شكشوكة محرحرة

    حكومة المشيشي : الآلة الحاسبة والعصا الحاسمة KINtEMid اثنين, 08/10/2020 - 14:03 حكومة المشيشي : الآلة الحاسبة والعصا الحاسمة

    بالمنطق والعقل ومن خلال التدبير والسعي، سيبذل هشام المشيشي كلّ ما في وسعه لتفادي العثرات التي جعلت سابقه إلياس الفخفاخ، يستبق الإقالة بتقديم الاستقالة وكذلك قادت محمّد الحبيب الجملي إلى الفشل في الحصول على ثقة مجلس نوّاب الشعب.

    القاعدة أساس البناء

    من ناحية أخرى يعلم المكلّف بتشكيل الحكومة بالآلة الحاسبة وأكثر من ذلك منطق العداوات والمعارك القائمة، أن التنويعات الممكنة لتشكيل حكومة قليلة بل هي محدودة ولا يزيد عددها عن أصابع يد واحدة، مع علم الرجل ويقينه، أنّ استقرار الحكومة وبقائها مهدّد بالتدافع والصراع بين الأطراف التي قد تشكّل قاعدة لحكومة، حين يدرك هشام المشيشي استحالة تشييد حكومة فوق ركائز حزبيّة غير صلبة أو (وهذا الأخطر) اعتمادًا على أحزاب تتصارع في ما بينها والأخطر من ذلك تريد الواحدة تحييد الأخرى، بمعنى إخراجها من السباق.
    لذلك وفق ما رشح من أخبار يسعى الرجل إلى تأسيس «قاعدة» شديدة الصلابة قبل الشروع في أيّ بناء، حين لا يمكن لعاقل أن يفكّر في التشييد على أساس رخوِ.
    تشييد قاعدة من «الخرسانة (البرلمانيّة) المسلّحة»، يستوجب (علميّا) وضع «مسودّة سلوك» توافق عليها الأحزاب التي تفكّر أو تنوي الالتحاق بما هو «الائتلاف» الذي من المطلوب أن يقدّم الدعم للحكومة القادمة، وثانيا وضع شروط صارمة في انتقاء وزراء أبعد ما يكون عن «الشخصيات الصداميّة» التي أثثت المنابر الإعلاميّة على مدى الأشهر الفارطة. فوق هذا كلّه وضع «منظومة عقاب» لكلّ من يخالف فصول هذه المسودّةز
    نقف إذًا أمام منطقين، متكاملين بل هما بمثابة وجهين لعملة واحدة :

    1. أوّلا : منطق الآلة الحاسبة : أيّ حصول حكومة هشام المشيشي على التزكية، كما حصول الوزراء جميعا (إن أمكن) على التزكية، مع ضمان عدم انفراط عقد الائتلاف، أيّ تأمين (حسابيا) 109 نائبا (على الأقلّ) يكونون دائما أشبه بفرقة كومندوس على أشدّ الاستعداد للإطاحة بأيّ «عمليّة انقلاب» برلمانيّة.
    2. ثانيا : منطق الجزرة والعصا : بمعنى السعي لاجتذاب أكبر عدد ممكن من الكتل البرلمانيّة، القادرة على التعايش (وإن كان بشروط) مع التلويح بعصا حلّ البرلمان والذهاب إلى انتخابات تشريعيّة سابقة لأوانها، لا أحد يريد الظهور في صورة من دفع إليها، وقليلون هم من سيعاودون الذهاب إلى هذه الانتخابات (في حال حصولها) وكلّهم اطمئنان للنتيجة، بمعنى تحقيق الحزب لنتيجة لا تقلّ عن المحصلة في 2019. دون أن ننسى جمهرة المستقلين والأحزاب الصغيرة، التي ليس بمقدورها (في ظلّ قانون الانتخابات الحالي) ضمان أيّ مقعد.

    ليس بالديمقراطيّة وحدها، تحيا الحكومات..

