تقديرموقف

    "الخميس الأسود" و"ثروة الغنوشي": انتعاش بورصة التلاعب بعقول التونسيين! ratEREsc اثنين, 03/29/2021 - 09:54 "الخميس الأسود" و"ثروة الغنوشي": انتعاش بورصة التلاعب بعقول التونسيين!


    انتعشت بورصة الشائعات السّخيفة خلال الأسبوع المنصرم، مع تجاوز الأزمة السياسية في البلاد شهرها الثاني، بلا أملٍ في الانفراج. فمن فقرة ملتبسة وردت في كتاب محمد الناصر، "جمهوريتان ووطن واحد"، تمّ تأويلها كمحاولة انقلابية قادتها حركة النهضة ويوسف الشاهد للإطاحة بالرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، إلى ثروة راشد الغنوشي الفلكية التي تمّ تحديدها وفقًا لوثيقة مزعومة سلمتها المخابرات القطرية لمخابرات عبد الفتاح السيسي وانتهاءً بشائعة وفاة راشد الغنوشي في المستشفى العسكري، سقطت النّخبُ السياسية والإعلامية وصولاً إلى المواطنين العاديين في جبّ "خطير" وهو استخدام "الكذب" لتصفية الخصوم، دون أن يلقوا بالاً إلى حقيقةٍ لا تقلُّ خطورة عمّا وقع تداولهُ وهي مساهمتهم المتعمّدة في التلاعب بعقول المواطنين. 
    وهذهِ الشائعات التي تحلّقت حولها مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض المنصات الإعلامّية، بل وعدد من "الإعلاميين" المعروفين، على نطاقٍ واسع، كما يتحلّقُ الذبابُ على جيفة دابّة ملقاة على قارعة الطريق، ألهمت العقول المريضة فرضيات ذات أبعاد كابوسيّة، وتحاليل مغرقة في مناخات القتل المعنويّ، وخطابات "أباكوليبتكية" تلوّحُ بنهاية الدولة، دفعةً واحدةً وإلى الأبد، وانتقالُ الشعب التونسي إلى منطق سياسي جديد عمادهُ شريعةُ الغاب. ورغم أنّ تفنيد هذا النوع من الشائعات تحديدًا لا يحتاجُ سوى إلى شيء من العقل والكثير من سلامة الذوق والطويّة، إلا أنّ النخب استأسدت وراءها، حتّى بات إقناعها بأنّها تمارسُ فعلاً موحشا في حقّ نفسها وبلدها، أشبه بانتزاع ناب فيلٍ بالغٍ في موسم تزاوجه.  

