شكشوكة محرحرة

  • كورونا تكشف هشاشة الحكم في تونس ratEREsc جمعة, 07/16/2021 - 12:07 كورونا تكشف هشاشة الحكم في تونس

     

    لا أحد (في تونس على الأقلّ) يتحمّل مسؤوليّة وصول جائحة كورونا، لكن الثابت والذي لا يقبل الجدل، أنّ هذا الفيروس غير المرئي أظهر أو بالأحرى كشف عن هشاشة النظام الحاكم وكذلك عن وهن المنظومة الصحيّة بصفة أخصّ.

    ذاب الثلج

    من المفيد التذكير أنّ تونس كانت إلى حدود جائحة كورونا تعيش أزمة اقتصاديّة خانقة، أزمة تخصّ تركيبة الاقتصاد والخيارات المعتمدة منذ سبعينات القرن الماضي، وكذلك تظهر من خلال المؤشرات التي لم تنفك عن الاتجاه نحو اللون الأحمر.
    جائحة كورونا أبانت عن هشاشة المنظومة الصحيّة بل عدم قدرتها وانعدام الاستعداد لمواجهة أيّ جائحة من أيّ صنف كان. أخطر من عدم الاستعداد، يكمن في عدم اتخاذ أيّ قرار بُعيد تجاوز الموجة الأولى، حين استطاعت دول أخرى ليس فقط أن تتجاوز الصدمة بل أن ترسي قواعد منظومة ذات قدرة كبيرة على استيعاب الضربات مهما كانت.
    إلى يوم الناس هذا، لم تشهد البلاد ولم تعرف استعداد بالمفهوم الاستراتيجي للكلمة، سواء لمقاومة فيروس كورونا أو إعادة هيكلة المنظومة الصحيّة خارج منطق الاقتصاد أكثر ما يمكن على مستوى المصاريف في هذه الوزارة وغيرها مثل التعليم والنقل والثقافة دون أن نغفل صندوق دعم المواد الاستهلاكيّة الأوليّة.

    قصر نظر

    على المستوى الدولي، قليلة هي الدول التي استطاعت أن تتجاوز جائحة كورونا دون مساعدة أو بمساعدة قليلة. دولة إيطاليا، أحد أهمّ الدول الأوروبيّة وعضو في مجموعة الثمانية، احتاجت إلى مساعدات من الصين وحتّى من كوبا وحتّى الصومال. لذلك في الآن ذاته، وجب طرح السؤال على مستويين اثنين في الآن ذاته :
    أوّلا : من الطبيعي أن تحتاج تونس إلى مساعدات من دول أخرى، خاصّة الشقيقة والصديقة.
    ثانيا : من غير الطبيعي، أن تعوّل تونس فقط على المساعدات دون التأسيس لمنظومة صحيّة ثابتة وقادرة على التصدّي لمثل هذه الجوائح.
    وجب الاعتراف أنّ دولة ما بعد 14 جانفي 2011، لم تصنع رؤية استراتيجيّة في أيّ مجال، دون استثناء. من ثمّة، في الآن ذاته، لا غرابة من عدم وجود أيّ نظرة ذات بعد استراتيجي في التعامل مع جميع المجالات، وكذلك (والأخطر) غياب الوعي بأهميّة التعامل مع المسائل الكبرى من منظور استراتيجي.
    لا تزال الدولة إلى حدّ الساعة تتبع أسلوب ردود الفعل الارتجاليّة، بدءا بالاستحقاقات الكبرى وعلى رأسها المطالب التي قامت من أجلها الثورة، وخرج الناس إلى الشارع يوم 17 ديسمبر 2010، سواء الكرامة أو الشغل أو الحريات ضمن جميع المعاني. كذلك بقيت جميع القرارات الأخرى وعلى مستوى جميع الحكومات المتعاقبة، أقرب منها إلى تدوير الزوايا والخروج بحلول تستر الوجه وإن كانت مؤقتة أو حتّى تعلم الحكومة أنّ الأمر لا يتعدّى منطق اللحظة وزائل بالضرورة.

    كورونا، فيروس متجاوز بالضرورة

    مهما يكن مآل هذا الفيروس، فالأكيد وما لا يقبل الجدل، أنّ العالم قد تغيّر والأخطر أنّه بصدد التبدّل المتواصل ودون هوادة، ومن ثمّة يمكن الجزم أنّ القدرة على التعامل مع هذا العالم، سيمثّل أحد أهمّ المؤشّرات التي ستعتمدها وكالات التصنيف في العالم.
    هذا المؤشّر ستتأسّس عليه مؤشرات أخرى، أوّلها قدرة قطاعات عديدة على التأقلم مع هذا الظرف الحسّاس، مثل السياحة والصناعة ومن ثمّة القدرة على جلب الاستثمارات، وسط رغبة في تجاوز أزمة لن تمّحي آثارها دفعة واحدة...
    في تونس، هناك في الآن ذاته :
    أوّلا : اعتراف علني لا يحتاج إلى دليل على تردّي الأوضاع سواء ما تعلّق بانتشار الجائحة أو بتراجع الاقتصاد التونسي.
    ثانيا : تسليم بما يشبه اليأس بعدم القدرة على مقاومة الجائحة وأيضًا التردّي الاقتصادي.