    تدرك جميع الشخصيات الفاعلة في المجال السياسي التونسي، في لحظات العسر والشدّة (على الأقلّ)، أنّ البلاد على صفيح ساخن، إن لم نقل حارقًا، وأنّ «خزعبلات» رجال (كما يراها المواطن) أعجز من أن يزيد مداها الفعلي، عن منبر إعلامي على إحدى القنوات التلفزيونيّة أو المحطّات الإذاعيّة، وبالتالي لم يعد من الممكن، على الأقلّ بدرجة أدنى من السابق، تسويق «الخلافات الأيديولوجيّة» بين الشخصيات السياسيّة، على أنّها ذلك الصراع من أجل تقديم ذلك «الغدّ الأفضل» لعمق شعبي، يرى ويشاهد ويعيش ارتفاعًا في عدد العاطلين عن العمل، ومن ثمّة تراجع معدّل إنفاق العائلة التونسيّة، دون أن ننسى التضخّم المزمن وتراجع صرف الدينار التونسي مقابل الدولار واليورو.
    المصيبة أنّ البلاد تعيش حقيقة بوجهين :

    1. أوّلا : في ظلّ أزمة اقتصاديّة مزمنة ترتبط بالخيارات الاستراتيجيّة الكبرى، على رأسها «منوال التنمية»، معطوف على ذلك الخسائر أو أخطر من ذلك الإصابات الأليمة، التي خلفتها أزمة كورونا، يستحيل الحديث عن «حلول سحريّة» أو الأقل الانطلاق في هذه الحلول في ظلّ الوضع السياسي الحالي.
    2. ثانيا : يتمّ في ظلّ الأزمات الاقتصاديّة الكبرى، التأكيد على بعدين عند الحديث عن معالجة الأوضاع : يكون البدء بعدم المسّ (مهما كانت الأسباب) بمقوّمات الاستقرار الاجتماعي، بمعنى التأسيس لشبكة أمام تحمي البلاد من الهزّات الاجتماعيّة. كذلك الشروع في إصلاحات هيكليّة كبرى، تقطع مع الأسباب العميقة التي قادت إلى هذا التردّي. في ظلّ الوضع القائم، يستحيل التفكير في وضع سياسة اجتماعيّة تحمي المجتمع من الانهيار.

    بمنطق كليلة ودمنة، يقف هشام المشيشي في صورة ذلك الذي سقط في البئر، وتعلّق بالحبل قبل أن يصل إلى القاع، ليجد أفاع تتوعده في الأسفل وجرذان تقضم الحبل في الأعلى، لا هو (المكلّف بتشكيل الحكومة) قادر على تقديم حلول آنيّة لمسائل عاجلة، ولا هو قادر على وضع خطط ذات بعد استراتيجي. 
     

  • حدود المشيشي وفواصل الإخشيدي.. lomPLacD ثلاثاء, 07/28/2020 - 09:50 حدود المشيشي وفواصل الإخشيدي..


