسكن". 
    هذا الموقف تردد صداهُ أيضا داخل الأوساط البنكية والمصرفيّة، ومع ذلك لم ينجُ القانون من الانتقادات رغم مصادقة المجلس عليه، إذ رأى بعض النواب في بعض فصوله (فيصل دربال، عضو لجنة المالية) خطوة إلى الوراء وتطبيعا مع منظومة غسيل الأموال، فيما اتهمت منظمة أنا يقظ الحكومة بتكريس المصالحة الجبائية مع المتهربين ضريبياً وإعطاء مشروعية لبارونات التهريب.
    ومهما يكن من أمر، فإنّ القانون نفسهُ يعتبرُ "ثوريّا" و "مهمّا" في ظرفٍ جدّ حسّاس تمرّ به البلاد، خاصة أنّ المالية العمومية ما تزالُ تعاني مشكلات كبرى مع عجز مالي بلغ 11.4 بالمئة وانكماش اقتصادي 8.8 بالمئة في 2020، علما أن الانكماش بلغ في الربع الأول من العام الحالي نسبة ثلاثة بالمائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. صحيحٌ أنّ الشياطين ستسعى إلى امتلاك إقامات فخمة داخل فصول هذا القانون الجديد، وصحيح أيضا أنّ بارونات الفساد ولورداته ستسعى إلى تحويل وجهة بعض الفصول لخدمة أجنداته، ولكن سيكون من الأصحّ أيضا أن نقول إنّ أيّ إنجازٍ سيسحبُ وراءهُ بعض الشوائب ومع على أجهزة الدولة الرقابية سوى أن تقتنص اللحظة وتقوم بواجبها على أفضل وجه.
     

    قيس سعيّد.. بين الإنكار المتبادل، المنكر المشترك والنكير القادم HeLEINCa اثنين, 07/12/2021 - 22:59 قيس سعيّد على العرش

     

    لم تفهم الطبقة السياسيّة بكاملها بعد، أو هي لم تستوعب أصلاً، وصول قيس سعيّد إلى قصر الرئاسة بقرطاج، بل أوسع من ذلك، لم تعِ بعد مرور الثنائي قيس سعيّد ونبيل القروي إلى الدور الثاني، وكلاهما من خارج سياقات الطبقة السياسيّة التقليديّة، بمعنى التي شاركت في نحت الواقع السياسي، على الأقلّ منذ 14 جانفي 2011، أنّ نتيجة الدور الأوّل لا تعدو أن تكون سوى كشف لعورة كل منهم على الملأ..

    الصدمة

    رغم التباين الواضح والتعارض الصريح إن لم نقل التناقض بين من استطاعا المرور إلى الدور الثاني، مثّل كلاهما الفرصة الأخيرة بالنسبة لخصوم الأخر، ومن ثمّة نسبة غير قليلة ممّن صوّت في الدور الثاني، لم يفعل ذلك من باب القناعة والإيمان وخصوصًا الثقة في أيّ من المرشّحين، بل كانت مجرّد (في أغلب الحالات) رغبة في سدّ الطريق أمام المرشّح المقابل.
    يدين قيس سعيّد بنسبة 73 في المائة التي نال بها رئاسة الجمهوريّة إلى صورة الناسك التي صنعها لنفسه، سواء عبر ظهوره عديد المرّات على شاشات التلفزيون، ورسّخها منذ اليوم الأوّل لترشحه، التي جعلته يبدو نقيض الطبقة السياسيّة بكاملها.
    حسب الجميع أو هي الأغلبيّة أن جبهة الصراع التي رسمها الدور الثاني، ستستمرّ وتترسّخ بعد ظهور نتائج الانتخابات، ومن ثمّة أنّ قيس سعيّد سيستند في حكمه إلى العمق الشعبي ومن ورائه الأحزاب التي ساندته للفوز بالنتيجة التي حصل عليها. لكن سرعان ما تبيّن أنّ الرجل لم يكن على وعي بأنّ الأصوات التي حصل عليها لم تشكّل ذلك الصكّ على بياض المفتوح (على الأقلّ) لفترة رئاسيّة بكاملها، بل مجرّد عقد تبادل منافع لا غير، ينتفي بانتفاء الأسباب التي دعت لوجوده. غياب هذا الوعي بطبيعة هذا العقد لدى قيس سعيّد، رسّخ يقينًا لديه بأنّه يجلس على رأس الهرم الأعلى وصاحب الشرعيّة الأعظم، دون التفكير مجرّد لحظة في أيّ من درجات الأخرى لهذا الهيكل الذي نسجه في دماغه، ليقينه بعدم الحاجة إلى أيّ من البنى الجاهزة التي قامت خاصّة بعد 14 جانفي 2011. أيضًا رفض الرئيس هذه البنى جهرًا وعلانيّة، بل طعن في شرعيتها، معربًا عن رغبته في تحطيمها وتعويضها بأخرى يتمّ تشييدها من الأسفل نحو الأعلى..

