شكشوكة محرحرة

  • إذا التقى «رئيسان».. هل يحذف «الثالث»؟ HeLEINCa خميس, 06/24/2021 - 22:29 سعيّد الغنوشي

     

    رغم ارتفاع السباب المعلن وحجم الشتم المفضوح بين كلّ من أنصار رئيس مجلس النوّاب ورئيس النهضة راشد الغنوشي، وأنصار رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد، صمت الجميع وكان السكون رهيبًا بمجرّد الإعلان عن انطلاق الاجتماع بين الرئيسين، الذي جاء (كما أعلنت رئاسة الجمهوريّة) بمناسبة الاحتفاء بعيد تأسيس الجيش الوطني.

    آلهة الأولمب التونسية

    هناك يقين لدى عدد كبير جدّا، أو هو الاعتقاد لدى آخرين، وأطراف ثالثة يحدوها الأمل، أنّ الواقع التونسي من انهيار اقتصادي وانتشار جائحة كورونا وغيرها من النقاط التي تستجوب التدخّل، جميعها مرتبط بل معلّق بلقاء هذين الرجلين، أيّ أن الاتفاق سيجعل عجلة الاقتصاد المتوقفة تستعيد الدوران، وأنّ انتشار جائحة كورونا سيوقّف، بل سيتراجع الفيروس ويذهب دون رجعة.
    أمل كبير معقود بل هو الإيمان الذي لا تشوبه شائبة بأنّنا أمام «فاعلين اثنين» والبقية (بدرجات متفاوتة) «مفعول بهم» لا حول لأيّ منهم ولا قوّة. هو الدعاء بأنّ يتمّ الاتفاق بين «الزعيمين»...
    وجب التذكير أنّها ليست المرّة الأولى التي يعتقد التونسيون أنّ استقرار بلدهم ومستقبل البلاد والعباد، مرتبط بما قد يكون من اتفاق أو توافق فوقي يحدّد ما سيكون، وأيّ اتجاه ستأخذ البلاد التونسيّة..
    الغريب وما يدفع إلى السؤال :
    أوّلا : إيمان قطاعات واسعة جدّا بأنّ أمر البلاد ومستقبلها مرهون بقبول أو رفض أحد الرئيسين لاقتراحات الرئيس الثاني والاستجابة لبعض شروطه.
    ثانيا : أنّ لا حلّ ثان، ولا أمل خارج هذا اللقاء الذي بدونه سيقف الجميع (أشبه باليتامى القُصر) لا حول لهم ولا قدرة، بل هم أشبه بالأيتام في مآدب اللئام.

    أيّ رهان وأين الرهان؟

    من الأكيد وما لا يقبل الجدل، أنّ خصومة رئيس الدولة قيس سعيّد مع رئيس مجلس نوّاب الشعب، لا علاقة لها البتّة بأيّ خيارات تهمّ (مثلا) منوال التنمية المعتمد منذ سبعينات القرن الماضي، والذي أثبت ليس فقط فشله، بل خطره وعواقبه غير المحمودة، أو بشأن السياسة الاجتماعية، أو ما بوسع الدولة أن تقدّم لصندوق دعم المواد الأساسيّة، بل هي معركة زعامة، عقبتها قطيعة سياسيّة بين رجلين، يحاول كل منهما (دون هوادة) تقليص مجال نفوذ الطرف المقابل، بل جاءت نداءات بالعزل والتهديد بالإطاحة أو هو الاغتيال كما تحدّث قيس سعيّد.
    لا أحد يتخيّل أن الحوار بين الرجلين، سيطال كيفية حلّ أزمة التداين أو بطء حملة التلقيح ضدّ فيروس كورونا، بل (من الأكيد) أن كلّ منهما سينطلق من مبدأ أنّ بعض التنازل عن بعض الحقوق مع ضمان البقيّة، أفضل بكثير جدّا من حرب مفتوحة، ليس فقط ستضرّ بمصلحة الطرفين، بل (وهنا الخطورة) ستصيب الاثنين بضرر كبير، ممّا سيفتح، وهنا لبّ هذه المقاربة، الباب أمام أطراف أخرى، تريد نصيبها من كعكة السلطة.

