fbpx على هامش الانفلات الاحتجاجي: هيبة الدولة لا تسترجع بالشعارات الرنانة والخطب الجوفاء ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

على هامش الانفلات الاحتجاجي: هيبة الدولة لا تسترجع بالشعارات الرنانة والخطب الجوفاء !

Share


مع تواصل الاحتجاجات في عدد من ولايات البلاد على غياب التنمية وانعدام مواطن الشغل وتدهور المقدرة الشرائية في ظل ارتفاع الأسعار وتفاقم حالة الفقر، تذكّرت حكومة السيد هشام المشيشي أنّ أحد أوكد مهامها هو حمايةُ الدولة التونسيّة من ظاهرة "التنسيقيّات العشوائية" وأعلنت عن اعتزامها بتطبيق القانون بصرامة ضد كل من يعطل الإنتاج أو وصول المستلزمات الحيوية للمواطنين. 
وإذ قلنا أنّها تذكرت، فذلك لأنّ تأخرت في التعامل مع تداعيات تصريح رئيسها الذي بشّر بتطبيق "الوصفة الكامورية" على كلّ جهات البلاد، وخصوصًا في مناطق إنتاج الثروات الطبيعية، ما فتح الأبواب مشرعةً أمام أشكال احتجاجية "عشوائية" باتت تشكّلُ تهديدًا صريحًا لوحدة الدولة. ومن التجنّي بمكانٍ ههنا ان نفرد رئيس الحكومة باللوم وحده، فهذا رئيس الجمهورية، ضامن وحدة التونسيين والبلاد، تعامل مع الانفلات الاحتجاجيّ ببرود غريبٍ، قبل أن يتذكّر بدوره أنّ الدولة، ككيان جامع لكلّ التونسيين، باتت هي الأخرى مهددة بالتفكيك جرّاء "تنسقيّات الفانات"، ويخرج من غيبوبته القصيرة ليعلن بأسلوب إنشائيّ جافّ وفجّ أنّ" أي محاولة لابتزاز الدولة ستتكسر، وأي محاولة لضرب مرافقها الحيوية والعمومية سنتصدى لها بأكثر مما يتصورون، كرسي الرئاسة ليس بالسهل و محاولات استدراجنا إلى مستنقعاتهم ستبوء بالفشل. يوجد محاولات للتسلل إلى داخل الدولة لكنها ستخيب، الدولة التونسية واحدة وقوية وستستمر"، متهمّا في غضون ذلك الأشباح و"الآخرون" بالتآمر على كرسيّ الرئاسة، قبل أن يدعم رئيس حكومته في خطوته تحو إنفاذ القانون بالقوة.
والحقّ أنّ تعامل رأسيْ السلطة التنفيذية مع الازمة الاحتجاجيّة الأخيرة، نزع آخر أوراق التوت نهائيا عن أسطورة "هيبة الدولة" و"إنفاذ القانون"، إذ اتضح بالكاشف أنّ كلا الرّجلين أضاعا الكثير من الوقت، خوفًا ربّما من ردود أفعال النخب السياسية أو المواطنين، أو ربّما في انتظار ما ستوفّره الاحتجاجات من حصادٍ "سياسي" سهلٍ (وهذا ما ينطبق على حالة رئيس الجمهورية)، دون أن يدركا أنّ انزياح الاحتجاجات المشروعة عن إطارها المرجعيّ، أي القانون، يعدُّ المدخل الرئيس للتمرّد على النظام والعصيان المدنّي وتفكيك الدولة من الداخل.

هيبة الدولة.. المأزق الأخلاقي!