    الاقتصاد هو المدخل

    احدى أهمّ مداخل الإصلاح في البلاد، يمرّ عبر وجوب إعادة آلات الإنتاج إلى سالف عهدها، سواء للحدّ من التوريد أو الرفع من الصادرات وحتّى خلق الثروة ممّا يحسّن في مؤشرات الناتج الداخلي الخام، وما لذلك من تأثير مباشر وفعّال على مجمل الاقتصاد التونسي.
    القرارات التي اتخذها مجلس نوّاب الشعب بغية دفع الاقتصاد ضروريّة لكن غير كافية، لأنّ المطلوب وضع خطّة متكاملة :
    أوّلا : الحدّ من المصاريف أو بالأحرى ترشيد الانفاق العام دون المساس بالطبقات الهشّة أو الفقيرة
    ثانيا : الرفع في المداخيل من خلال نظام جبائي أكثر عدلا.
    ثالثًا : القضاء وإن كان تدريجيا على القطاعات الهامشيّة، عبر ادماجها في الاقتصاد الرسمي
    جميع هذه الخطوات تتطلب نظرة استراتيجية أولا، وثانيا برنامجا متكاملا، وليس مجرّد حوافز بعضها أقرب إلى العفو الجبائي العام، الذي يلغي ديون عديد الشركات وكذلك الافراد دون تقديم البديل الفعلي والفاعل.
    لا أحد صاحب عقل وعلى دراية بالوضع الاقتصادي في تونس، يترقّب معجزة. فقط هناك رغبة بل هي الحاجة إلى رؤية القطار على السكّة، وسماع دوّي المحرّك ومن بعد ذلك مشاهدة القطار يتحرّك. 
    عندها قد نختلف بخصوص سرعة التقدّم، لكن لا أحد سيناقش الخيارات الكبرى في حدّ ذاتها.
     

  • شباب تونس.. لماذا «يسألنا الرحيل»؟ HeLEINCa اثنين, 07/05/2021 - 22:49 حرقة التوأم من تونس

     

    إذا كانت الفتاة مرام المرزوقي دخلت تاريخ تونس من باب حصولها على معدّل عشرين على عشرين في امتحان الباكالوريا شعبة الرياضيات، إلاّ أنّها رسّخت في عقول التونسيين وطبعت في وعيهم صورة الطائر المحتجز في قفص ضيّق لا همّ له سوى الانعتاق، حين عبّرت بطريقة عفويّة جدّا، وكذلك في إصرار شديد عن حلمها في الهجرة ومغادرة البلاد.
    الطفلة مُلكة بن سعيدة وإن كانت أقلّ شهرة من مرام المرزوقي، إلاّ أنّها سجّلت اسمها بأحرف من نار، حين كتب معلّمها رضا العرّامي على حسابه على موقع الفايسبوك : 
    «طوى الجزيرة (لامبيدوزا) حتى جاءني خبر
    فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
    تلميذتي الشاطرة ملكة بن سعيد تصل إلى السواحل الإيطالية رفقة توأمها وشقيقتها الصغرى
    منذ أقل من أسبوع سلمتها دفترها وأثنيت على تميزها، بعد قليل عادت لتقبلني مودعة، خلته وداع العطلة الصيفية. 
    حاولنا قدر المستطاع أن نغرس فيهم حب الوطن لكنه لم يبادلهم الحب فهاجروا إلى أرض الله الواسعة».
    هذه الفتاة هاجرت سرّا إلى إيطاليا مع عائلتها، مع ما يعنيه ذلك من ركوب البحر والمغامرة بالحياة، خاصّة عندما نتخيّل أبا يضع حياة ذريّته في ميزان الموت، عندما رمى بهم ورمى بنفسه بين أمواج البحر.

    موسم الفرار إلى الشمال

    أمام هذين المثالين، وغيرهما كثير، نفهم الأسباب التي جعلت البلاد التونسيّة تحتلّ المرتبة الثانية عربيّا، على مستوى هجرة العقول إلى الغرب، والحال - حسب الصورة التي يراها من هم خارج البلاد - أن تونس تأتي فاتحة الربيع العربي وأكثر من ذلك البلد الذي نجح - على أقلّ أفضل من التجارب الأخرى المماثلة - في تأسيس مسار انتقال ديمقراطي، لا يزال على الشكلي والبنيوي متواصلا ومستمرّا، لم ينقطع، وإن كان ترنّح عديد المرّات، ويبقى مهدّدا دائما بالارتداد إلى أسفل درك.
    لا تأتي الأزمة على مستوى التوصيفات، بمعنى إن كان ما جدّ في البلاد ثورة أو هي انتفاضة وربّما تمرّد، أو كما يراها البعض مجرّد هبّة شعبيّة، أو في الذهاب إن لم نقل الغرق في دوامة الاتهامات والاتهامات المضادة، بل – فقط وحصرًا – الانطلاق من تشخيص بسيط، لا يحتاج إلى النقاش : 
    الغالبية الغالبة من شباب تونس لا حلم له سوى الهجرة، سواء الذي لم يكمل التعليم الابتدائي، وهو في حالة بطالة أو انقطاع عن العمل، وصولا إلى من الدكتور في الطبّ، الذي لا يرى لنفسه مستقبلا في هذه البلاد، سواء في مستشفيات القطاع العمومي أو حتّى في القطاع الخاص، إن استطاع إليه سبيلا.