    الآن وقد استفاقت الطبقة السياسيّة، خاصّة البرلمانيّة منها، أيّ المعنيّة بشؤون الحكم من صدمتها، بعد تكليف وزير الداخليّة في حكومة تصريف الأعمال هشام المشيشي، وبعد أن هال الكثير من هذه الطبقة، حديث الرئيس قيس سعيّد عن وجوب «مراجعة الشرعيّة»، دون أن ننسى طعنه فيمن «يحكمون من خلال الأزمات»، أو «المتاجرين بالخطاب الثوري»، لا يبدو أنّ الجميع على بيّنة من أمره في ما يخصّ المقاربة التي سيعتمدها هشام المشيشي، سواء كتصوّر عام لشكل الحكومة، بدءا بعدد الحقائب أو توزيع الاختصاصات، وأكثر من ذلك طبيعة الحكومة، علمًا وأنّ النهضة طالبت بما قالت أنّها «حكومة وحدة وطنيّة»...
    أبغض الحلال : حلّ البرلمان..
    أسئلة عديدة يطرحها هذا «العالم السياسي»، في محاولة ولوج «بحر المفاوضات» وقد ضمن بين يديه أوسع تشكيلة من أوراق القوّة، حين يعلم الجميع أنّ حكومة السيّد هشام المشيشي تملك ورقة قوّة ملكتها قبلها حكومة الفخفاخ عند التشكيل، وهي أنّ الأحزاب البرلمانيّة، المعنيّة بالمشاورات أو غير المعنيّة، بل جميع النوّاب، على علم أنّ «الحكومة (القادمة) أمامهم وحلّ مجلس نوّاب الشعب ورائهم»، ليكون السؤال عمّن يريد أن يتحمّل أمام عمق شعبي متوتّر مسؤوليّة إعادة الانتخابات.
    جانب أخر يبدو جليّا يتمثّل في العلاقات الجيّدة والتفاهم التام، بين قيس سعيّد رئيس الجمهوريّة و«رئيس وزرائه» هشام المشيشي، ممّا يعني أنّ قصر قرطاج وقصر القصبة سيلعبان بنفس الخطّة في مواجهة «الشرعيّة الواجب تغييرها»، أيّ مجلس نوّاب الشعب في العموم ورئيسه راشد الغنّوشي على وجه الخصوص، ليكون السؤال عن تأثيرات «لائحة سحب الثقة» من راشد الغنوشي، وقدرة التيّار الديمقراطي وحزب الشعب عن جمع ذلك «الحلف المقدّس» ضدّ رئيس البرلمان..

    مثلث برمودا
    هي خيوط متعاكسة في الاتجاه، لكن بصدد نسج قطعة القماش ذاتها :
    أوّلا : الرئيس قيس سعيّد يقدّم أثناء حفل التكليف «استراتيجيات الحكومة القادمة»، بل سعى إلى التأسيس لقطيعة مع الحكومات السابقة، عندما أكّد على أولويّة «التطهير السياسي» على «الإصلاح الاقتصادي» وأولويّة تحصيل أموال الدولة، قبل وضع الخطط الاقتصاديّة وأولويّة تغيير الشرعيّة بأخرى، لأنّ الراهنة صارت أرض عاقر لا تنبت زرعًا سياسيّا.
    ثانيا : المكلّف بتشكيل الحكومة، هشام المشيشي سيسعى إلى تحصيل أوسع تصويت ممكن في مجلس نوّاب الشعب. لكن خارج «نظام المقايضة» العادي والمعمول به في أغلب وأرقى الديمقراطيات، بأنّ ينال كلّ حزب من الحقائب ما يوازي حجمه في الائتلاف الحكومي. المشيشي وقد صار قيس سعيّد ماسك مفاتيح اللعبة سندًا له، سيسعى إلى تسمية ما أمكن من أسماء من خارج الدوائر الحزبيّة أو هو سيختار من الدوائر الحزبيّة الأقلّ إزعاج لحكومة تأخذ (من التأييد) أكثر ممّا تبذل (من حقائب وزاريّة).
    ثالثًا : لائحة سحب الثقة من رئيس مجلس نوّاب الشعب، تفيض عن مسألة سحب الثقة من شخص، لتكون محاكمة للرجل ومن ورائه النهضة، ومن ورائهما الإسلام السياسي، ومن وراء كلّ ذلك «تنظيم الاخوان» بكامله، بل يمكن اعتبار أن عدد الموافقين على سحب الثقة، في حال قارب المائة دون بلوغ النصاب، سيشكّل ضربة قاسمة لهيبة راشد الغنوشي، دون الحديث عن السحب في حال وقوعه، وما له من تبعات بل هو الصدى والارتدادات التي ستمتدّ مثل الزلزال من الدائرة المحليّة ومنها إلى الدائرة الاقليميّة، ثمّ الدائرة العالميّة.
    خلاصة : لا يمكن الحديث عن تشكيل حكومة بعيدًا عن سعي قيس سعيّد لتوسيع مجاله الحيوي وعن منتهى لائحة سحب الثقة من راشد الغنوشي.
     