    الحاكم بأمره

    لم يشعر قيس سعيّد أو لم يعبّر مرّة عن اقتناعه بما هي القسمة التي أقرّها دستور 2014 بين السلطات الثلاث، والتي على أساسها يجلس (هو) على سدّة الحكم، بل أراد الاستناد (فقط) إلى المصعد الذي وصل به إلى أعلى منصب في البلاد، وفي الآن ذاتها التخلّص (وإن كان اعتباريّا) من الشرعيّة (الدستوريّة) التي وصل بها. لذلك عمل ولا يزال وقد رفع من سرعة الفعل، على تفكيك الشرعيّة الدستوريّة، أو على الأقلّ تفكيك الشرعيّة التي يجلس عليها خصومه، مستعيضًا عنها بشرعيّة مركّبة، بين (ما يراه) من أحقيّة الجلوس على عرش قرطاج، معطوفا عليها قدرته أو بالأحرى انفراده بالقدرة على الإصداع بالحقّ..
    لم يغادر عقل قيس سعيّد فترة ما قبل الانتخابات، حين لا يزال يستعيض عن الفعل [بمعنى الممارسة واتّخاذ القرارات الفعليّة والفاعلة] بالخطابات التي تبحث عن الإقناع بذاتها (أيّ قدرة الخطابة وما يراها تملك من طاقة على بثّ الحماسة). أيضًا، لا تزال جميع خطاباته تستعيض عن ذكر الفاعلين [الذين يعاديهم] بالإطناب في تعداد أفعالهم التي يراها مشينة، دون أن يغفل أبدًا عن التذكير بحتميّة تحقيق النصر، وإلحاق الهزيمة النكراء بهؤلاء المذنبين.

    غياب الفعل

    لا يملك قيس أي وعي (بالمفهوم الحسّي للكلمة) بأنّ الاستمرار أو هو الغرق في الخطابات الرنّانة عوض اتخاذ القرارات الملموسة، معطوفًا على ذلك إصراره على التحليق في سماء الأخلاق، دون أدنى جرأة على الإشارة إلى أعدائه، فعل جيّد وعظيم التأثير، في حال تمّ اللجوء إلى هذا التكتيك دون اكثار وفي فترات جدّ متباعدة. على عكس ما يفعله راهنًا، حيث بدأ يؤدّي هذا الإدمان المزدوج إلى نتيجة نقيض المطلوب منه، ليس فقط لدى خصومه ومن يرفضون وجوده، بل (وهنا الخطورة) لدى أقرب الدوائر المحيطة به، بدليل عدد الاستقالات المرتفع جدّا، ضمن الفريق الرئاسي. دون إغفال العجز المتزايد لدى قواعده على تبرير هذا الإدمان على الخطب الرنّانة.
    نزول قيس سعيّد من عرش رئيس جميع التونسيين إلى مستنقع العراك الذي لا ينقطع، جعله (الإنسان والمؤسّسة والرمز) ينقلب إلى مجرّد طرف ضمن حرب استنزاف استنفذت من رصيده الاعتباري الكثير، وكذلك قلّصت من العمق الشعبي المساند له، أو في عدد من لا ينظرون إليه (على الأقل) في صورة سيّئة...
    في خضم هذه الصراعات المتداخلة مع أطراف عديدة متقلّبة هي الأخرى، يجد قيس سعيّد ذاته محرومًا من سلاح «المناورة» على الأقلّ بالدرجة التي يمتلكها خصومه، بل يمكن الجزم أنّ الرجل قد تخلّى عن أسلحة عديدة طواعيّة وعن طيب خاطر، حين جعل المراوحة السياسيّة في نظره، والتي يسير وفقها، لا تملك بأيّ صفة كانت، وقد أكّد الرجل ذلك، أيّ تراوح بين الحدّين الأقصى : بياض ناصع جدّا مقابل أسود شديد القتامة.