    صناعة الكذب

    والحقّ أنّ هذهِ الشّائعات لن تكون الأولى ولا الأخيرة، ذلك أنّ الأخبار المزّيفة عادةً ما تنتعشُ في أوقات الأزمات، وتملأ الفراغُ الذي يخلّفهُ نقص المعلومات، ومن ثمّة تخلقُ واقعًا "بديلاً" في عقول النّاس، غالبًا ما يتوافقُ مع قناعاتهم وإسقاطاتهم الشخصيّة، وهو ما يتسّببُ في النّهايةِ في توسيع رقعةِ الاحتقان الاجتماعي وقطع آخر خيوط الثقة بين المواطن ودولته.
    فحادثة "الانقلاب المزعوم" على الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، تعيدُ إلى الأذهان مأزق شحّ المعلومات حول ملابسات وضعه الصحيّ في تلك الفترة وقدرته على إدارة مقاليد الأمور فضلاً عن طبيعة الصراع بينهُ وبين رئيس حكومتهِ يوسف الشاهد، فكلُّ ما نعرفهُ عن ذلك قليلٌ جدّا، مقارنة بالحدث المركزيّ وهو وقوع عمليتين ارهابيتين يوم الخميس 27 جوان 2019، تزامنتَا مع نقل رئيس الجمهورية إلى المستشفى العسكري. ففي كتابه "جمهوريتان ووطن واحد"، يقول محمد الناصر إنّ هنالك تفاصيل قدمها له وزير الدفاع حينها عبد الكريم الزبيدي، بخصوص اعتزام نواب حركة النهضة وتحيا تونس عقد جلسة عامة استثنائية خارقة للعادة لإقرار الشغور في منصب رئيس الجمهورية نتيجة وضعه الصحي وتعويضه برئيس الحكومة آنذاك يوسف الشاهد استنادا الى الفصل 84 من الدستور، بالمقابل شدّد محمد الناصر على أن فرضية تولي يوسف الشاهد لرئاسة الجمهورية مؤقتا بعد إعلان الشغور في منصب رئيس الجمهورية كانت واردة وأن عودته إلى المجلس أجهضت هذه الفرضية التي أكد انه لا يوجد إثبات عليها غير "الاستنتاجات التي وصل اليها بتجميع الأحداث وربطها ببعض". والحقّ أنّ هذه المسألة لم تكن يوما سرًّا بل وسبق طرحها إعلاميا بسبب غموض الوضع الصحيّ لرئيس الجمهورية، علما أنّ غياب المحكمة الدستورية عزّز النقاش حول فرضيات سدّ الشغور، ما يعني أنّ السيد محمد الناصر لم يأتِ بما هو غير معلومٍ بالضرورة لأغلب التونسيين، ولو وضعنا علاقات شخوص الواقع بعضها ببعض في سياقاتها الواقعية، وهي سياقات صراعٍ بالأساس، لاتضح بيسرٍ أنّ حكاية الانقلاب "مفتعلة" من ألفها إلى يائها، ذلك أن الدستور يضمن  انتقالاً سلسا للسلطة، حتى في غياب المحكمة الدستورية، وهو ما حصل في ما بعد بالفعل حين تولى محمد الناصر رئاسة الجمهورية خلفا لرئيس الدولة الراحل، فضلاً على أنّ المنطق يقولُ إنّ من الغباء أن يسعى الشاهد إلى تعويض صلاحياته الواسعة بصلاحيات مقيّدة أشهرًا قليلة قبل إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية. وهذا الشحُّ المعلوماتيّ الواقعيّ يخلقُ بداهة فائضًا معلوماتيّا وكلاميا مصطنعًا، يساهمُ المسؤولُ السياسي نفسهُ في تغذيتهِ، مختفيا وراء "استنتاجاته الشخصية". 
    وقس على ذلك ما قيل حول ثروة الغنوشي المزعومة، إذ نشر مقال في صحيفة أسبوعيّة تحدّث بموثوقية عالية عن "وثيقة سربتها دولة قطر إلى مصر" (أين الوثيقة؟)، وقدمت أرقامًا بلا حجج أو دليل مادّي واحد، باستثناء إحالتها على ما قيل إنه مصادر متطابقة (ما طبيعة هذه المصادر؟)، بل ودون أن يطرح سؤال "من اين لك هذا؟" على المعني بالأمر أي راشد الغنوشي كما تقتضي الأعراف الصحفيّةُ ذلك. والنتيجة: انتشارُ الشائعة كالنار في الهشيم مجهضةً أيّ محاولة جدّية للتدقيق في ملفات المسؤولين السياسيين والحزبيين المالية. 
    وفي تقديرنا، لا تستحقّ إشاعة وفاة راشد الغنوشي التعليق عليها، ذلك أنّ إطلاقها لا يشفُّ عن انحدارٍ "أخلاقيّ" فحسب، وإنما عن رغبةٍ دفينة في تفجير الصراع من الداخل، لتلتهم شظاياه الشارع التونسيّ المنكفئ على أعطابه.
    وسيلُ الشائعات في تونس، للأمانة، لا يحتاجُ إلى مسؤول أخرق أو صحافيّ خاضع لأجندة أو مدوّنٍ لا يعرفُ كوعهُ من بوعهِ، ذلك أنّ كل ما يحتاجهُ هو "إرادة خبيثة" هدفها الرّئيسي تسجيل نقاط سياسيّة على حسابِ الخصم السياسي، وهذهِ قاعدة معروفة في أزمنة الأزمات السياسيّة، إذ ينحدرُ "الأخلاقيُّ" إلى ما هو أدنى من القاع، لترتيب المشهد وفق رغبات صنّاع "رأي" عديمي اللونِ والرّائحة والمذاق. 