ولن نضيف جديدًا إن قلنا إن البلاد تمرّ اليوم بأزمة اجتماعية وأخلاقية، تأتي لتنضاف إلى أزمتها السياسية والاقتصادية والصحية، وتؤشر على ظواهر اجتماعية خطيرة تطال العلاقة بين المواطن والدولة وتمتد الى ما هو أبعد من مناخ عدم الثقة الحالي. والحقّ أن ظاهرة التنسيقيات تحديدًا تحتاج إلى وقفة تأمّل عميقة تتعدّى الاتهامات التي توجه هنا وهنالك، بأسلوب إنشائي فجّ، لتشمل الطريقة التي تدارُ بها الدولة بل والهوة التي ما انفكت تتسعُ بينهما وبين المواطن كلّ يومٍ حدّ بروز أشكال احتجاجيّة غريبة باتت تهدد الأمن القومي للبلاد.
ففي الأسابيع القليلة الماضية تمّ إطلاق سراح أحد كبار المهرّبين في تطاوين، وكنيتهُ "الغول"، بعد أن هاجم دوريّة للديوانة، استجابة لـ"أوامر" متعصمي الكامور، ما أظهر الدولة، ككيان مفاوض، في أتعس حالاتها التفاوضيّة، علما أنّ هذه ليست المرّة الأولى التي تلوى فيها يد "الدولة" على ذلك النحو، والكلّ يعلمُ تقريبا مدى تغلغل أباطرة التهريب و"الكونترا" وحيتان الفساد المالي فضلاً عن رموز الشعبوّية النيابية داخل أوساط المتحجين، وقدرتهم على تحويل وجهة أكثر من احتجاج مشروعٍ لجني فوائد آنيّة لن يتحصّل عليهم المحتجون أنفسهم مهما بحّت أصواتهم. كما عرّى "الاتفاق الملغوم" مع "الكاموريين" ما تعيشهُ الدولةُ من ضعفٍ وهوانٍ، خصوصا مع مسارعة رئيس الحكومة، وبكل السذاجة الممكنة، إلى صبّ الزيت على النّار حين صرّح بإمكانية تعميمه على كلّ الجهات الداخليّة للبلاد، وهو ما حوّل البلاد إلى ما يشبه بؤر مشتعلة، كل واحدة مستقلّة عن الأخرى، ليدفع المواطنُ بالنهاية ثمنًا لذلك. 
وفي الواقع، بوسع رئيس الجمهورية مثلاً أن يلقي باللائمة على "الآخرين"- وعدم تسمية هؤلاء يقيمُ الدليل للمرة الألف على ضعف الدولة أمامهم- وأن ينخرط، وإن بـتأخير كبير، في منطق الردّ على أي تهديد يمسّ وحدة الدولة، ولكن هل من المنطقي أن يبقى المواطن التونسيّ محكوما بالانتظار حتى يتمّ تحويل وجهة الاحتجاجات عن أهدافها المشروعة، ومن ثمّة يقرّ رأسا السلطة التنفيذية، بأنّ ما يحدثُ هو خروج واضح عن القانون، دون أن تقدّم مبررا منطقيا واحدًا يبرر احجامها عن التدخّل قبل انفلات

الأوضاع؟  

هذا هو المأزق الأخلاقي الذي تعانيه البلاد، إذ طغت "الحسابات السياسية" و"معارك التموقع" و"الخلافات المعوّية" داخل السلطة، على منطق إدارة الدولة نفسها، خصوصا مع فشل الطبقة السياسية برمتها في تقديم أجوبة شافية وعمليّة لمآزق التنمية في البلاد. ولذا سيكون من الطبيعي، والحالُ هكذا، أن تترك مطالب المواطنين المشروعة في التشغيل والتنمية العادلة ومعالجة تدهور المقدرة الشرائية في ظل ارتفاع الأسعار والقضاء على الفقر، بين أيادي شرذمة انتعشت تجارتها داخل أعماق الداخل المهمّش، بصمتٍ وتواطؤ من الدولة نفسها. فمن من التونسيين لا يعرفُ أنّ ولايات كالقصرين والكاف وقفصة ومدنين وغيرها هي "إلدورادو" حيتان التهريب، وتجار العملة والمخدرات، ممن راكموا الثروات الطائلة التي يقعُ وزنها بالميزان، بينما يقبعُ سكان تلك الولايات تحت خطّ الفقر بأشواط؟ بل من يجهل أنّ بعضا من هؤلاء تسربوا إلى قبّة البرلمان واشتروا المقاعد والنواب بعدما موّلوا أحزابا بعينها؟
ولهذا تعدّ "العنتريات" الإنشائية من قبيل "كل محاولة لابتزاز الدولة ستكسر" و"يوجد محاولات للتسلل إلى داخل الدولة لكنها ستخيب" بمثابة ذر للرّماد على الأعين، ومحاولة متأخرة لفرض هيبة دولةٍ، تبتزُّ يوميا بل ولم تعد تحتاجُ إلى محاولات التسللّ، طالما أن عتاة مخربّيها يتمتعون إما بالحصانة المباشرة أو بحصانة الأحزاب. 