    بين الظاهر والباطن

    من ذلك لا يمتلك قيس سعيّد أي قدرة على فهم أو تقبّل أيّ درجة بين الحديّن الأقصى، وبالتالي لا معنى لأيّ حوار معه، لأنّه لا يرى «المعركة/الصراع» بأيّ صفة كانت خارج بياض [أي النصر وإخضاع الطرف المعادي]، مقابل سواد [أيّ الاستشهاد، والارتقاء من موقع الرئاسة إلى مرتبة الرمز التاريخي].
    لا معنى لأيّ فعل سياسي لدى الرجل خارج ما يدور في دماغه، ومن ثمّة هو لا يشاهد الوضع القائم ولا يتولّى تحليل الأحداث، بقدر ما هو يقوم بإسقاط الصور الذهنيّة التي صنعها دماغه لتحتلّ مكان الواقع أو هي تصير الواقع (الجديد)، لذلك نرى أنّ قبوله الحوار يأتي دائمًا مشروطا بإقصاء أطراف منه، حين يرفض عقله (الباطن) أيّ حوار، ويتولّى عقله (الظاهر) افراغه من محتواه قبل الانطلاق..
    رغم ذلك، يبقى قيس سعيّد لاعبا هامّا ضمن المشهد السياسي التونسي، متكلا قبل أي شيء أخر على عجز حلف الخصوم القائم ضدّه عن الوصول إلى الحدّ الأقصى في محاربته، لأنّ هذا الطيف، وإن كان يكنّ كرها مقيتًا للرجل، أساسًا لأنّه يرفض قواعد اللعبة المنصوص عليه عبر فصول دستور 2014، والتي على أساسها تدور المباراة السياسيّة بين خصوم يعادون بعضهم البعض، إلاّ أنّه لا يتخيّل ولن يقبل وسيعمل على افشال الشريك (الحالي) في هذه الحرب حين يحين الاختيار، بالانتخابات أو غيرها، لأنّ جميع يعتبر قيس سعيّد أقلّ خطرًا (على المستوى الاستراتيجي) من حليف اليوم الذي سيتحوّل (كما كان في السابق) عدوّ الغد..

    إنكار مزدوج

    هذا العداء النائم لا يتنافى مع العداء المقيت المشترك لهذا الرجل الذي أعلن وأكد على وجوب التخلّص من دستور 2014 الذي يمثّل القانون الذي يشترك هذا الطيف في القبول به، ومن ثمّة لا يتخيّل الجميع أنفسهم خارج هذا اللعبة أو دون قواعد تبرّر الوجود (أمام الداخل كما الخارج) وتشرّع القرارات التي يتّخذونها.
    أيضًا، يمثل مجرّد وصول قيس سعيّد وجلوسه على سدّة الرئاسة، وصمة عار في وجه هذه الطبقة برمّتها، حين عجزت هذه الكيانات، رغم ما تدّعي من عمق تاريخي ومسيرة سياسيّة وتراكم نضالي، لا يملك قيس سعيّ أيّا منها البتّة، عن منعه من الوصول إلى رأس الدولة.
    من ثمّة يأتي التخلّص من هذا «الدخيل» فرصة لمداواة الذات لدى طبقة سياسيّة برمتّها، تريد وتعمل ولن تستريح قبل غلق ملفّ هذه الفضيحة التّي عرّت «فقرًا» (مدقعًا لدى البعض) روجوا له منذ ستينات القرن الماضي في صورة الإرث التاريخي.
    هو إنكار مزدوج ومتداخل:
    قيس سعيّد يريد إنكار هذه الطبقة السياسيّة بكاملها والاستعاضة عنها بما يرى أنّها ديمقراطيّة البناء من الأسفل.
    طبقة سياسيّة تريد إنكار قيس سعيّد (الرجل، الرمز) على اعتباره كبوة حصان استردّ بعدها الفارس السيطرة كاملة.
     