    المشيشي، الحاضر بالغياب

    سواء طلب رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد أو اشترط (كما أعلن نور الدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل) استقالة أو إقالة رئيس الحكومة الحالي، أو أنّ رئيس مجلس نوّاب الشعب راشد الغنوشي بدار برفض استقالة الرجل وأعلن تشبثا به، أو هو لمّح (كما يفعل عادة دون تصريح واضح) إلى امكانيّة التخلّي عنه (أيّ المشيشي)، فالأكيد وما لا يقبل الجدل أنّ رئيس الحكومة هذا، شكّل أو هو مثل أحد المواضيع التي تطارحها الطرفان.
    وجود هذا الشريك في الحكم والركن الثالث من مثلث الحكم مرتبط بما هو هوى الشريكين الآخرين، بمعنى :
    أوّلا : إصرار قيس سعيّد على استبعاد هذا الذي اختاره هو، ومدى قدرة رئيس الجمهوريّة على اقناع جليسه رئيس مجلس نوّاب الشعب، أو بالأحرى مدى استعداده لدفع الثمن المطلوب مقابل هذه الأمنية أو هذا الشرط.
    ثانيا : لا يزيد هشام المشيشي الشخص والمنصب والشريك في الحكم، عن مجرّد ورقة تفاوض أشبه بما هو الجوكر الذي يخفيه راشد الغنوشي، ليخرجه عند الضرورة ويبتلع بها جميع الأوراق الأخرى.

    مقايضة، وأيّ ثمن؟

    تختلف شخصية رئيس الدولة قيس سعيّد الصدامية، عن شخصية رئيس مجلس النوّاب راشد الغنوشي الذي يتقن فنّ المراوغة والكرّ والفرّ، والانتقال من التظاهر بالتمسك بالموقف دون أدنى تنازل ممكن (مهما كان الموقف) إلى التفريط والتنازل عنه في ثوان معدودة.
    لذلك سيترك راشد الغنوشي جليسه يفرغ ما في جعبته من مبادئ وشعارات ووعظ، ليناور أمامه مدعيا غلاء ما يملك وعدم قيمة ما بين يدي قيس سعيّد.
    هذه السحب، فأين المطر؟
    غرق أنصار الرجلين في دوّامة المقابلة وما تعطي من أجواء مشحونة وما هي الأسرار التي تسعى الصحافة للفوز بها أو هي تحاليل تريد كلّ قناة الانفراد بها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في إلحاح شديد :
    أيّ نفع للمواطن العادي الذي أرهقه التضخّم في الأسعار والانقطاع عن العمل وحتّى إصابة بعض أفراد العائلة بفيروس كورونا، عندما يسمع أنّ اللقاء الذي ترقبته الطبقة السياسيّة، وخاصّة أنصار قيس سعيد كما أنصار راشد الغنوشي، لن يزيد في أعلى درجات التفاؤل، سقفه عنّ لقاء القمّة، قادر على الشروع في التفكير في إيجاد أدوات تُدْخل بعض التحسينات على بعض أوجه الأزمة، أي لا شيء تقريبًا..
    من الأكيد وما لا يقبل الجدل أنّ تونس، البلاد كما العباد، لن تعتبر يوم اللقاء بين الرجلين عيدا يتمّ الاحتفال به في الأعوام القادمة، أو هو فيصل وفاصل بين عهدين أو مرحلتين، وأنّ تونس التي امتلأت فقرا وعوزًا ستقلب بلاد الرخاء التي تجري فيها أنهار اللبن والعسل.
    هو فقط في أقصى درجاته مجرّد توافق لن يرقى بالضرورة إلى مرتبة ما جدّ أثناء لقاء باريس بين الشيخين راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي، بل مجرّد استراحة بين شوطين، أقصى نتائجها الإبقاء على هشام المشيشي في حال قبل قيس السعيد المقابل أو التخلّص من الرجل في حال دفع قيس سعيّد ما يجب دفعه.
     