    التلاعب بالعقول

    ولعلّ أخطر ما في ذلك كلّه أنّ هذا الهراء التآمريّ يجدُ لهُ آذانا صاغية لدى شريحة واسعة من المواطنين، شريحة حوّلها الخوفُ من المستقبل إلى أوعية جاهزة لاستيعاب كلُّ ما يقذفهُ صناع الرأي الخفيون من معطيات تخدمُ لعبةِ "تفكيك" و"ترتيب" المشهد السياسي. وهذهِ اللعبة لم تكتف مثلاً بالاستئثار بمواقع التواصل الاجتماعي فحسب، وإنّما تسللت إلى البرامج التلفزيّة، حيثُ عاينّا كيفَ يصبحُ زواج المتعةِ بين البرامج الموجّهة ولوبيات المصالح الضيقة مدخلاً لقتل المعلومة، وتقديم "السمّ في الدسم" للتونسيين. بل وطالت لعبةً شراءُ الذّمم سياسيين ونوابا وإعلاميين ومدونون تحوّلوا إلى أبواقٍ تردد الكذبة وراء الكذبة، لصبّ الزيتِ على النّار، في لعبةٍ تأثير تهدفُ في الواقع إلى إرباكِ كلّ شيء واختلاق واقع بديلٍ يتوافقُ مع اسقاطات شرائح من التونسيين.
    وإذ انطلقنا في البداية من مسلّمة تقولُ بأنّ الشائعات تنتعشُ في أوقاتِ الأزمات، فذلك لأنّ اليأس والخوف الممزوجينِ بالسّذاجةِ، تدفعُ بالنّاس إلى تصديق كلّ شيء والقبول بأيّ "هراءٍ" يلقى على مسامعهم. غير أنّنا يجبُ أن نميّز، معرفيّا ونفسيّا، بين نوعينِ من الشائعاتِ في تونس:
    ثمّة نوعٌ أوّل يتداولهُ التونسيّون بعفويّة على سبيل المزاح وتزجيةِ الوقت أو اليأس أيضًا، وهذا النوعُ مرتبطٌ أيضا بشحّ المعلوماتِ عمّا يحيطُ بهم. وبهذا الخصوص، تدغدغُ مثل هذهِ الحكايات الغريبة آمال النّاس المتعطّشين لانحسار الأزمة او للسخرية منها. ولو قيّمنا هذا النوع من الشائعات علميّا، لوجدنا أنّها تتفقُّ مع إسقاطات النّاس ورغباتهم الدفينة. وذلك هو حالُ التعاملُ مع المعلومات دومًا، ذلك أننا في تقييمنا لها، نقومُ بمقارنتها مع معارفنا وتجاربنا الشخصية ومعتقداتنا، فإذا توافقت معها، نميلُ إلى تصديقها، حتّى وإن كانت "مزيّفة" وخاطئة. ومن ثمّة تستغلُّ الشائعة هذا الاستعداد الغريزي لتقبّل كلّ ما يتوافقُ مع رغباتنا لتعزيز أحكامنا المسبقة ورفض ما يخالفها.
    وثمّة نوع ثانٍ، هو الأخطرُ على الإطلاق، يندرجُ ضمن تقنية "التلاعب بالعقول"، لأهدافٍ سياسيّة أو اقتصادية أو الاثنين معًا (لسوء الحظّ، يصعبُ فصل السياسي عن الاقتصادي اليوم في تونس)، كما هو الحال في الأمثلة الثلاث التي تعرّضنا إليها، وفي الحقيقة، يستندُ هذا النوعُ من الشائعات على وقائع حقيقية (شحّ المعلومات حول وضع الرئيس الرّاحل الصحّي، الغموض المحيط بثروة راشد الغنوشي...)، لتفكيك المشهد القائم وإعادة تركيبهِ لاحقًا بما يتوافقُ مع أصحاب الأجندات، وهنا مكمنُ الخطورة.
    صحيحٌ أنّ المدونّة التشريعيّة في تونس، خصّت مروّجي الشائعات في أزمنة الحروب- ونحنُ نعيشُ حقّا فترة حرب على كلّ شيء- بعقوبات صارمة، يصلُ بعضها إلى الإعدام، لكنّ ذلك لا يكفي للحدِّ من منسوبِ الشائعاتِ في بلادنا. قلنا إنّ ذلك لا يكفي، لسبب بسيطٍ، وهو أنّ التعامل مع الشائعة، يتطلبُّ قبل أي شيء آخر، تدقيق ما يصلُ إلينا من معلومات، وهذا التدقيقُ يستوجبُ إدراك هويّة مصدر المعلومةِ، والتأكد من تمتعه بالأهليّة والتخصّص، وأنّهُ لا يتلاعبُ بالعقول. ومن ثمّة، فإنّ الحرصَ على استقاء المعلومات من المصادر التي تحظى بالثقة أوّلاً وأخيرًا، هو ما يعزّزُ حصانة المواطن ضدّ الأخبار المزيّفة، و ضدّ كلّ من يسعى إلى النيلِ من أمنه وأمنَ بلاده.