     

  • من أجل عيون "التمديد".. اتحاد الشغل يتجاوز سقف "العجرفة" ! HeLEINCa خميس, 07/08/2021 - 21:08 نور الدين الطبوبي

     

    لم تمنع الكارثة الصحيّة التي تضرب البلاد قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل، أو على الأقل الشقّ المناصر لتعديل الفصل العشرين (الفصل العاشر قبل مؤتمر 2017)، من عقد مؤتمرهم الاستثنائي، وهو مؤتمر غير انتخابيّ، ضاربين عرض الحائط بكلّ التدابير الصحيّة والنواميس التوعويّة بل بقوانين الدولةِ نفسها، وكأنّ قيادة الاتحاد بدت ترى في المنظمة جسمًا سماويّا خارقًا لا تسري عليه القوانين الأرضيّة.
    والحقيقة أنّ لا أحد كان يتوقّعُ أن تبلغ "العجرفةُ" بقيادة المنظمة الشغيلة إلى ارتكابِ مثلبتين خطيرتين في تقديرنا: الأولى تتمثّلُ في كسر الجهد الوطني لمحاصرة الوباء الذي بات يقتربُ جدّيا من كسر حاجز عشر آلاف إصابة يوميّا، ومن ثمّة إجهاض أيّ جهدٍ "توعوي" لتحسيس المواطن بخطورة الكارثة على المدى القصير، أمّا الثانية، فتتمثّل في ضرب سنّة "التداول" على قيادة المنظّمة من خلال سعي الشقّ المناصر لنور الدين الطبوبي لتكريس مبدأ "التمديد"، وهو مبدأ سارعت بعض قيادات المنظمة إلى التشنيع على راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، عندما حاول فرضهُ بشتّى الطرقِ على قيادات حزبهِ، أي أنّ ما يندّدُ بهُ جماعةُ الاتحاد في العلن، بات وسيلتهم الوحيدة للحفاظ على منافع المجموعة المقرّبة من الأمين العام، ولو سألت أيّ نقابيّ عن مسوّغٍ منطقيّ واحدٍ يدفعُ في اتجاه تنقيح الفصل العشرين، ومن ثمة التمديد للطبوبي، لما خرجت الإجابات عن منطق "تعويم السّمكة" حسب التعبير الفرنسيّ.

    قصّة قديمة

    وقصّة النقابيين مع تعديل الفصل العشرين (الفصل العاشر سابقا قبل مؤتمر 2017)، تبدو قديمة قدم معارك النقابيين في ما بينهم. غير أنّ ما استجدّ هذه المرّة أن الخلاف حول التعديل خلم تعد تسعهُ الجلسات الخاصة والهيئات الإدارية، بعد أن وجد طريقهُ لا إلى وسائل الإعلام فحسب وإنما أيضا إلى بطحاء محمد علي التي شهدت أكثر من تجمّع احتجاجي رافض لعقد المؤتمر الاستثنائي وتعديل الفصل الشهير.
    وللتاريخ، كان النقابيون قد طرحوا مسألة "التسقيف" في مؤتمر جربة 2002 وتم الإقرار بدورتين كحد أقصى لأعضاء المكتب التنفيذي، بعد التخلّص من الأمين العام الأسبق إسماعيل السحباني وإرثه "الديكتاتوري". ولقد حرّك توجّه "التسقيف" في ذلك الوقت إصرار النقابيين على "تصحيح المسار النقابي"، ومن ثمّة فرضوا مبدأ تحديد العهدة بدورتين غير قابلتين للتجديد.
    لكن ما حدث هو أنّ مؤتمر جربة، شهدَ أيضا بداية الخلاف حول تعديل الفصل العاشر، رغم مسايرة عبد السلام جراد وعلي رمضان للموجة التصحيحية التي تلت فترة إسماعيل السحباني، على مضضٍ. 
    ولقد حاولت المركزية النقابية في مؤتمر المنستير سنة 2006، تعديل الفصل العاشر للسماح لأعضاء المكتب التنفيذي بالترشح لأكثر من ولايتين، وكان المؤتمر ساخنا جدا وتحت حصار بوليسي حيث حاولت السلطة منع عدد من النقابيين من دخول قاعة المؤتمر. واحتد النقاش آنذاك بين المؤتمرين بين رافض لتعديل الفصل العاشر بحجة الحفاظ على التداول والديمقراطية، فيما دافع نقابيون موالون لعبد السلام جراد وعلي رمضان على مشروع تعديل الفصل بحجة أنه جاء في ظروف استثنائية وسيضرّ بالمنظمة لأن عدم تعديله يعني خسارة المنظمة لأغلب قياداتها وخبراتها دفعة واحدة. وأمام الانقسام الحاد بين النقابيين ومع خطورة انفجار المؤتمر، تمّ تأجيل الحسم في الموضوع وترحيل الأزمة إلى المؤتمر الموالي. لتعاود المشكلة الظهورَ في أوت 2010 قبل أن تجهض الثورة طموحات عبد السلام الجراد وأنصاره في تعديل الفصل العاشر.
    بعد الثورة، ظهرت مجموعة جديدة مشكلة من قيادات وازنة كحسين العباسي وسامي الطاهري وبوعلي المباركي وحفيظ حفيظ من أبرز وجوهها، التي وضعت نصب عينيها مهمة إعادة المنظمة الشغيلة إلى مدارها الطبيعي، وبالفعل خفتت الأصوات المطالبة بتعديل الفصل العاشر إلى حدود مؤتمر العام 2017، ففي تلك السنة أُدخلت تعديلات على القانون الأساسي للاتحاد العام التونسي للشغل دون المساس بالفصل العاشر الذي تحول إلى الفصل عشرين بعد إضافة فصول جديدة عليه، وغادر حسين العباسي المنظمة، لكن الخلاف حول الفصل عشرين عاود الظهور بقوة، ما دعا المركزية النقابية إلى عقد مؤتمر استثنائي لتنقيح القانون الأساسي.