    كيف سيربح قيس سعيّد حرب «الاسترداد» التي أعلنها؟ lomPLacD اثنين, 07/27/2020 - 10:06 كيف سيربح قيس سعيّد حرب «الاسترداد» التي أعلنها؟


    السواد الأعظم من الشعب التونسي لم يكن يرى في قيس سعيّد قبل أن تأكّد مشاركته في الدور الثاني للانتخابات الرئاسيّة لسنة 2019، سوى ذلك «المختصّ في القانون الدستوري» صاحب الصوت الجهوري الإلقاء بوتيرة واحدة، لم يكن على علم أنّ الرجل أبدى معارضة أكيدة لانتخابات المجلس التأسيسي منذ أن برزت الفكرة. بل أكثر من ذلك ينكر الرجل على البلاد «الآليّة الانتخابيّة» المعتمدة، حين يرى وجوب الانطلاق من انتخابات محليّة، ومنها إلى أخرى جهويّة إلى حين استكمال انتخاب السلطات العليا في البلاد، بل يعتبر أنّ جزءا من مشاكل البلاد تكمن في اعتماد «الانتخابات الفوقيّة» التي (والكلام له) لا تقدّم الصورة المطلوبة عن موازين القوى أو هي بالأحرى تفرز «نخبة» لا عمق لها.
    رجع الصدى؟
    أعاد الرجل ذات الكلام طوال الحملة الانتخابيّة، وأكّد على أنّه سيتقدّم بمشروع قانون في هذا الصدد إلى مجلس نوّاب الشعب. لذلك لم يكن حديثه عن «شرعيّة نحترمها، لكن آن الأوان لمراجعتها، حتّى تكون بدورها تعبيرًا صادقًا وكاملا عن إرادة الأغلبيّة» سوى الترجمة الفعليّة والأمينة بل الوفيّة، لما جاهر به منذ 2011. لكن هل يستطيع الرجل تفكيك «منظومة حكم» تأسّست على «سلم الشجعان» بين كلّ من الباجي قايد السبسي وراشد الغنوّشي، لتشكّل (هذه المنظومة) الوعاء أو بالأحرى الرحم الذي كبر فيه جنين «الديمقراطيّة الانتقاليّة»، بل الأخطر من ذلك، حين يمكن الجزم أنّ «الاستقرار» النسبي والمهتزّ أحيانًا الذي تعيشه البلاد هو ما ثمار «لقاء باريس».
     ضمن «الشرعيّة» التي يحترمها قيس سعيد وفي الآن ذاته يسعى إلى استبدالها بشرعيّة أخرى، لا أحد (في البرلمان مثلا) يأتي على هذا الرأي من شرعيته أجلسته على كرسي المجلس، لذلك يعلم رئيس البلاد أنّ «مشروع القرار» الذي يرسي «الشرعيّة البديلة» لن يجد له القبول لدى نوّاب المجلس من أصله، فكان التنبيه من قبله «بأن يتحمّل كلّ مسؤوليته»...
    لا يملك قيس سعيّد عصا سحريّة ومن الأكيد أنه لن يبيت ليلة ليستفيق من الغد، ليجد مجموع النوّاب وقد صارت معه ومن أنصاره. من الأكيد أنّه يدرك عزّ الإدراك أنّ المسألة لا تؤخذ بالتمنّي، لذلك سيعمل قيس سعيّد على الخروج بمن معه على ذات الفكرة ومن يوافقون عليها، إلى الناس، بمشروع «كيان سياسي» يكون ركاب الوصول إلى ديمقراطيّة الحقّة، وليس في صورة الرئيس/الفرد كما كان يحدث.
    شرعيّة غير قابلة للشحن
    الوجه اليساري رضا المكّي الشهير بكنية «لينين»، الذي اشتغل مدير الحملة الانتخابيّة للمترشح حينها قيس سعيّد، فصّل أثناء مشاركته في عديد الندوات، في مسألة «الشرعيّة القائمة» أيّ الليبراليّة المعتمدة على اقتصاد السوق، معتبرًا أنّ «أنّ الأشكال الديمقراطيّة القائمة بلغت مداها الافتراضي»، ومن ثمّة (وهنا خطورة الكلم والرأي) فإنّ هذه «الديمقراطية الغربيّة» بصدد لفظ أنفاسها الأخيرة، مستشهدا بالأزمات التي مرّت بها وتعيشها دول أوروبا الغربيّة على هذا المستوى، ومن ثمّة يعتبر (وهنا الأهميّة) سقوط هذه الأنماط الديمقراطيّة مسألة حتميّة أوّلا، لتحلّ مكانها الشرعيّة التي ينادي بها الرئيس قيس سعيّد.
    تكوين قيس سعيّد لكيان سياسي، يسعى من خلاله إلى «الانقلاب» ديمقراطيا على الشرعيّة القائمة، من خلال الانتخابات التشريعيّة القادمة، من الأمور البديهيّة، ومسألة وقت لا غير..
     