  • قيس سعيّد يستعيدُ زمام المبادرة في الملفّ الليبي ويردّ على هؤلاء ! ratEREsc أربعاء, 03/17/2021 - 10:32 قيس سعيّد يستعيدُ زمام المبادرة في الملفّ الليبي ويردّ على هؤلاء !

     

    يؤدّي رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيّد، كما هو معلومٌ زيارة دولة إلى ليبيا، زيارة هي الأولى لرئيس تونسيّ منتخبٍ منذ العام 2012، والأولى أيضا لرئيسٍ عربيّ وإفريقي إلى ليبيا بعد عملية التوافق الأخيرة التي أسفرت عن انتخاب مجلس رئاسيّ جديد.
     وإذ تبدو الزيارةُ في مجملها، على الأقلّ في هذه المرحلة، زيارة مجاملة تهدفُ أساسًا إلى دعم الأشقاء الليبيين في مسار التوافق الذي ارتضوهُ لإدارة ليبيا وإنهاء حالة الصراع فيها، في انتظار أن يقع تتويجه بمسار آخر لا يقل أهمية وهو الانتخابات العامة المزمعُ عقدها في شهر ديسمبر القادم، فإنّها لا تخلو من مضامين سياسيّة بل ورسائل واضحةً للدّاخل التونسي والخارج على حدّ سواء، لا سيّما أن مسار الحوار الليبي- الليبي شهد ولادته الأولى على أرض تونس، فضلاً عن الدور التاريخي الذي  لعبته تونس منذ اندلاع ثورة 17 فبراير، حيث استقبلت بلادنا أكثر مليوني ليبي، علاوةً على استقرار جالية مهمّة فيها، اتخذت من تونس أرض استقرار دائمٍ.  

    لستم وحدكم !

    وفي تقديرنا، تظلّ أهمّ رسالةٍ تترجمها زيارة رئيس الدولة إلى ليبيا، هي الوقوفُ على جانب الليبيين في هذه التجربة التوافقيّة التي تسعى إلى إنهاء حالة الصراع في هذا البلد المجاور وحقن الدماء فيه، لا سيّما أنّ عشر سنوات من الاقتتال والتطاحن والانقسامات وإرهاب الميليشيات، قامت بتدمير المؤسسات في ليبيا فضلاً عن تشريد ملايين الليبيين بين قارات العالم.
    والمعلوم انّ العلاقة بين تونس وليبيا هي علاقة تاريخيّة لا تنهضُ فقط على مبادئ الأخوّة وعلاقات المصاهرة والاحترام المتبادل فحسب، وإنّما تنهضُ على مبادئ شراكة استراتيجية في شتّى المجالات سواء الأمنيّة والاقتصادية والاجتماعية والثقافيّة. وما يحسبُ لتونس، وتحديدًا لمؤسسة رئاسة الجمهوريّة، أنّها اتخذت مبدأ الحياد الإيجابيّ في الملفّ الليبي، دون ضجيجٍ أو شوشرة، رغم تعمّد بعض الأحزاب التونسية، وعلى رأسها حركة النهضة، توريط تونس في لعبة محاور إقليميّة واضحة مناصرة في هذا الباب التدخّل التركي السافر في الشأن الليبي، تدخلّ اعتمد على انتداب المرتزقة من سوريا وغيرها ودفعهم إلى أتون حربٍ أهليّة كادت تغرقُ البلاد في حمامات دم لا نهائية. وإذ اختار رئيس الجمهوريّة منذ البداية تغليب منطق الحوار بل ودعوة ممثلي القبائل الليبية إلى الاجتماع في تونس (رغم معارضة التيارات الإخوانية في ليبيا وتونس على حدّ سواء)، أو احتضان الجولة الأولى من الحوار الليبي، فلأنّ ذلك هو من صميم تقاليد الديبلوماسية التونسية، كما هو الحالُ تحت حكم الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وبدرجة أقلّ، تحت حكم الباجي قائد السبسي، الذي تميّزت عهدته بالتردّد والارتجال حدّ تمكين بعض المغامرين من تحديد ملامح السياسة الخارجية في الشأن الليبي (على غرار الدور الذي قام به رجل الأعمال شفيق الجراية).
    بيد أنّ كلّ ذلك قد لا يعني شيئًا أمام اختبار التوافق الذي ذهب إليه الأشقاء بملء إرادتهم، وهو تمرينٌ صعبٌ على التنازل وتغليب مصلحة الوطن العليا على المصالح الذاتيّة الفئوية وحتّى القبليّة، وهو ما يحتاجُ إلى وقفة مساندة من المجتمع الدوليّ بأسرهِ، وتونس جزء فاعلٌ فيه باعتبارها عضوًا في مجلس الأمن الدولي، لإنجاح التجربة والوصول بها إلى برّ الأمان، أي الانتخابات المزمع عقدها في ديسمبر القادم.