    إلى "الانفراد بالرأي" در !

    والحقّ أنّ الرغبة في "التمديد" وكسر تقليد التداول على المنظمة التي تعدُّ قلعةً من قلاع الديمقراطية في البلاد يهدّدُ بانتكاسةٍ حقيقية، لا سيّما أن لا شيء يبرّرُ التمديد للطبوبي وأعضاء المكتب التنفيذي، وكأنّ المنظمة نفسها جفّ رحمها فأصبحت غير قادرة على تصعيد قياداتٍ قادرة على التعامل مع متطلبات الرّاهن بالكفاءة والفاعليّة نفسه.
    وبعيدًا عن التصريحات "المشهدية" التي دأبت عليها قيادات الاتحاد، فإنّه بات من الواضح أنّ اختراق حركة النهضة لقواعد الاتحاد، وتخوفّ القيادة المسنّة من القيادات الشابّة المنضوية تحت لواء تنسيقية "القوى النقابية الديمقراطية"، كلّها عوامل فضحت سعي القيادة الحالية المحموم إلى التمديد، وتكريس منطق "الانفراد بالرأي"، مؤجّلةً على ما يبدو ما هو حتميّ في حالات كهذهِ، وهو تهديد وحدة الجسم النقابي الذي تعرّض لهزات قوية بعد الثورة، أنتجت ما يعرفُ بالتعددية النقابية. 
    غير أنّ ما يلفتُ الانتباه حقّا هو تجاوز القيادة الحاليّة لسقف العجرفة فعلاً خدمةً لأجنداتها. فإن كان من حقّ النقابيين تصريف مشاكلهم واختلافاتهم عبر آلية الصندوق، فإنّه ليس من حقهم البتّة أن يديروا ظهرهم للكارثة الصحيّة التي تجتاحُ البلاد، ويضربوا المثل في تحدّي الدولة وأجهزتها الصحيّة والقضائية، وكأنّ المنظمة باتت دولةً داخل الدولة.
    والحقّ أنّ كلّ الأسئلة تذوبُ على الشفاه أمام حالة "التمرّد" هذه، ذلك أن لا شيء يبّررُ كسر البروتوكولات الصحيّة سوى خدمة المصالح الخاصّة، وهذا ما لا نشكُّ فيه، في الوقت الذي تحتاجُ فيه البلاد إلى التزام كلّ قواها الحيّة وانضباطها في إطار الحرب المعلنة على فيروس كورونا. 
    لقد كان بوسع النقابيين أن يؤجلوا مؤتمرهم ويضربوا مثلاً للمتردّدين في ضرورة الانضباط إلى قوانين معركةٍ ضدّ غدوّ غاشمٍ لا يرحم، لكنهم آثروا المصالح الذاتية على حساب المصلحة الوطنية وهو ما ضرب مصداقية المنظمة العتيدة في مقتلٍ.
    لقد كانت منظمة حشّاد سلاح التونسيين السرّي ضدّ كلّ المشاريع المتربّصة بالبلاد وها هي الآن تتحوّل إلى سلاحٍ علنيّ في يد فيروس كوفيد، وكأنّ هذا الشعب الذي صرخ حشّاد ذات يوم معلنًا حبّهُ لهُ في حاجةٍ إلى طعنة غادرة كهذه توجّه إليه من أقرب حليفٍ إليه، إن لم يكن حليفه الوحيد.
     

    هل وافق قيس سعيّد على تحويل تونس إلى مصبّ قمامة لأوروبا! ratEREsc خميس, 06/17/2021 - 08:17 هل وافق قيس سعيّد على تحويل تونس إلى مصبّ قمامة لأوروبّا!