    توفيق بريك في السجن: الخطوط ليس جميعها أحمر.. KINtEMid سبت, 07/25/2020 - 09:25 توفيق بريك في السجن: الخطوط ليس جميعها أحمر..

     

    اهتزّت وسائل إعلام تونسيّة وكذلك عربيّة وعالميّة، دون أن نُغفل منظمات حقوق الإنسان داخل البلاد وخارجها، وعلى رأسها جميعًا النقابة الوطنيّة للصحفيين التونسيين، بعد الحكم الصادر ضدّ الصحفي والكاتب والوجه الإعلامي توفيق بن بريك بالسجن لمدّة سنة نافذة، معتبرين (أو بالأحرى الكثير اعتبر) أنّ الكلام الذي حُكم من أجله، لا يؤسّس لأركان جريمة وبمن ثمّة لا يستوجب هذا العقاب.
    علينا التسليم أوّلا من باب المساواة أمام القانون، الجريمة ذاتها تستوجب العقاب ذاته، مهما كان الفاعل، مع إعطاء القاضي فسحة للتخفيف أو التشديد، وفق الظروف التي جدّت فيها الجريمة، ومن ثمّة لا أحد من الإعلاميين يملك تفوقًا دون عامّة الناس من سواد هذا الشعب.

    غضّ الطرف..

    على المقلب الأخر وحين نستأنس بالديمقراطيات ذات العمق التاريخي العريق، نجد أنّ الصحافة أو الإعلام عامّة، لا يقف عند الخطوط الحمراء التي سطّرها المشرّع بين كلّ من «حريّة التعبير» من جهة مقابل «التعدّي على الحريّات»، بل يفيض كأس الإعلام عادة عند تغطيته للشأن العام، وخاصّة الشأن السياسي كما الاقتصادي، دون أن يحرّك رجال القانون ورجال الأعمال والاقتصاد ساكنًا، ليس من باب اليأس من تحصيل أحكام زجريّة، بل خوفًا من أن يتحوّل البحث عن «الحقّ أمام المحاكم» إلى فخّ يتحوّل به الشاكي من ضحيّة إلى «عدوّا للصحافة». صفة أو لقب، لا يرضاه رجل سياسة أو أعمال وسياسة لذاته، حتّى في حال التمكّن من ربح جميع القضايا المرفوعة ضدّ وسائل إعلام أو ضدّ صحفيين.
    من ذلك، بفعل تراكم الزمن يتأسّس داخل الديمقراطيات الراسخة، توازن، بين صحفيين يتجاوزون الخطّ الأحمر بمقدار مقابل طبقة سياسيّة واقتصاديّة وحتّى ثقافيّة ورياضة، ليس فقط تغضّ الطرف، بل تعتبر (هذا) الصبر دليلا على سعة البال والمساهمة في ترسيخ الديمقراطيّة ومن ثمّة تثبيت النظام الليبرالي في جميع أبعاده، وعلى الأخص الاقتصادي.
    لسائل أن يسأل لماذا لم تتأسّس في الغرب بخصوص الإعلام والصحافة، منظومة شديدة الصرامة أسوة بمجالات أخرى؟