نعم لدولة القانون.. نعم لشرعية العدل

ومع ذلك، سيكون من السخف أنّ نتهم هؤلاء فقط باستغلال الاحتجاجات الشعبية التي نصرُّ على أنها مشروعة تماما، لأنّ الخطأ كلّ الخطأ تتحمّله المنظومة السياسية الحالية التي نفخت البطون بالشعارات الزائفة قبل أن تترك الشعب ليواجه الأزمة بمفرده. ذلك أنّ هذا الشعب نفسه يرى بأمّ عينيه ورأسه وكلّ أعضائه كيف يفلت "الكبار" من العقاب يوميّا، وكيف يطوّع القانون لخدمة مصالح فئات مالية واقتصادية وسياسية ضيّقة، بل ويعاينُ كيف دخل بعض النواب إلى المجلس فقراء وكيف تحوّلوا إلى أثرياء ومن ملاك الشقق. أجل هذا الشعبُ يعاينُ يوميّا سيطرة أوليقارشيات قطاعية على مفاصل البلد، وصمت الدولة على رموز الفساد والإفساد (وبعضهم يدور في فلك حزام رئيس الحكومة)، وإفلات العائلات من التدقيق المالي والمحاسبيّ، وعدم انتفاع الجهات بثرواتها الطبيعية، وسيطرة الخارجين عن القانون، من مهربين وغيرهم، على الشريط الحدوديّ، وانتشار الفساد بشتى أنواعه في كلّ مفاصل البلاد، فكيف لا نطالبهُ بالاحتجاج مثلاً بل كيف نحرمهُ من حقه في التعبير عن عدم ثقته في طبقة سياسية فعلت كلّ ما بوسعها لتعيد البلد سبعين سنةً إلى الوراء.
إنّ هيبة الدولة هي من هيبة مواطنيها، وهيبةُ المواطنُ لا تتحقق إلا عندما يعاينُ تطبيق القانون على الجميع دون محاباة أو تمييز، ويعاينُ عمليّة توزيع الثروة بطريقة عادلة، ويرى تحقق كلّ ما رفعه من شعارات في وجه الطاغية المخلوع أي شغل، حريّة، كرامة وطنيّة. ولا شكّ أن نقيض غياب هيبة المواطن، ومن ثمّة هيبة الدولة هو الفوضى والانفلات والخروج على القانون وحماته من رجال القضاء الامن والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة والعبث بمقدرات الوطن وإشاعة روح التخاذل واليأس، لكن ذلك لا يعني معالجة الأزمات بالعنف الأمني المبالغ فيه أو الشعاراتية الجوفاء. فمفهوم هيبة الدولة لا يعني قطعا جبروتها أو انعزاليتها وترفعها بل وانفصامها عن مشاكل الناس ومشاغلهم، بل هو لحظةُ تكامل بين الدولة ومواطنيها، تضعُ الجميع حكاما ومحكومين تحت سقف القانون المطبق على الجميع بعدالة ودون أي تهاون، داخل إطار مرجعيّ هو العدالة الاجتماعية.
 

 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
هيبة الدولة القانون قيس سعيّد هشام المشيشي التهريب احتجاجات الكامور
Share