    رسائل إلى الداخل المتشنج

    غير أنّ زيارة رئيس الجمهورية إلى الدولة الشقيقة سبقتها حملة تشويش معلنة من قبل خصومه، مرّت من التهكّم الخفيّ إلى الهجوم الواضح، لا سيّما أنّ حزبا بعينه، هو حركة النهضة، كان وما يزال يريدُ احتكار الملفّ الليبي خدمةً لأجندة إقليمية، أسقطها توافق الفرقاء الليبيين في الماء، باختيارهم نهج الحوار وإخراس البنادق. 
    وههنا تكفي جولة على تصريحات قيادات حركة النهضة أو ما ينشرُ في قنواتها التلفزية ومحامل التواصل الاجتماعي التي تسيطرُ عليها لكي نقف عند حجم "القلق" الذي تشعرُ به الحركة من خطوة رئيس الجمهوريّة، وهي خطوة استباقيّة نفذها قيس سعيّد بنجاحٍ، لا سيّما أنّ راشد الغنوشي كان يعدُّ العدّة بدوره لزيارة ليبيا.
    وههنا أعاد قيس سعيّد توجيه دفّة السفينة من جديد من خلال توجيه جملة من الرسائل نجملها في التالي:
    أوّلا، أظهر الرّئيس أنّه على العكس مما يشاعُ عنهُ، ليس في وضعِ عزلةٍ "داخليّة" أو "خارجيّة"، مستغلا عضوية تونس في مجلس الأمن الدوليّ، ووقوفه هو شخصيا إلى جانب فكرة الحوار منذ البداية، وعدم تورطه في أحلاف إقليمية أو دوليّة، ليقود مرحلة جديدة في العلاقات التونسية- الليبية، لا شكّ أنّها ستكونُ مفيدة للجانبين، سياسيا واقتصاديا، وخصوصا أن ليبيا تستعدُّ بالفعل إلى تدشين مرحلةِ إعمارها، ما يقتضي بناء استراتيجيات تعاون مشتركة في شتى المجالات.
    ثانيا، وجّه الرئيس رسالة مضمونة الوصول إلى راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة ومجلس نواب الشعب، وهشام المشيشي، رئيس الحكومة، وهما خصمان معلنا في حرب الصلاحيات الداخليّة، تقول إنّ الملف الليبي، وملفّ علاقات تونس الخارجية، هي من صميم صلاحيات رئيس الجمهورية ووزير خارجيّتهِ، ومن ثمّة تعدُّ الزيارة برمتها استعادة لزمام المبادرة، لا سيّما أن السنوات الأخيرة شهدت احتكارًا مطلقا للعلاقات مع طرابلس من قبل حركة النهضة.
    ثالثا، ما سيترتّب على هذه الزيارة من منافع على المديين المتوسّط والبعيد، يعدُّ بلا شكّ، تحصينا مهمّا لوضع رئيس الجمهوريّة داخل منظومة الحكم نفسها، إذ أن الأمر لن يتوقّف عند الفوائد الاقتصادية، فذلك أمرٌ سابق لأوانه في تقديرنا، وإنما في بناء استراتيجيات أمنية مشتركة علاوة على حلحلة بعض الملفات العالقة كقضية الديون المستحقة لفائدة المصحات التونسية أو وضعية الجالية الليبية في تونس أو الجالية التونسية في ليبيا علاوةً على ما ستوفره عملية إعادة إعمار ليبيا من فوائد جمّة، ليس أقلّها حلحلة ملفّ التشغيل في تونس. 
    وثمّة رسالة أخيرة موجهة إلى دول الجوار والقوى الإقليمية، رسالة مفادها أنّ تونس عازمة على استعادة موقعها الرياديّ وشراكتها الاستراتيجية مع ليبيا، وهذا ما تترجمهُ زيارته بالفعل، فهو أوّل رئيس عربي وأفريقيّ يزور ليبيا بعد توصّل الأشقاء إلى تكوين مجلس رئاسي وحكومة انتقالية موحدة ستذهبُ بهم إلى أول انتخابات حرّة وديمقراطية في شهر ديسمبر القادم. 
    بالمحصّلة، لئن تعدّ زيارة قيس سعيّد زيارة سياسية بامتياز، يتدارسُ فيها مع أشقائه كلّ المواضيع ذات الاهتمام المشترك إقليميا ودوليا، إلا أنّها تظلّ مع ذلك محمّلة بالمضامين السياسية والرسائل الواضحة التي لا تحتاجُ إلى فكّ شفرتها، لا سيّما أن الرهان يقومُ على تحريك كلّ الملفات العالقة، خصوصا في مجالات الأمن والحدود والاستثمار والتعاون الاقتصادي والمشاركة بفاعليّة في إعادة إعمار ليبيا.
     

