fbpx حوار وطني أم تفعيل الفصل 80: أيّ مخارج لأعنف أزمة تشهدها البلاد؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

حوار وطني أم تفعيل الفصل 80: أيّ مخارج لأعنف أزمة تشهدها البلاد؟

Share


تعيشُ تونس منذ أكثر من أسبوع على وقع احتجاجاتٍ شعبيّة تمركزت جلّها حول مصادر الثروات الطبيعيّة في مختلف ولايات البلاد، في الوقت الذي فشلت فيه حكومة المشيشي في تمرير أجندتها التعديليّة للعام 2020. 
في الواقع، تبدو الصورةُ أكثر من قاتمة، بعد فشل الخوارزميّة السياسيّة الحاكمة في فكّ شفرة الغضب الشعبيّ المتصاعد واستسهالها رمي التهم على المعارضة أو اتحاد الشغل أو بيادق الخارج أو أشباح "البولترغيست" الغاضبة.
 ولئن اكتفى هشام المشيشي، رئيس الحكومة، بمتابعة الأوضاع بخنوعٍ عجيب،  بعد أن تسببت قراراتهُ في ملفّ الكامور في فتح أبواب جحيم المطلبيّات التنموية على مصراعيها، محوّلةً البلاد إلى ما يشبه "كانتونات" متنافرة تديرها التنسقيّات التي باتت تتحوّز على سلاح خطير وهو غلق مضخات الثروات الطبيعية، فإنّ الأحزاب السياسية خيّرت مواصلة لعبتها الأثيرة في التفصّي من المسؤوليّة مرّحلةً الأزمة إلى منطقة فضفاضة هي "الحوار الوطني الشامل"، بينما اختار رئيس الجمهوريّة الاعتكاف وراء أسوار قصر قرطاج دون أن يحرّك ساكنًا في انتظار أن تتوضّح الأمور أو ربّما في انتظار عودة المبادرة إليه.
ولقد سبق أن أشرنا في مقالٍ سابق إلى تنادي كلّ الفاعلين السياسيين والإجتماعيين على قصعة "الحوار الوطني الشامل"، وكأنّها الحلّ الوحيدُ المتاحُ لأزمة تشحذُ فيها السكاكينُ التي أخرجت من أغمادها، بينما يعرفُ أصغرُ رضيع سياسيّ أنّ شتاء هذا العام سيكونُ الأعنف احتجاجيًّا، وأنّ كرة الثلج التي بدأت صغيرة في "الكامور" لن يستقرّ حجمها إلا إذا تحوّلت إلى فرن مشتعلٍ. بالتأكيد، ليس ثمّة عاقلٌ واحدٌ يرغبُ في تحقق هذا السيناريو الكابوسي، لأنّ نتائجهُ الاقتصادية والاجتماعيّة ستكونُ وخيمة، فضلاً عن كونه سيعمّقُ الأزمة الحاليّة ويحوّلها إلى ما يشبهُ الدائرة المغلقة، لكنّ فشل العقل السياسي في إدارة الأزمة الإجتماعية واستسهالهُ لعبة الشدّ والجذب، بل والمراهنة على سقوط الخصوم، لن تزيد سوى في سرعة دوران الإعصار على محوره.