     

    من المؤكد أنّ ملفّ الهجرة النظامية يعدُّ أبرز الملفّات التي تدارسها الرّئيسُ التونسي قيس سعيّد مع المسؤولين الإيطاليين، خلال زيارة الدولة التي يؤديها إلى الجار الشماليّ، ومن المؤكد أيضا أنّه لا يمكنُ فصل الزيارة نفسها عن سياق  زيارات المسؤولين الإيطاليّين الأخيرة إلى تونس لبحث ملفّ الهجرة غير النظاميّة أو "الحرقة" حسب التعبير الدّارج.
     ومما لا شكّ فيه  وبات أنّ الموقف التونسيّ بدأ يلين رغم إصرار رئيس الجمهوريّة على دعوة الطرف الإيطالي إلى اعتماد مقاربة شاملة تعوّض الاستراتيجيّة الأمنية المنتهجة حاليّا من طرف تونس وإيطاليا على حدّ سواء. صحيح أنّ مؤسسة رئاسة الجمهوريّة مازالت تطالبُ الجيران الشماليين بتعزيز جهودهم التنموية في تونس من خلال التشجيع على الاستثمار وخلق مواطن شغل خاصة في المناطق الداخلية، بيد أنّ الواقع يكشفُ عن تغير في سياسات تونس من قضيّة الهجرة غير النظامية، ولا سيّما قضيّة ترحيل المهاجرين. فمنذ العام 1995 كانت تونس ترفضُ قبول المرّحلين من الجانب الإيطالي، غير أنّ كلّ ذلك تغيّر منذ شهر جويلية من العام الفارط، إذ باتت تونس تستقبلُ المرّحلين بمعدّل مرّتين في الأسبوع.

    أرقام مخيفة

    وفي الواقع، تشهدُ تونس مؤخّرا موجة "حرقة" غير مسبوقة إلى السواحل الإيطالية، تشبهُ ما حدث بعد أحداث 14 جانفي 2011.  فخلال الأشهر الأخيرة تم إحباط 303 عملية اجتياز للحدود البحرية خلسةً، وفق أرقام المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما شهد شهر ماي الفارط إحباط 95 عملیة اجتياز ومنع 2487 مجتازا من الوصول للسواحل الایطالیة. بالمقابل شهدت الأشهر الأولى من سنة 2021 تسجيل 2817 مهاجرا مقابل 685 مهاجرا سنة 2020.  والظاهرة لم تعد تقتصرُ على الكبار والشباب فقط، فالتقاريرُ تشير إلى ارتفاع عدد القصّر في أوساط المهاجرين. كما لم يمنع انتشار جائحة كوفيد-19 الحالمين بالوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط من ركوب قوارب الموت وتحقيق أحلامهم في الرّفاه.
    وفي الحقيقة، تشكّلُ الهجرة غير النظامية التي تلجأ إليها فئات عديدة، من التونسيين أو من المهاجرين المقيمين في تونس رفضا معلنا للوضع الاقتصادي المتردّي في البلاد وحركة احتجاجيّة تفاقمت بسبب اليأسُ من تغيّر الأوضاع المعيشية. ومن ثمّة تحوّلت قوارب الموت إلى حالة رفض لخيارات حكومية وسياسية فشلت في تلبية الحاجيات الأساسية للمواطن، ولم تراع وضعيّات الفئات الهشّة التي تعدّ الأكثر تضررا من تعليق النشاط الاقتصادي. وما انتشار ظاهرة "الهجرات العائلية" إلا تأكيد آخر على فشل الخيارات الاقتصادية المتبعة في تونس سواء قبل أزمة كورونا أو بعدها، وبالمثل يمكنُ تفسيرُ هجرة القاصرين، بمباركة من ذويهم، رغم أن رحلات كهذه غالبا ما تنتهي بمآسي. 
    ولنكن صريحين على الأقل مع أنفسنا، فخلال العشر سنوات الأخيرة، فقد الشبابُ الأمل في حياة كريمة، خصوصا بعد تبخّر أحلامهم في الحصول على وظيفة تضمنُ الحدّ الأدنى، مع ما يرافق ذلك من فشل في الزواج وتأسيس عائلة أو في الحصول على مكانة معتبرة داخل المجتمع، في الوقت الذي يتنازع فيه السياسيون كعكة السلطة، مديرين ظهورهم لمطلبيات الشعب التونسي، وخصوصا فئة الشباب، أي الفئة الأكثر هشاشة في المجتمع.