  • الترجمة والتطبيع.. أو كيف ترتكبُ الجرائمُ باسم تسفير الأدب؟ ratEREsc سبت, 02/27/2021 - 10:07 الترجمة والتطبيع.. أو كيف ترتكبُ الجرائمُ باسم تسفير الأدب؟


    وقع الروائي التونسي ومدير بيت الرواية، كمال الرياحي، في فخ التطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني، بعد صدور روايته "المشرط" مترجمةً إلى اللغة العبرية ولا سيّما إثر تبجّح الكاتب العلنيّ بصدور مقالة نقديّة عنها في صحيفة "يديعوت أحرنوت" الصهيونية والمقرّبة من جيش الاحتلال الإسرائيلي. ولئن سارع الروائي إلى حذف تدوينته "المتبجّحة" بالمقالة النقدية، بعد تعرضّه لهجوم حادّ من الوسط الثقافي التونسي، إلا أنّه قرر عكس الهجوم على منتقديه، بأسلوبٍ لاذعٍ ومتعالٍ، مستدعيا بالمناسبة، أسماء كتّاب عرب كبار، ترجمت أعمالهم إلى اللغة العبريّة، متخذا من ذلك مطيّة، لتبرير ما قام به، تحت شعار "اعرف عدوّك".
    وللأمانة، يخضعُ هذا المسار التبريري غالبًا إلى الكثير من التجريح كي لا نقول السخرية الممزوجة بالمرارة، وهذا أمرٌ منطقيّ ومشروع، رغم اعتقادنا الشخصيّ في أنّ الربط بين الترجمة والتطبيع يعدُّ أمراَ تعسفياً، خصوصاَ حين يطال الترجمة من العبرية إلى العربية، لكن في الحالة المعاكسة، وخصوصا حين يتعلّق الأمرُ بإرادة صريحة للتعامل مع دور نشر إسرائيلية، فإنّ الانخراط في مشروع التطبيع الثقافي، يصبحُ أمرًا واقعًا، لا شبهةً تخضعُ للتقييم أو الدرس أو حتّى النقاش.
    ولنكن صريحين مع أنفسنا أوّلاً، ومع الروائي كمال الرياحي ثانيا، فما قام به يعدُّ "تطبيعًا" صريحًا، نابعا عن إرادة حرّة في التعامل مع دار نشر اسرائلية، حتى وإن كانت مترجمة العمل، أي الشاعرة والباحثة ريم غنايم، فلسطينية الجنسيّة، فضلاً عن تبجّح الكاتب الصريح بصدور مقالة نقدية حول الرواية المترجمة على أعمدة أحد أكبر الصحف الإسرائيلية تطرّفا وصهيونيّة، ما يكشفُ دون لبسٍ عن "إرادة حرّةٍ" في التعامل مع العدوّ، وهو ما تنكسرُ أمامه كلّ المبرّرات، حتى وإن توسّلت بمبدأ يؤمن به كلّ مترجمٍ، مبدأ يقول إن الترجمة هي العينُ الثالثة التي نطلّ بها على الآخر. 
    وللتذكير فقط، كان الكاتب الجزائري الحبيب السائح قد نشر مؤخرًا خبر رفضه هو وناشره، دار مسكلياني التونسية، عرضا صريحًا لترجمة رواية "أنا وحاييم" إلى اللغة العبرية، وهو ما يقيم الدليل على صلابةِ بيضة الصمود أمام رياح "التطبيع" التي تحاول إغراء الكتاب العرب بـ"العالمية"، عبر تسفير أعمالهم إلى اللغة العبرية في مرحلة أولى، ومن ثمّة دعمهم للوصول إلى كبريات دور النشر العالمية، وخصوصا الأمريكية، التي لا يخفى على البعض، حجم سيطرة الصهاينة عليها. 