بؤر توتّر

ههنا، لا يذهبّ الظنُّ إلى اعتبار توسّع رقعة الاحتجاجات الشعبية في الولايات، وتتالي الإضرابات القطاعيّة والاعتصامات في مناطق الإنتاج، بؤر توتر تهدّدُ الاقتصاد فحسب، بل هي مقدّمة لتفكيك الدولةِ تمامًا، مع إقرارنا التام بنبل كلّ المطلبيات الإجتماعيّة ووجاهتها بل وعدالتها أيْضًا. بيد أنّ خطأ الحكومة الرخوة، كان وما يزالُ، في تعاملها الارتجاليّ مع الأزمات كما يتعاملُ عرّاف شعبي مع مريض سرطان. لقد تفتق ذهنُ رئيس الحكومة الصارم عن فكرة لا ندري حقيقةً إن كان من نصحهُ بها يريدُ به خيرًا أو شرّا، فكرة تعميم الوصفة "الكاموريّة" على كامل مناطق البلاد، غاضّا النظر عن حقيقة أن ثروات تونس من الغاز والنفط والفسفاط ليست حكرًا على جهة بعينها، وأنّ المساس بها يعدُّ تهديدًا مباشرًا للأمن القومي للبلاد. 
وبدل الانكباب الفعليّ على معالجة أزمة التنمية الجهويّة، وإيجاد مخارج حقيقية لأزمة البطالة المتفشيّة داخل الجهات المهمّشة، اختار طبيب الأعشاب مراهم العادة، فاتحًا خزائن البلاد الفارغة أمام كلّ شعوذات التشغيل الهشّ، ومعها أبوابُ الجحيم على الدولة نفسها، هذه الدولة التي باتت عاجزة عن فرض الأمن داخل جهاتٍ صار المهرّبون هم سادتها ومموّلي احتجاجاتها، وتحوّل أصحابُ الحقّ فيها من طالبي الشغل والمحرومين والمهمّشين إلى وقود حيويّ لمعارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
على أنّ المخيف في الأمر ليس هذا، بل في تعامل أحزاب الائتلاف الحاكم مع الأزمة الاجتماعية الحالية، تعاملٌ لا يخلو من انتهازّية واضحة. فحركة النهضة مثلاً أوكلت لقيادات الصفّ الثالث والرابع وجيوشها الإليكترونية مهمّة صرف الأنظار عن الأسباب الحقيقة لحالة الاحتقان الاجتماعي، ومن ثمّة راحت ترجمُ الجماجم والعقول بسيل من النظريات التآمريّة، أبطالها هم على التوالي: رئيس الجمهوريّة واتحاد الشغل وعبير موسي وحزبي التيار والشعب، فيما خيّرت "النهضة الرسمية" أن تعتمد على خطاب تهدئة، داعيةً إلى حوارٍ وطنيّ شامل ومعمّق للخروج من وضع الأزمة، وذلك بصفاقة عجيبة، تلغي مسؤولية الحركة نفسها عن عشريّة سوداء أوصلت البلاد إلى ما هي عليه الآن.
حزب قلب تونس من جهته، فتح قناته الرسمية نسمة، للدفاع عن خيارات رئيس الحكومة، لأنّه يعرفُ أنّ بقاء المشيشي في الحكم يعني آليا بقاءهُ هو في الحكم. وما لا يعرفه القرّاء أن لرئيس الحكومة أكثر من مكتبٍ خارج القصبة، وخصوصًا في منزلي الأخوين "القروي"، ما حوّل القصبة نفسها إلى قصر شبه مهجورٍ لم تعد العمليّة السياسية تدارُ منه. وفي السياق نفسه، خيّر الضلعُ الثالث في الائتلاف الحاكم أو حزام المشيشي السياسي، أي ائتلاف الكرامة، مواصلة دوره كصبيّ مزعجٍ أو عصا بيسبول يتداول كلّ من حزبي قلب تونس والنهضة على استخدامه لضرب الخصوم وترويعهم، وذلك هو الدور الذي يجيدهُ للأمانة، لا سيّما أنّ جزءًا هاما من الأزمة الإجتماعية الحالية، وخصوصا في مناطق الثروات الطبيعية، كانت خطاباتهُ الشعبوية عاملاً من عوامل تغذيتها أو تعريتها (لا فرق).
لقد كان سلوك أحزاب الائتلاف الحاكم عاملاً محدّدًا في استفحال الأزمة الحاليّة، إذ وجدت في هشام المشيشي، مطيّة سهلة لتمرير أجنداتها وإحكام قبضتها على القصبة، بعد أن نجحت في تحويل مجلس نوّاب الشعب إلى قوقعة فارغة. ولعلّ ما يثيرُ السخرية في كلّ هذا، هو مسارعة هشام المشيشي إلى الدعوة إلى حوارٍ وطنيّ وكأنّ أحدهم ضغط على زرّ خفيّ وأقنعه بضرورة القيام بهذه الخطوة الاستباقيّة للحيلولة دونَ عزله، في صورة ما إذا قرّ قرارُ الحساسياتُ الكبرى في البلاد على ذلك. 