    العفويّة المصطنعة

    جزء غير هيّن من «مجد الليبراليّة» قائم على هذا التجاوز، حين نرى مثلا، أنّ المجلاّت التي تعتني بأخبار المشاهير من سياسيين وفنّانين ورياضيين، تلاحق عبر مصورين أشبه بالصيّادين، هؤلاء الفنّانين، الذين يتظاهرون (في أغلب الأحيان) بالظهور أو بالأحرى التظاهر بفعل المستحيل من أجل حماية «حياتهم الخاصّة»، والحال أنّ الإجماع قائم لدى الخبراء والمختصين في التسويق الإعلامي أن هؤلاء المشاهير يدينون بجزء غيّر هين من هذه الشهرة، ومن ثمّة المال الذي يجمعونه إلى التسويق الذي تمارسه هذه المجلاّت، حيث هم (عكس ما يدّعون) في أشدّ الحاجة إلى هذه الصور وهذه التغطية... فقط التي تبدو ملتقطة دون إذن من فيها تنال انتشارًا أوسع وتقدّم خدمة أكبر...
    في تونس عندما نركّز على الحكم الصادر على توفيق بن بريك، يمكن الجزم أنّ الحاكم والمحكوم لم يجتمعا أبدًا على اتفاق ضمني ومسكوت عنه، تمكّن المشاكس توفيق بن بريك من تجاوزات طفيفة، يقبلها الحاكم لأنّها لم تتجاوز الحدّ المسموح به.
    أصلا في تونس، لا نعيش حريّة إعلام بل هو التسيّب وانعدام الضوابط، وبالتالي سيبقى الأمر على حاله.
     

    قيس سعيد: أنا رئيسكم الأدرى بمصلحتكم فأطيعوني !! مجهول (لم يتم التحقق) جمعة, 07/24/2020 - 09:42 قيس سعيد: أنا رئيسكم الأدرى بمصلحتكم فأطيعوني !!