    في تونس: من يزرع الرياح يجني العواصف!! HeLEINCa اثنين, 06/21/2021 - 22:43 علم تونس

     

    ليس من بلد في العالم، سواء في الحاضر أو عبر التاريخ، وفي أيّ بقعة في العالم، ينتقل من وضع سويسرا أو فنلندا، على مستوى دولة القانون والعدالة الاجتماعيّة وحريّة التعبير وحقوق الإنسان، إلى ما جدّ في روندا زمن المذابح والحرب الأهليّة، أو ما يجدّ ولا يزال يجري في الصومال من ترهل الدولة وانحلالها، بين عشية وضحاها. أيّ أن ينام الناس على رغد العيش ليستفيق الجميع وقد تأكدوا أن ما كان حلمًا انقضى أو هم يعيشون كابوسًا.

    نسبة المنحدر؟

    تونس خير دليل على هذا التدهور : تفكّك تدريجي ومعلن للوضع الاقتصادي :
    أوّلا : ارتفاع متسارع في أسعار السلع والخدمات، وتراجع للقدرة الشرائيّة، مع ذهاب عدد متزايد من المؤشرات نحو اللون الأحمر، بل اقترابها من منطقة الخطر كما هو حال التداين، في بعده الكمّي، أو في علاقة بالناتج الداخلي الخام، دون أن ننسى تراجع العملة المحليّة أمام العملات الأهمّ، وإن كان الأمر إلى استقرار نسبي راهنًا.
    ثانيا : ارتفاع حدّة التوتّر الاجتماعي بنسبة كبيرة، سواء على خلفيّة الارتفاع الكبير في نسبة التضخّم المالي أو تردّي عدد متزايد من العائلات التونسيّة إلى مستوى الفقر، والفقر المدقع أحيانًا، دون أن ننسى إفلاس عدد كبير من المؤسّسات واقفالها، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، على مستوى النسبة مقارنة بعدد من هم في سنّ العمل. كذلك بقاء أعداد كبيرة من أصحاب الشهادات الجامعيّة العليا دون شغل وما يؤدّي ذلك إلى هجرة الأدمغة، خاصّة في مجال الطبّ عامّة، وتأثير ذلك على مستوى الخدمات الطبيّة المتوفرة سواء في العام أو الخاصّ.
    إلى جانب هذه المؤشرات القابلة للقياس علميا على المستوى الاقتصادي أو التي ينشرها التقرير الأممي السنوي للتنمية على المستوى الاقتصادي هناك إحساس عامّة بالخوف من المستقبل، وعدم تفاؤل بما هو قادم من الأيّام.

    راعيها..