    في خيانة القضايا باسم الترجمة!

    وأمام تحجّج الروائي التونسي بصدور ترجمات عبريّة لعدد من الكتاب العرب، ما يعني تخففه التامّ من أيّة مسؤولية أخلاقية، رغم معرفته بأنّ الترجمات الصادرة ما هي إلا قرصنة مفضوحة تقوم بها دور النشر الإسرائيلية دون الحصول على موافقة أصحابها، لا بأس من تذكيره والقرّاء بتاريخ الصراع الثقافي مع دولة الكيان الغاشم.
     فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي، حدث بالفعل أن ترجم الأدب العربي ودرّس للطالب العبري (قبل إعلان قيام الكيان الغاصب)، بالجامعة العبرية بفلسطين، ومنها أعمال الرواد كلطفي المنفلوطي وطه حسين وعباس محمود العقاد ونجيب محفوظ ويحي حقي وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش وسليم بركات وغيرهم...وجلّ هذه الترجمات مقرصنة، تم الاستيلاء عليها كعادة الصهاينة، دون الرجوع إلى أصحابها (ثمة مشروعٌ يستثنى من ذلك وسنعود إليه في ما بعد). في المقابل، لم يكن للأدب العبري أيّ وجودٍ على الساحة الثقافية العربية، قبل عام 1948م (عام النكبة) على اعتبار أن اللغة العبرية لغة ميتة، قبل أن تهتم السلطات الإسرائيلية إلى أهمية ترجمة الأدب العبري إلى اللغات الأخرى، وخصوصا اللغة العربية، وتم إنشاء "معهد ترجمة الأدب العبري" فى عام1962م.
    ولم تكتف سلطات الاحتلال بذلك، بل حاولت بشتّى الوسائل اختراق الداخل العربي، من ذلك ما قامت به مؤسسة دار نشر "الأندلس"، باعيل ليزر، حين طلبت مساعدة عزمي بشارة، وقد كان وقتها نائبا عربيا فى الكنيست الإسرائيلي، لاقناع المفكر العربي المغربي محمد برادة بالقيام بمهمّة إقناع عدد من الكتاب العرب بأهمية نشر ترجمات عبرية لكتبهم. ويشارُ إلى أن الكاتب رياض أبو عواد كان قد نشر مقالاً مفصّلاً حول ما كان بين محمد برادة وعدد من الأدباء العرب، كصنع الله إبراهيم ومحمد شكري وإبراهيم عبد المجيد وغيرهم، إذ رفض أغلبهم ذلك باستثناء محمد شكري الذي وافق على ترجمة روايته "الخبز الحافي" إلى العبرية وتسلم دفعة أولى من حقوقه المالية (500 دولار). وللتاريخ، رفض الروائي عبد الحكيم قاسم، قبل سنوات طويلة من وفاته، عرضا قدمته له دار نشر إسرائيلية هي دار "هاريس"، لترجمة أعماله إلى العبرية.
    والحقّ أن ما قدمناه يهدف أساسا إلى دحض حجّة الروائي كمال الرياحي الذي استدعى أسماء عربية كبيرة لتبرير ما قام به، متناسيا أمرين في اعتقادنا، الأول هو أن أغلب ما ترجم من أدب عربي، يقع ضمن "القرصنة" الصريحة والمباشرة، والثاني، أنّ أغلب الأسماء الكبيرة رفضت كلّ المغريات لترجمة أعمالها إلى اللغة العبرية، لإدراكهم أنّ الترجمة ما هي إلا مدخلٌ صريح لكسر بيضة الصمود العربي، وإعلانٌ أكثر صراحة بأحقية الكيان الغاشم في الوجود على حساب أصحاب الأرض الحقيقين. 

    في الخلط والتلبيس!