    مثّل قيس سعيد المواطن ثم الجامعي المختص في القانون الدستوري ومن بعدها المترشح للانتخابات الرئاسيّة، وصولا إلى الجالس على عرش قرطاج، حالة أكثر من فريدة، ضمن طيف سياسي جاء على نقيض ما تلبّس هذا «الناسك» من صرامة واستقامة وصوت جهوري، جاء صاحبه أقرب إلى القطار السائر على سكة مستقيمة، لا يعرف للتراجع سبيلا، مقارنة مع طبقة سياسية سمتها الانقلاب والتلون، أشبه بالحرباء.
    شمعة في ظلام دامس؟
    يمثّل الرجل بصورة نقيض أخرى سيئة تراكمت (منذ عشيّة 14 جانفي 2011) وتضخّمت، لتمّحي في خضمها الفوارق التي كانت تفصل (على الأقلّ على مستوى الظاهر) بين «الثوري» ومن هو «عدوّ الثورة»، بفعل «التوافق» المعقود بين كلّ من الباجي قايد السبسي وراشد الغنوشي، وكذلك بين الديمقراطي/الوسطي/الحداثي مقابل الإسلامي/الظلامي/المتطرّف، حين قدّما الطرفان الأداء ذاته عند الوصول إلى السلطة.
    أيضًا جاء الرجل بخطاب بديل أساسه «الشعب يريد...» بمعنى أنّه (هو رجل السياسة) لا يقدّم برنامجًا ينزل به على الناس (مثل غيره) بين وعود (انتخابيّة) لم تصدق ووصاية بالكاد تتخفّى خلف الكلمات الرنّانة، بل أعلن أنّ برنامجه يكمن في إتاحة الفرصة أمام برامج تأتي من القاعدة.
    بين هذا «الرئيس» القادم من خارج سياق «المنظومة القديمة» ومن خارج «الإسلامي السياسي»، من جهة، و«مجلس نوّاب الشعب» جاء شديد التفتيت، فارق شرعيّة كبير جدّا، بل فارق وحاسم، إذ استطاع هذا الشخص الحامل لرأس مال (رمزي) لا يزيد عن قهوة وكأس ماء (مثلما صورته وسائل الإعلام) أن يجمع (على مستوى الأصوات) ما عجز عنه 217 نائبًا مجتمعًا، ممّا عدّل أو هو حقّق التساوي بين رئيس محدود الصلاحيات، مقابل مجلس نوّاب شديد التفتيت، دون أن ننسى شخص رئيس وزراء عديم الشرعية خارج ما قررّه رئيس الجمهورية عند التكليف.
    تعمّقت صورة الرئيس القادر على حسم النزاعات بين أحزاب أشبه بدويلات الطوائف قبيل سقوط الأندلس، عندما تعثر أو هو عجز محمّد الحبيب الجملي مرشّح حركة النهضة عن المرور بحكومته أمام مجلس نوّاب الشعب، فكانت «حكومة الرئيس» [أيّ رئيس الجمهوريّة] التي وإن كانت (على مستوى التعبير) لا تجد لها سندًا بين فصول دستور 2014، إلاّ أنّها (أيّ التسمية) وجدت طريقها للتداول، خاصّة بعد أن جاء قيس سعيّد إلى منصب رئاسة الحكومة بشخص مثل إلياس الفخفاخ، من فئة «صفر فاصل» في الانتخابات الرئاسيّة، وينتمي نظريّا إلى حزب في حالة «موت سريري».
    هذه التراكمات سواء كانت وليدة الصدفة أو هي بفعل فاعل خطّط لها وأعدّ العدّة ونفّذ، جعلت الرجل يرتقي فوق صورة الأحزاب جميعها، صور عزّزتها النهضة من باب «مكره لا بطل» حين أزاحت بصفة مباشرة أو غير مباشرة من طريقها إلياس الفخفاخ وحكومته، ليعود القرار، قرار تسمية المكلّف (الجديد) تشكيل الحكومة، إلى مربطه أمام رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.
    تشظّي المشهد البرلماني والصراع القائم وخاصّة القادم استجابة للائحة سحب الثقة من رئيس مجلس نوّاب الشعب، جعل جميع من يشعر بعداوة تجاه الجالس على كرسي الحكم في قرطاج، يجمّد هذا الصراع ويجعله من الملفّات المؤجلة أو المركونة إلى حين فضّ الملفّات الأخرى وعلى رأسها التصويت على لائحة سحب الثقة من رئيس الحكومة أوّلا، وكذلك حسم مسألة تسمية المكلّف بتشكيل الحكومة أوّلا، وتشكيل الحكومة ثانيا، وأخيرا حصول هذا المكلّف وحكومته على ثقة مجلس نوّاب الشعب. ماراطون طويل، وقد يطول أكثر في حال عدم مرور الحكومة، لتنفتح أمام كامل الطبقة السياسيّة، أبواب أخرى، على رأسها تنظيم انتخابات تشريعيّة سابقة لأوانها.
    القويّ بضعف من أمامه
    في خضم هذا الكمّ الكبير والمتناقض من المتغيّرات وكذلك ما يحيل عليه من احتمالات تتراوح بين متناقضات صعبة الإحصاء، يتحوّل قيس سعيّد إلى «عُراب» بالمعنى اللغوي المباشر، الذي (وفق الدستور) لا يحمل صلاحيات فارقة، بل بفعل غرابة المشهد تحوّل إلى عنصر حسم قادر على الضرر بأيّ طرف سياسي، بدءا بهويّة الشخص الذي سيختاره لتشكيل الحكومة، نهاية بتفعيل الفصل 80 من الدستور الذي ينصّ على :
    «لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب.
    ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.
    وبعد مُضيّ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يُعهَد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يومًا.
    ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب».

    الخطاب أو الكلمة التي ألقاها قيس سعيّد أمام القوّات الخاصّة للجيش التونسي، تحمل تلميحات جدّ واضحة إلى الأسباب التي تمكّن رئيس الجمهوريّة من تفعيل هذا الفصل مجرّد تهديد هدفه الردع وتأديب المارقين أم يدخل الأمر (أيّ الخطاب) في نطاق «الإعداد السيكولوجي» لتفعيل هذا الفصل؟
     

    Subscribe to شكشوكة محرحرة