    إضافة أو ما يتجاوز الأبعاد الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي لا يمكن إنكارها، حالة التردّي التي هي عليها أو تردّيها أكثر بفعل الزمن، هناك إحساس عامّ، لا يحتاج إلى عمليّة سبر آراء، هو يقين يزداد لدى العمق الشعبي بأنّ ما يسمّى النخب عامّة والنخب الحاكمة على وجه الخصوص، تبدو غير معنيّة البتّة بما هو تردّ أصاب الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، وبالأخصّ الوضع الصحّي في علاقة بجائحة كورونا، حين تأتي الأخبار بالصوت والصورة، أنّ الحالة في ولاية القيروان تجاوزت قدرة البنية الصحيّة على التحمّل بكثير.
    رئيس الحكومة هشام المشيشي يطالب بوضع الخلافات السياسيّة جانبًا وبدل ذلك الاهتمام بأمّهات المسائل، ممّا يعني بهذا الاعتراف الذي نطق به أحد أعمدة النظام الحاكم، أنّ الاهتمام الذي تبديه الجهات الحاكمة، لا يعني أو بالأحرى لا يعتني بما هو الوضع في جانبه الاقتصادي كما الاجتماعي، أو وضع الجائحة في ولاية القيروان وما سيلي حتما من ولايات أخرى.
    عجمي الوريمي، الذي لا يحتلّ مكانة مرتفعة ضمن هرم النهضة، لكن يمثّل إحدى الضمائر الناطقة ضمن الحركة، كتب نصّا على صفحته على الفايسبوك تحت عنوان «متى يتكلم الغنوشي؟»، جاءت أهمّ فقرة فيها كالتالي : «نحن أيضا نود أن نرى حديث الصراحة والأمل حول التجربة حول السلطات والمؤسسات حول الحكومة ومصيرها حول الأزمة وكيفية الخروج منها حول المصالحة الوطنية ومن عطلها حول العدالة الانتقالية وفائدتها للبلاد واستقرارها حول التنمية والإصلاحات والانتعاش الاقتصادي المتعثر حول الدستور والقانون الانتخابي واستكمال المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المحكمة الدستورية حول العلاقة بين الشيخ الرئيس وبين قيس سعيد حول التحولات في المنطقة وتأثيراتها على بلادنا وحول الانتخابات الماضية والقادمة وظواهر الشعبوية والإقصاء والتوافق بين التيار الإسلامي والتيار الوطني وحول الشباب ومشاركته السياسية وحول الأحزاب والنخب والإعلام ودورها في بث روح الأمل واقتراح الحلول او بث روح الإحباط واليأس..»

    ملح الديمقراطية

    كما يبدو تأتي هموم الشارع مجرّد جملتين في عطف على سلسلة من الجمل الأخرى تخصّ شأنا سياسيّا بحتًا لا علاقة له بهموم الشارع. وجب الاعتراف أنّ من الشعبويّة القول بوجوب أن تهتمّ الطبقة السياسيّة بما هي هموم الشعب حصرًا، لأنّ الجزء الأكبر من هذه الهموم قائم، أو بالأحرى يجد حلّه ضمن الحلول الناجمة عن الخلافات بين الأطراف السياسيّة.
    لذلك لا ضير في أعرق الديمقراطيات أن يتخاصم الفرقاء السياسيين، بل هذا الخصام يشكّل جزءا من ملح اللعبة الديمقراطيّة، لكنّ المصيبة تكمن في درجتين :
    أوّلا : أن تُعرض النخب السياسيّة عن الهموم الشارع وتدير ظهرها لما هي المطالب اليوميّة لعمق شعبي ترتكز همومه في بعد الأمن وكذلك الرخاء.
    ثانيا : إحساس العمق الشعبي بأنّ القيادات السياسيّة لا تولي أهميّة للأولويات المعلنة من قبله، مثل غلاء المعيشة والبطالة وتراجع الخدمات الطبيّة خاصّة في ظلّ جائحة كورونا.