    الحَرقة تخلّف حُرقة

    الأخطر من الحلم بالهجرة والسعي وراءها أشبه بمدمن على المخدرات في سعيه وراء حصّته اليوميّة، حالة عدم الاطمئنان المزمنة، وأخطر اعتبار الشاب وجوده في البلاد أشبه بعقوبة بالسجن، يودّ الخروج منه في أقرب فرصة ممكنة، سواء بالفرار بأيّ صفة كانت، أو هو الحطّ من التهمة والتمتّع بالسراح الشرطي.
    لا ينقسم المشهد دائما، بين شباب يسأل الرحيل، مقابل آباء وأمّهات يرفضون هذا التمشّي، بل في نسبة غير هيّنة، ليس فقط العائلة على دراية وعلم برغبة الشاب في الهجرة سرّا إلى الضفّة الشماليّة للبحر الأبيض المتوسط، بل – وهنا الخطورة – هناك من الأمّهات من تبيع مصوغها بغية توفير المبلغ المطلوب مقابل حَرقة فلذة الكبد إلى الجنّة.
    تعيش الدول وتنبني وتقوم على رموزها، ومن ثمّة يأتي تصريح أنجب النجباء، مرام المرزوقي التي بالأكيد وما يحتمل الجدل، تمثّل الأيقونة، التي ينظر إليها مجمل شباب تونس في صورة والمثال، ومن ثمّة عندما يرى يأسها والإحباط الذي تعيشه هذه الفتاة المثاليّة، يحسّ بإحباط أكبر وأقوى.

    الحرقة شكل من أشكال الانتحار

    عندما ننظر إلى يأس الشباب من بلدهم، فذلك يعني يأسا من النخب بصفة عامة والتي تدير شؤون البلاد بصفة أخصّ، ومن ثمّة يكون هذا الفرار دليل قطيعة بين الأجيال أو هو يأس جيل من الأجيال التي تكبره سنّا، أو بصفة أعمّ تلك التي تكبره سنّا، لأنّ الفرار يعني الهروب من وضع أو بالأحرى من سياسة أو هي سياسات.
    إذا كان أصحاب الشهادات العليا من الاختصاصات المطلوبة في الغرب عموما ومن أوروبا الأقرب، لا يجدون صعوبة أو هي صعوبة أقلّ بكثير جدّا من العاطلين عن العمل، أو من أصحاب المهن غير المطلوبة عندم الرغبة في المغادرة، فإنّ الجميع غير متيقن من استطاعة التأسيس لحياة جديدة على الضفّة الأخرى، حيث نجح من كان عاطلا عن العمل في تونس واستطاع تدبّر أمره، في حين عجز أصحاب الشهادات العليا وحتّى الاختصاصات النادرة من التأقلم وإيجاد موطئ قدم لهم في هذا العالم الجديد.
    من منطلق براغماتي بحت، نجد من يفكرّ – حتّى بين أصحاب الاختصاصات العلميّة – أنّ مغادرة أيّ شاب البلاد بأيّ طريقة، سواء كانت شرعيّة أو غير شرعيّة، يمثّل تخفيضا في عدد العاطلين عن العمل، سواء مباشرة لمن لا يعملون، أو شغور منصب شغل يحتلّه أحد العاطلين في حال كان المغادر ممن يحتل موطن شغل.
    هذه القراءة الكميّة للبطالة، ترى كذلك أن نسبة كبيرة جدا من الشباب الذي يتدبّر أمره، يتوّلى إرسال المال – أيّ العملة الصعبة – إلى أهله، ممّا يجعله يتحوّل مصدر نفع لبلاده. يبقى هذا التشخيص عاجزا عن معالجة نواح أخرى للمعادلة، سواء تعلّق الأمر بالعاطلين من أصحاب المستوى الدراسي المنخفض أو أصحاب الشهادات العليا من خريجي الجامعات، أنّ البلاد التي تفقد الفئة العمريّة الأقدر على الإنتاج، خاصّة من أصحاب الاختصاص، تجد ذاتها أو ستجد يومًا صعوبة في انتداب عديد الاختصاصات.
    مثل ذلك، أنّ الاختصاصات الطبيّة وشبه الطبيّة، تشهد طلبا كبيرًا راهنًا، ومن الصعب العثور في تونس على الأعداد الكافيات منها من أصحاب التجربة والقدرة على الإدارة بالعدد الكافي، ممّا يجعل هجرة العقول نزيفًا خطيرًا جدّا..
     

  • Subscribe to شكشوكة محرحرة