    وفي وضعٍ كهذا، ترفضُ الحقيقة أن تتجمّل. فالتفاخر بصدور مقال عن الرواية المترجمة في صحيفة صهيونية، يكشفُ بداهةً عن وجود "تواصل" بين الكاتب ودار النشر الإسرائيلية، حتى وإن كانت الوسيط هو مترجمة العمل الفلسطينية. بعبارة أخرى، ثمة تواصل مباشر وههنا يتجسّد التطبيع، ذلك أن الأمر لا يتعلّق ههنا بقرصنة لعملٍ وإنما بإرادة حرّة في ترجمة العمل إلى العبرية، بحثًا عن رياح "العالميّة" العطنة. وهو ما يخالفُ توصيات اتحاد كتاب العرب واتحاد الناشرين العرب وغيرها من الهيئات التي تصرّ على مواجهة كلّ أشكال التطبيع الثقافي مع الكيان الغاصب. ولعلّ ما يزيد وطأة ما فعله الروائيّ التونسيّ، هو أنّه يتقلّدُ منصبًا إداريّا، إذ يديرُ مؤسسة ثقافيّة عمومية هي بيت الرواية. وكنّا بالفعل سنتجاوزُ عن مسألة الترجمة ذاتها إلى اللغة العبرية، فذلك أمرٌ يعني صاحب العمل بالنهاية، لكنّ ما أفزعنا حقّا هو "تبجّح" الرّجل بما نشرته صحيفة دولة الاحتلال، متغافلاً عن حقيقة بسيطة، وهي أنه يمثّل الدولة التونسية أيضا لا شخصه فقط، طالما أنه يشتغلُ لحسابها، مع ما يعنيه ذلك من "حرج" بالغ لمؤسسات الدولة الرسمية. 
    وههنا يعنّ لنا أن نطرح على الروائي كمال الرياحي سؤالاً بسيطا ومباشرًا وصريحًا: هل تعتقدُ أن ترجمة رواية مغرقة في محليّتها إلى اللغة العبرية اختراقا لدولة الكيان وانتصارًا للقضيّة الفلسطينية وهي أمّ القضايا الإنسانية بلا منازع؟
    ومع أننا ندركُ أنّ الرّجل لن يعثر على إجابةٍ تقيله من هذه العثرة نرى من الواجب أن نذكر بأمرين مهمين. أوّلا، الترجمة هي سفارة ما يعني إقامة علاقةٍ واضحة وغير مقيّدة الشروط بين الباث والمتلقّي، فهل يعقل أن نقيم سفارة بين غاصبٍ ومغتصبٍ؟ بين سجّانٍ وسجين؟ بين محتلّ ومشرّد؟ ثانيا، دعونا من الترجمة نفسها، ولنركز لوهلةٍ على علاقتنا بذلك الآخر. هل هو عدوّ أم كيان طبيعي؟ فإن كان عدوا فسيكون من أوكد واجباتنا أن نعرفه ونطّلع على آدابه وثقافته، فههنا تصحّ بالفعل مقولة "اعرف عدوّك"، غير أن ذلك لا يعني أن نفتح له الباب لاختراقنا كورمٍ سرطاني. أما إن اعتبرناه كيانا طبيعيا وموجودًا، فهذا يعني اعترافا صريحا به، ما يعني تطبيعا مدفوع الأجر، ضمن حساباتٍ يعرفها كمال الرياحي وكلّ من سبقه إلى مستنقع الترويج لحق الكيان الصهيوني في الوجود الثقافي. 
    صحيح أنه يتعيّنُ علينا ألا نخلط بين السياسة والأدب، أو بين اللغة العبرية والصهيونية العالمية، لكن الأصحّ أيضا أن نقول إنّ من يقبل بترجمة أعماله إلى العبرية وفي دولة الاحتلال تحديدًا، هو كمن باع أرضه وعرضه وشرفه، بل ونرى أنّه غمّس ذراعيه حتى منبتيهما في دماء أهلنا في فلسطين المحتلّة. 
    والحقّ أنّ من يدعو إلى عدم الخلط بين السياسة والأدب، ينسى تحديدًا أنّ قضية الترجمة إلى العبرية هي قضية سياسية بامتياز، يسعى إليها الصهاينة لنيل الاعتراف بأحقية وجودهم على حساب أصحاب الأرض الأصليين، وهو ما يجعلُ من أوكد مهامّ المقاومة الثقافية هو كيفية التصدي لهذا المشروع.
     

    Subscribe to تقديرموقف