    ديمقراطيّة البلاستيك

    من أخطاء الطبقة السياسيّة الماسكة لشؤون البلاد، أنّها تعتبر صراعاتها الفوقيّة أولى بالاهتمام، بل تعتبرها أمر سابق لأيّ خطّة تنمويّة، مستريحة إلى أنّها في الحكم نتاج عملية ديمقراطيّة وأنّ الشرعيّة يوفّرها الصندوق ولا يمكن نزعها سوى من خلال الصندوق، ممّا جعل هذه الطبقة السياسيّة على يقين بأنّها تتمتّع بفترة سماح مدّتها فترة انتخابيّة بكاملها، في حين أنّ العمق الشعبي، الذي لم يصوتّ في نسبة معتبرة، لا يعتبر التصويت صكّا على بياض، لا يجوز مراجعته بين موعدين انتخابيين.
    عديد الدلائل بالمفهوم العلمي، تؤشر لحالة غليان تشقّ العمق الشعبي، بدءا بالصدمات التي شهدها حيّ الانطلاقة قبل أشهر مرورًا بالعنف الذي عرفته شوارع منطقة سيدي حسين السيجومي منذ أيّام، نهاية بحال اليأس الذي مسّ الجهات الداخليّة، أيّن اليقين قائم بأنّ علاقتهم بالعاصمة، لا تختلف عمّا كانت بين الدواخل وعاصمة الإيالة في الفترة التي سبقت ثورة علي بن غذاهم، دون أن ننسى عنف الملاعب، أخرها ما جدّ في ملعب الملاّسين.
    الخلاصة : الديمقراطيات الجميلة بذاتها، أسوة بشجر البلاستيك، لا تطعم الجياع الذين لن يرضوا سوى بما يسدّ جوعهم.
     

     

  • كمّ العنف دليل على عجز الديمقراطية في تونس HeLEINCa اثنين, 06/14/2021 - 22:09 العنف في تونس

     

    الديمقراطيّة في أبسط تعريف لها، تمثّل الأسلوب الأمثل لحلّ الخلافات بعيدًا عن العنف وفي احترام للذات البشريّة في بعديها الجسدي والمعنوي، بمعنى أخر : من يمارس السياسة ضمن نظام ديمقراطي لا يحمل في ذاته خوفًا من أيّ عنف مادّي أو لفظي أو بأيّ شكل كان، لتكون القناعة المتبادلة بأنّ الخلاف مهما تعمّق لا يمكن حلّه :
    أوّلا : من خلاف العنف والتهديد والتلويح باللجوء إلى وسائل غير ديمقراطيّة
    ثانيا : بوسائل تضرّ بالمصلحة المشتركة وما هو الوعاء الديمقراطي الجامع لمجمل الطيف السياسي.
    من الأكيد أنّ المدينة الفاضلة لا وجود لها وأنّ الذات البشريّة ترتكب (في المجمل وعامّة) الأخطاء وتقوم بتجاوزات، لكن هذه الأخطاء وهذه التجاوزات، تبقى النشاز أو هي الاستثناء الذي لا ينفكّ عن تأكيد القاعدة.

    الاستثناء يقتل القاعدة

    حين نقرأ المشهد السياسي القائم في تونس حاليا، نجد أنّ الدستور ينصّ في أكثر من فصل على ديمقراطيّة النظام، ويبيّن أساليب فرز النخب السياسيّة من خلال الاقتراع العام المباشر، سواء لرئيس الجمهوريّة أو أعضاء المجلس النيابي، ودون ذلك الانتخابات البلدية. مع قدرة الإعلام على قول ما شاء وأراد عمّن شاء وأراد. كذلك لا تعرف البلاد سيطرة لفصيل سياسي بمفرده على الشأن السياسي، ولا سيطرة سلطة على بقيّة السلطات، ولا غلبة لهذا على ذاك.
    في المقابل، نشهد عنفًا شديدًا على مستوى اللفظ عبر الإعلام عامّة والمنابر التلفزيّة خاصّة، دون أن ننسى وسائل التواصل الاجتماعي. عنف عامّ ومتبادل، بطرق عديدة. قام هذا العنف وأسّس في الآن ذاته لعنف شديد تحت قبّة مجلس النواب وصل حدّ تبادل العنف المادي وسيلان الدماء.
    إضافة إلى عنف الإعلام وما نرى من شجار لا ينقطع في مجلس نوّاب الشعب، عنف الشارع هو الآن تفاقم واشتدّ، سواء الاجرام ضمن أشكاله التقليديّة، أو (وهنا الخطر) العنف المرتبط بما هو إحساس بالضيم أوّلا، وثانيا ما هي الرغبة في إسقاط النظام.
    عنف المنظومة الأمنيّة، هو الآخر، يمثّل جزءا من مشهد أعمّ، حين عجزت الحكومات المتتالية منذ 14 جانفي عن:
    أوّلا: بلورة عقيدة أمنيّة جديدة، تقوم في الآن ذاته، على احترام منظومة حقوق الإنسان، وفي الآن ذاته تأمين الحماية للمواطنين عامّة وللمنظومة الديمقراطيّة أساسًا.
    ثانيا: تمكين المنظومة الأمنيّة من التجهيزات الضروريّة والتكوين الملائم لاعتماد هذه التجهيزات وتفعيل جميع الإمكانيات، بغية تفعيل هذا الأمن الحافظ للكرامة البشريّة والحافظ كذلك للأمن العام ضمن المعنى الواسع جدّا لهذا المفهوم.
    ثالثًا: عجز الحكومات المتعاقبة أو هو رفضها التأسيس لمنظومة أمن جمهوري، رغبة منها أو هو السعي لوضع اليد على مفاصل وزارة الداخليّة، سواء لاستعمالها في ضرب الأطراف المنافسة أو (في أضعف الأيمان) من باب درء هجمات الأطراف المقابلة.