    مصبّات قمامة

    بالمقابل يصطدمُ المهاجرون بموجة رفض أوروبّية واسعة، موجة تحوّلت بمرور السنوات، إلى استراتيجية أمنيّة "قمعيّة"، يمكنُ اختزالها في تصريح وزير الداخليّة الإيطالي، غداة لقائه برئيس الجمهورية قيس سعيّد، حين أشار إلى أنّه لا مجال لبقاء من يصل إلى إيطاليا بطريقة غير نظامية. وللتذكير، كان الاتحاد الأوروبيّ قد أعلن في العام 2018 عن اعتزامه إحداث مراكز لجوء خارج أوروبا، وتحديدا بتونس ودول أخرى مثل الجزائر والمغرب، قبل أن يتخلى على الفكرة تماما بعد الضغط الذي مارسته قوى المجتمع المدني في هذه الدول.
    ولقد سبق الإعلان عن هذه الفكرة، قيام مسؤولين أوروبيين، وتحديدا الإيطاليين، بالترويج لخطابات عنصريّة تجاه المهاجرين التونسيين والأفارقة، من ذلك تصريح نائب رئيس الوزراء الإيطالي ووزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني، حين وصف المهاجرين القادمين من تونس بالمجرمين، قبل أن يتراجع عن تصريحاته في ما بعد. وكان من الواضح أن أوروبا تسعى إلى تحويل دول الضفة الجنوبية، وتحديدا تونس، إلى مصبّات قمامة ترّحلُ إليها من تشاء مقابل "الأعطيات" و"الهبات" الماليّة التي لا تغني أو تسمن من جوع.

    هل تغيّرت المقاربة؟

    وبعد تخليّ الاتحاد الأوروبي عن هذه الفكرة، قرّر منذ العام 2018 اعتماد سياسة بديلة لمعالجة أزمة الهجرة غير النظامية والتدفق المتواصل للاجئين على أراضي دول الاتحاد الأوروبي، تعتمد على جملة من المحاور من بينها:
    أولا، تسريع ترحيل المهاجرين غير القانونيين والذين رُفضت طلبات لجوئهم، من خلال التشجيع على إبرام اتفاقيات ثنائية حول الهجرة أو على الأقل تجديد الاتفاقيات القائمة، وهذا الأمر حصل ويحصل مع تونس التي أبرمت اتفاقيات ثنائية مع ألمانيا وبلجيكا، وجددت الاتفاقيات القائمة مع كل من إيطاليا مؤخرا
    ثانيا، فتح مزيد من الطرق القانونية للمهاجرين من أصحاب الكفاءات والطلبة ورجال الأعمال من خلال تسهيل منح تأشيرات الدخول لدول الاتحاد الأوروبي.
    ثالثا، تعزيز السيطرة على الحدود الخارجية لمنطقة الأورو مع توفير التمويلات لتركيا ودول شمال أفريقيا لجهودها في إغاثة اللاجئين.
    رابعا، اتخاذ إجراءات داخلية في دول الاتحاد الأوروبي تحول دون تنقل المهاجرين بين دول المنطقة.
    خامسا، زيادة الاستثمارات في أفريقيا لمساعدة القارة على تحقيق «التحول الاجتماعي الاقتصادي»، ما من شأنه الحد من إقبال الأفارقة على الفرار إلى أوروبا.
    سادسا، إحداث وكالة أوروبية لمراقبة الحدود، وهي مؤسسة ذات صبغة أمنية مكونة من 1500 أمنى مهمتها التدخل في الحدود البحرية الأوروبية لمنع تسلل اللاجئين، ويتجه دعمها وتسليحها حتى يصل قوتها إلى 10 آلاف رجل، وتعزيز صلاحياتها التي يمكن أن تصل حد التدخل ليس فقط في المياه الإقليمية الدولية لكن أيضا في المياه المحلية للدول التي تنطلق منها قوارب الهجرة غير النظامية.
    ولن يكون من العسيرُ إثبات أنّ المقاربة الأوروبية غيّرت جلدها كالثعابين محافظةً على عمقها الأمنّ وتدعيمه عسكريّا مقابل رمي الفتات لدول الضفة الجنوبية، وأغلبها مناطق عبور لموجات بشرية قادمة من إفريقيا جنوب الصحراء أيضا، وضاربةً بحقّ الأفراد في التنقّل كما تنصّ على ذلك الأعراف والمواثيق الدوليّة.