حوار وطني أم تفعيل الفصل 80؟

أحزاب المعارضة من جهتها، أعلنت وقوفها رسميا إلى جانب الاحتجاجات المطالبة بالتشغيل، وهو موقفٌ لا يقلُّ انتهازيّة عن مواقف الأحزاب الحاكمة. فبعض هذه الأحزاب كانت حتّى أشهر قليلة في موقع الحكم، وتعرفُ جيّدًا حقيقة الوضع المالي في البلاد، بل وصمّت آذانها على قصة تضارب المصالح التي تورّط فيها رئيس الحكومة السابق، إلياس الفخفاخ، حتى إنّها رفضت علنًا كلّ دعوات إقالته. والحقّ أن هذه الأحزاب مطالبة بمصارحة منظوريها أوّلا بحقيقة أنها لم تهضم بعد خروجها من الحكم، قبل أن تبادر إلى الاحتشاد وراء المحتجين المطالبين بحقوقهم في التنمية، رغم ما في تلك المطلبيات من إضعاف لسلطة الدولة وضربٌ لوحدتها. 
وهذه الانتهازيّة لها ما يبرّرها في الواقع، كجفاف الرّصيد الانتخابي، والبحث عن تموقعٍ سليمٍ مع تغيّر المزاج الشعبيّ تمامًا، ذلك أنّ الأعين والقلوب معلّقة أساسًا بالموقعة الانتخابيّة القادمة، خصوصًا في ظلّ بروز حزب الدستوريّ الحرّ الذي بات يصعدُ قفزًا في درج استطلاعات الرأي. ولهذا اختفت أغلب الكيانات المعارضة وراء الدعوة إلى "حوار وطنيّ شامل"، محاولة في غضون ذلك، استمالة الاتحاد العام التونسي للشغل، صاحب المبادرة العمليّة الوحيدة إلى حدّ الآن، إلى صفوفها. 
وما يثيرُ الضحك أو الحنق (لا فرق) أن جلّ الأحزاب دعت إلى هذا "الحوار الوطنيّ"، رغم أنها ممثلة في البرلمان، أي أنها تتحوّز بالفعل على فضاءٍ للحوار، بيد أنّ للانتهازيّة والبحث عن إعادة التموقع صوتٌ يعلو على كلّ أصوات الحكمة والتفكير السّليم.
وفي وضعيّة كهذه، تعودُ أوراق الحلّ والربط أيضا لرئيس الجمهوريّة، قيس سعيّد، الذي تميّز بغيابه اللافت عن الأحداث التي تعرفها البلاد وكأنّه ينتظرُ التجاء الجميع إليه للمرّة الـ...(تعبنا من العدّ) ليوفرّ مخارج للأزمة. في الواقع، ليس أمام رئيس الجمهورية حلولاً كثيرة، بل هما حلان لا ثالث لهما، فإمّا أن يقبل بمبادرة الاتحاد ويشرف على الحوار الوطنيّ، مع ما يعنيه ذلك من مساهمة في مزيد "تغطية عين الشمس بالغربال"، وإضاعة الكثير من الوقت قبل أن ينتهي الأمر بتشكيل المشهد الحكومي على أسس جديدة لا تغضبُ "الإخوة الأعداء" وتضمنُ لهُ ركنا مريحا يلاعبُهم فيه متى أراد، أو أن يقوم ببساطة تفعيل الفصل 80 من الدستور أي فصل “الخطر الّداهم"، وهذا الفصل يخوّلُ لرئيس الجمهورية التّدخل في مجال المشرّع وفي اختصاصات رئيس الحكومة، واتخاذ جميع التدابير مهما كانت طبيعتها، أي بعبارة أخرى يتيحُ هذا الفصل للرئيس تعليق العمل بمبدأ الفصل بين السلطات، ووضعُ كلّ السلطات بين يديهِ، خصوصًا أنّ البلاد تعرفُ حالة استثنائيّة بالفعل.
مهما يكن من أمر، سيكونُ من الصعب توقّع مآلات الاحتقان الشعبيّ، أو الخطوة التي سيقدمُ عليها رئيس الجمهوريّة للخروج من الأزمة، لكن ما هو ثابتٌ لدينا، أنّ السقف سيتداعى على الجميع قريبًا، إن لم يقع انتشال الدولة من براثنِ معاول تفكيكها.
 

 

محاور
تقديرموقف
الكلمات المفاتيح
قلب تونس حوار وطني النهضة قيس سعيّد الاحتجاجات الفصل 80
Share