    أين العنف، تنتفي الديمقراطيّة

    أمام كمّ العنف الذي تشهده تونس، يمكن السؤال عمّا تبقّى من منسوب الديمقراطيّة التي بشّر بها الجميع بعد 14 جانفي، ليكون السؤال عن حال الانفصام بين أرضية تقدّم ذاتها في شكل ديمقراطي، لكنّها تعتمد العنف اللفظي على الأقلّ أسلوب تخاطب؟
    من دلائل تفشّي العنف اللفظي داخل المشهد السياسي ما نرى من تبادل الاتهامات بممارسة العنف، مع استبطان كلّ طرف أنّه غير عنيف، في لهجة عنف وأسلوب تعبير يدلّ على تشنج في أقصى درجاته.
    هو هرم بكامله : من الخطاب الذي لم ينفك الرئيس قيس سعيّد عن ترويجه بخصوص خصومه، مرورًا بالعنف المتبادل بين أنصار الحكومة وخصومها، أو مواقع التواصل الاجتماعي، وصولا إلى الشارع، الذي لا يفوّت فرصة للتعبير عمّا اختزن من عنف شديد.

    الصاعق أخطر من برميل البارود

    من دلائل العنف الهائل الجاثم على النفوس أن تتحوّل حوادث تأتي عابرة في الديمقراطيات الراسخة، لتتحوّل في تونس، إلى صاعق قد يفجّر براميل العنف الراكدة في النفوس.
    حادثة نزع ملابس المراهق وسحله أمام المارة، وخاصّة وما قلب المعادلة، هاتف سجّل الواقعة، ما كانت لتأخذ هذا البعد السياسي الخطير في دولة غاب فيه الحقد الدفين. هي جريمة تجد طريقها إلى العدالة، لينال الفاعل جزاءه وينال الضحيّة التعويض والرعاية، دون تدنيس لأيّ جهة أمنية بالجملة، وخاصّة دون خروج مئات الشباب إلى الشارع والتحاقهم بشارع الحبيب بورقيبة (وما يحمل من رمز) من أجل إسقاط الحكومة.
    الخطر لا يكمن فقط في حجم العنف الكامن في النفوس وما هو إغراء الانتقال به من حال الركود إلى مجال الفعل والتجسيد المادّي، مع ما يفتح ذلك من أبواب على المجهول، بل في تمادي القول بقدرة الديمقراطيّة القائمة على حلّ جميع المشاكل وفضّ الخلافات مهما كانت طبيعتها.
    القول بعجز المنظومة الديمقراطيّة عن الوقوف في وجه كمّ العنف الراكد في النفوس لا يعني رفض الديمقراطيّة في ذاتها، كما يرى من لا يرون هذا العنف، ويعتقد أنّها (أي الديمقراطيّة) قادرة أشبه بعصا موسى، على امتصاص العنف مهما بلغ وإذابة البغضاء الماثلة أمامنا. 
    يخطأ من يعتقد يوما بأنّ أيّ ديمقراطية قويّة بذاتها مهما كان الظرف ومهما كانت تصرّفات من يدّعون أنّهم على مذهب الديمقراطيّة، ويرون فيها ذلك الحصن المنيع، الشبيه بالعصا السحريّة القادرة مثلما نرى في أفلام الخيال، القادر على تحويل الشرّ المطلق إلى خير عميم.
    في المقابل الديمقراطيّة لا يمكن أن تتحوّل إلى مجرّد سيف مسلول على الرقاب (كما نرى راهنًا في تونس) يهدّد بالويل والثبور من يخالف في الرأي أو يذهب خلاف ما يرى الماسك بناصية هذه الديمقراطيّة.