    سياسة العصا والجزرة

    ولئن شدّد رئيس الجمهوريّة، قيس سعيّد، خلال لقائه بالوفد الإيطالي-الأوروبي على "ضرورة اعتماد مقاربة شاملة وتوافقية في مجال الهجرة، ترتكز بالأساس على محاربة الفقر والبطالة، عبر دعم جهود التنمية في البلدان الأصلية، والتشجيع على الهجرة النظامية"، مضيفا في الآن نفسه "الحلول الأمنية وحدها ليست كفيلة للقضاء على الهجرة غير النظامية"، فإنّ الواقع يقولُ إنّ ما تقترحهُ أوروبا على تونس ينطوي على مخاطر كبرى، ناهيك عن اعتمادها منطقا استعلائيّا واضحًا، في التعامل مع بلدنا، وهذا ما يجب أن يتفطّن له المسؤولون في تونس.
    فتونس لم تجن من اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سوى الرّياح، بدءا بانهيار صناعاتنا الوطنيّة، وتحويل ما بقي منها إلى "طرف ثالث" يزود الصناعات الأوروبية بالمواد نصف-المصنعة، وفتح الأسواق أمام البضائع الأوروبية مقابل تشديد الخناق على صادراتنا الفلاحيّة تحت ضغط نقابات الفلاحين في إيطاليا وفرنسيا واليونان وإسبانيا، بالإضافة إلى الطمع الأوروبي الواضح في توسيع الشراكة لتشمل قطاعي "الفلاحة" و"الخدمات"، ما يهدّدُ ضمنيا الأمن القومي التونسيّ، وتحديدًا الأمن الغذائي. بالمقابل، ترفض أوروبا فتح أبوابها أمام المهاجرين، مفضلة "الهجرة الانتقائيّة"، ما ساهم في تفريغ تونس من ادمغتها، وتصرُّ على التعامل مع الأزمة الاقتصادية التونسية بمنطق الهبات والقروض الميسّرة، واضعة القيود أمام مؤسساتها للانتصاب في تونس، أو تحويل جزء من ديونها إلى استثمارات مباشرة، تمثّل بلا شكّ دفقة اوكسجين واضحة للاقتصاد التونسي.
    وأوروبّا التي باتت تعاني بدورها من مخلّفات جائحة كورونا، لن تغيّر موقفها من اجل عيون قيس سعيّد وهشام المشيشي، بل هي ماضية في تنفيذ خططها البديلة، وهي خطط لا تقل خطورة عن خطط إحداث مراكز لجوء بتونس، بل إنها قد تكون أكثر خطورة وتأثيرا، معتمدةً سياسة العصا والجزرة، أي أنها تلقي لنا بالهبات والقروض، مقابل تحويل تونس إلى "شرطي" يحرسُ حدودها البحريّة. 
    ومن ثمّة على المسؤولين التونسيين ان يعوا جيّدًا مخاطر ما يفعلهُ الاتحاد الأوروبيّ بنا، فعمّا قريب، قد تستباحُ حدودنا البحريّة عسكريا تحت يافطة "مكافحة الهجرة غير النظامية"، وقد تفرض علينا خطط "تنموية" تصبُّ في صالح الاقتصاد الاوروبيّ المعطّل بدوره، وقد نجبر أخيرًا على التحوّل إلى مصبّ قمامة متوسّطي إذا ما واصلت تونس القبول بسياسة الترحيل المنتهجة من طرف إيطاليا. 
    صحيح أننا مع مقاربة شاملة لمكافحة الهجرة غير النظامية، لكننا أيضا مع منطق آخر يقول إنّ على تونس أن تنقذ نفسها من "العقدة الأوروبية"، أي عقدة الشريك الاستراتيجي الذي يتعامل معنا كحديقة خلفيّة مهملة أو مصبّ قمامة، ونشرع في التفكير، وبجدية بالغة، في تنويع شراكتنا والذهاب أكثر في اتجاه قوى اقتصادية صاعدة ومهمة، بل وأكثر إنسانية، على غرار الصين وروسيا والهند. وفي تقديرنا، استراتيجية كهذه هي الكفيلة بإعادة الرشد إلى الاتحاد الأوروبي وتذكيره بمبدأ بسيط تقومُ عليه أيّ شراكة حقيقية وهو النديّة في التعامل، ومن ثمّة تحقيق التكافؤ في الفرص والمخاطر على حدّ سواء.
     

    Subscribe to تقديرموقف