fbpx فعلتها المغرب: لماذا لا تنتفض تونس على الهيمنة التركية وتنقذ مستقبل أجيالها؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

فعلتها المغرب: لماذا لا تنتفض تونس على الهيمنة التركية وتنقذ مستقبل أجيالها؟

Share


في خطوة جريئة، قامت الحكومة المغربية بفرض قيودٍ جديدة على المنتجات المصنَّعة في تركيا لمدة خمس سنوات، لترتفع الرسوم الجمركية على المنسوجات التي تحمل أختامًا تركية بنسبة 90 %، كما أجبرت سلسلة مغازات "بيم" التركية المنتشرة في المغرب، التي تعتمد على بيع المنتجات التركية هناك، بأن يكون نصف المعروض في جميع متاجرها من إنتاج مغربي، محذرة العلامة التجارية التركيّة من أنه في حالة عدم الالتزام سيتم غلق 500 متجرًا تمتلكها في المغرب.
 في الواقع، لا يوجدُ سرٌّ في ما أقدمت عليه المملكة المغربيّة الشقيقة فقبل سنواتٍ قليلة ضجّ التجار والحرفيون وأصحاب المؤسسات الاقتصادية بالشكوى بعد أن غزت المنتجات التركية الاقتصاد المغربي واستنفزت صناعاته المحليّة متسبّبةً في انهيار قطاعاتٍ بأكملها وارتفاع نسب البطالة، بعد أن أجبرت مؤسسات بطمّ طميمها على إغلاق أبوابها أو تغيير نشاطها، ما حدا بالسلطات المغربية إلى التلويح في أوائل شهر جانفي من العام الحالي بإلغاء اتفاقية التبادل التجاري الحر مع تركيا، إن لم تتوقّف هذه الأخيرة على التعامل مع الاقتصاد المغربي كبقرة حلوبٍ دونَ أن تضخّ فيه ولو ليرةً واحدة، على شكل استثمارات مباشرة أو غير مباشرة، كما تنصّ الاتفاقيّة على ذلك. 
في تونس، يبدو الوضعُ مشابهًا جدًّا لما يحدثُ في المغرب، بيد أنّ ما يشكّلُ نقطة الاختلاف الجوهريّة بين البلدين، هو عجز السلطات التونسيّة على التعامل مع الغزو التجاريّ التركي، بسبب وجود قوّة دعم سياسي واقتصاديّ للمصالح التركية في تونس، ممثّلة في حركة النهضة التي استثمرت سنوات حكمها الأولى، ضمن ما يعرف بتجربة الترويكا 1 و2، في تعزيز حضور الوجود الاقتصادي التركي في تونس، من خلال شبكة من المتعاملين التجاريين التونسيين معها، انخرطوا في مسار توريدٍ عشوائيّ شمل كلّ المنتجات تقريبًا، بما في ذلك المحركات المستعملة والخردوات، فضلاً عن تسهيل مهمّة الاختراق الثقافي من خلال المسلسلات التي وصل الأمرُ بالسفارة التركية حدّ تقديمها بأسعار متدنيّة (وفي بعض الأحيان مجّانًا) إلى المؤسسات الإعلامية التونسية، على غرار قناتي نسمة وحنبعل، الأمرُ الذي ساهم في تعزيز قبضة الأتراك على الاقتصاد التونسي.