    هل فات الميعاد؟

    عندما يبلغ العنف نقطة يستحيل معها الرجوع إلى نقطة البدء، أو (على الأقلّ) مغادرة منطقة الخطر، لا معنى لأيّ بحث عن الظالم ومن هو في عتاد المظلومين، لأنّ ذلك ترف فكري يتجاوز همّ اللحظة، وقد صار العنف أشبه بالزلزال العاصف، رأينا منه ضربات استباقية، لنشهد بعد مروره أخرى ارتداديّة.
     

    المال ليس المشكل، بل «قنوات الصرف»! HeLEINCa اثنين, 05/31/2021 - 20:33 هشام المشيشي في قطر

     

    من الطبيعي، ومن حقّ رئيس الحكومة هشام المشيشي أن يفخر، أو هو يفاخر، بكلّ دولار يستطيع تحصيله من الخارج، بغية إثراء خزينة تكاد تكون خاوية. ذلك لا يمنعه البتّة من حقّه في تحسين رصيده ضمن الحرب المعلنة والمفتوحة التي تجمعه برئيس الجمهوريّة.
     الأمر جزء من جدليّة هذا الصراع المفتوح على مصراعيه دون هوادة ودون حدود. لكنّ السؤال الذي يأتي بعد الدهشة والانبهار أمام الأرقام المعلنة، بمعنى ذلك الإحساس الذي يشعر به من كان رأسه تحت الماء يعاني من نفاذ الأكسجين، وفجأة يخرج إلى هواء شديد النقاء، يكمن في المنافع التي سيجنيها الاقتصاد التونسي في بعده الكمّي أوّلا، وثانيا (والأهمّ) ما هي تأثيرات هذه الأموال على حياة المواطن العاديّة؟

    من يترجم الوعود إلى ملموس؟

    أمام مشهد حرب الاستنزاف بين قرطاج والقصبة، وبتالي غياب أيّ رؤية طويلة الأمد فعلية وفاعلة قابلة للتطبيق للتوّ، لا يمكن الحديث أصلا عن «إنقاذ» الاقتصادي التونسي، لأنّ الجميع، من سياسيين وخبراء متأكد من استحالة :
    أوّلا : مغادرة «عنق الزجاجة» اقتصاديّا، بمجرّد تدفّق الأموال من أيّ مصدر كان. أي صورة الصحراء القاحلة، التي تصبح خضراء، بل «الجنّة على الأرض»، بمجرّد نزول المطر.
    ثانيا : الإقدام أو الشروع، أو حتّى مجرّد إعلان النوايا بالمضيّ في برنامج «إصلاح» فعلي وفاعل في ظلّ «المناخ» السياسي الحالي. 
    بالخلاصة : ما الذي يجعل مصير هذه الأموال يكون مخالفا لمصير مليارات الدولارات التي دخلت الخزينة قبلها؟

    الحبل على الغارب

    المثير للسؤال عند النظر إلى تعمّق أزمة الدين العام في تونس ليس فقط الرقم في ذاته، بل نقطتين:
    أوّلا : وصول نسبة الدين العام مقارنة بالناتج الوطني الخام، حدّ المائة في المائة، وهي نسبة جدّ خطيرة، تهدّد بوضع الاقتصاد والبلاد على حافة الهاوية.
    ثانيا : أنّ هذه المبالغ المهولة التي دخلت خزينة الحكومات المتتالية، لم يتمّ صرفها في تحسين البنية التحتيّة أو إنتاج الثروة بأيّ صورة كانت، ممّا كان سيجعل الاقتصاد التونسي مستفيدا بأشكال عديدة، وقادرًا على السداد في أريحيّة لا تهدّد الاستقرار بأيّ معنى كان.

    سيكولوجيا، وعند مطالعة خطاب رئيس الحكومة ومجمل التصريحات الصادرة عن مسؤولين في الحكومة، يمكن الجزم أنّ الهدف المعلن لم يعد يتجاوز «الإنقاذ»، بمعنى بقاء رأس الاقتصاد التونسي المهدّد بالغرق فوق الماء، دون أدنى تفكير جادّ في إخراج الاقتصاد بكامله من هذا اليمّ، حين يؤكّد الخبراء، أنّ عديد «العواصف» تهدّد البلاد، مثلما كان الحال مع جائحة كورونا، ليكون السؤال فعلا:
    هل يقدر الاقتصاد التونسي على تفادي الغرق في المرّات القادمة؟

    الحلم التونسي

    من منظور علمي بحت، وعند الاطلاع على عديد المؤشّرات، منها «نسبة الادخار» الذي تراجع بنسبة كبيرة مقارنة مع السنوات الفارطة، نجد أنّ هذه النسبة في أفضل حالاتها، عاجزة عن تأمين ما يكفي من سيولة يمكن استثمارها (سواء من قبل الدولة أو القطاع الخاصّ) في قطاعات منتجة للثروة وموفرة لما يكفي من مواطن الشغل لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المقبلين على سوق الشغل. كذلك لم يعد من الممكن بل هو يستحيل المضي قدما في دوّامة التداين بأيّ صفة كانت.
    الحلّ الأوحد والوحيد يكمن في جلب ما يكفي من «الاستثمارات الخارجيّة المباشرة»، في قطاعات ذات قيمة مضافة جيّدة، أيّ التكنولوجيات الحديثة بأصنافها، أين كفاءة اليدّ العاملة تأتي أهمّ بكثير جدّا من المسعى وراء «أقلّ أجر ممكن». لذلك لا يستطيع أيّ رئيس حكومة قائمة أو قادمة جعل البلاد جالبة للاستثمار بما يكفي دون :
    أوّلا : تبسيط مجلّة الاستثمار والحدّ أقصى ما يمكن من شروط انشاء المؤسّسات الاقتصاديّة، دون التفريط في سيادة الدولة بأيّ شكل كان.
    ثانيا : تحديث الإدارة التونسيّة والتأسيس لروح جديدة، تجمع بين الفاعليّة (التي يطلبها المستثمر) والشفافيّة (التي تشترطها الدولة).
    ثالثًا : بناء منظومة جبائيّة، في الآن ذاتها، تشجّع على الاستثمار الداخلي كما الخارجي، وتكفل العدالة الجبائيّة.
    رابعًا : الدخول في شراكات استراتيجيات مع دول الجوار خاصّة، والعمق المغاربي والعربي والإفريقي، سواء لجلب رأسمال أو ترويج المنتوج التونسي.
    بالملخصّ : هل يقدر هشام المشيشي أو على الأقلّ هل يملك مشروعا للقضاء على الفساد والتهريب؟
     

    Subscribe to شكشوكة محرحرة