قوّة تجاريّة غاشمة

في الواقع، يتفق الخبراءُ المحليون منهم والدوليّون، على توصيف تركيا بالقوّة الاقتصاديّة الغاشمة التي تحاولُ السيطرة على جنوب وشرق حوض البحر الأبيض المتوسّط، مستغلة التراجع التاريخي لدول الاتحاد الأوروبيّ. ويعدُّ العام 2004، نقطة تحوّل تاريخيّة في العلاقات بين تركيا ودول المغرب العربي، ففي هذا العام، وقعت تركيا مع المغرب وتونس، اتفاقيتي تبادل تجاري حر، قبل أن تقوم بتعزيز حضورها الاقتصادي مع الجزائر وليبيا وموريتانيا، معتمدة على قاعدة "رابح-رابح" (Win-win) التي تكتسح بها أسواق عديدة بالقارة الأفريقية. والكلّ يتذكر تقريبًا كيف آلت مشاريعُ عملاقة في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى مُجمعات تركيّة، كمطار النفيضة، الذي انهار جزء من سقفه في العام 2018، ومشروع ميناء المياه العميقة بين النفيضة وبوفيشة، التابعتين لولاية سوسة، وهو مشروع لم ير النور أبدًا. 
والحقّ أن تركيا حقّقت خلال عقد ونيف قفزة هائلة في علاقاتها التجارية مع البلدان المغاربية، مستغلّة تعثّر مفاوضات تونس والمغرب لتوسيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبيّ، وتراجع الحضور الأوروبيّ في جنوب المتوسط، لتضع يدها على منطقةً تعتبرُ بوابةً جيو-استراتيجية لغزو الأسواق الإفريقية. لقد بدا الأمرُ وكأن مصالح تركيا التقت بالمصالح التونسيّة والمغربية، لكسر الهيمنة الأوروبيّة وتعالي الجار الشمالي الذي يرفض فتح أبوابهُ أمام الهجرة، وهو ما عززتهُ تركيا بإلغاء التأشيرة تمامًا أمام مواطني دول شمال افريقيا (القرار يسري في الواقع على كل مواطني الدول العربي التي تعتبرها تركيا مجالاً حيويّا) في إطار شراكات تجارية واقتصادية متعددة الأطراف. ومع سوق واعدة تقدّر بحوالي 100 مليون مستهلكٍ، فعلت تركيا كلّما بوسعها لتحويل المنطقة المغاربيّة إلى قاعدة خلفيّة تضمنُ لها التوسّع في إفريقيا، فبعد توسّعها في تونس والمغرب، تحوّلت تركيا إلى الشريك الاقتصادي الأول في أفريقيا للجزائر، إذ يعمل البلدان حاليا على رفع حجم المبادلات بنسبة 40 في المائة سنويا، في انتظار توقيع اتفاق تبادل تجاري حر بينهما.
 وبالمثل عزّزت تركيا من حضورها في موريتانيا التي وقّعت معها عشرات الاتفاقيات رفعت من خلالها حجم المبادلات التجاريّة بنسبة 6 مرات خلال 10 سنوات. كما تسبّب تعاظم الدور التركي في ليبيا في هيمنة الأتراك على 80 بالمائة من المبادلات التجارية، مزيحة تونس التي تعدّ الشريك الجاري الأوّل لليبيا، والتي تراجعت مبادلاتها مع الجارة الشرقية بنسبة 50 في المائة خلال السنوات التسع التي أعقبت الثورة في تونس وسقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

خسائر اقتصادية كبيرة

وعلى عكس الاقتصادين الجزائري والليبي الذين يعوّلان تمامًا على عائدات الثروات الطاقية لتمويل واراداتهما، تسّببت القوة التجاريّة التركية في خسائر اقتصادية فادحة لكلّ من المغرب وتونس.
 ففي المغرب، شهد الميزانُ التجاري عجزا تجاريا قيمته 1,8مليار يورو (حوالي 6 مليار دينار)، وتكبد بعض القطاعات الاقتصادية خسائر فادحة منها قطاع النسيج الذي خسر خلال السنوات الأخيرة أكثر من  140 ألف موطن شغل.
 أمّا في تونس، فلقد أظهرت بيانات بلوغ العجز التجاري مع تركيا إلى حاجز المليار دولار (3 مليار دينار)، مع هيمنة تركية واضحة، بلغت حدّ استيراد 80 بالمائة منها مقابل تصدير 20 بالمائة من المنتجات التونسية إلى تركيا. 
وللتذكير، وافق البرلمان التونسي في شهر نوفمبر من العام 2018 على تمكين الحكومة من تطبيق رسوم جمركية استثنائية على البضائع التركية التي أغرقت السوق المحلية، وذلك برفعها لتصل إلى حدود 90 بالمئة من الرسوم المطبقة حينها، بيد أنّ هذا القرار ظلّ حبرًا على ورق.
صحيحٌ أنّ التوجّه التركيّ العام يعزّزُ من مقولة "القوة الغاشمة"، بيد أن اختلال الميزان التجاري لصالح تركيا، لا يمكنُ تفسيرهُ بطمع أنقرة وجشعها وتطلعها إلى بسط سيطرتها على الدول المغاربيّة، فالفساد المستشري في قطاعات واسعة داخل الاقتصادين المغربي والتونسي، وضعف تنافسيّة منتجاتهما وارتفاع أسعارها مقارنة بالبضائع التركية، والاعتماد شبه الكلّي على الدعم الحكومي للإنتاج، تعدّ من العوامل المؤثرة في خضوع هذين البلدين للهيمنة التركيّة. على أن ذلك لا ينفي أن مبدأ الشراكة بقي من الأساس حبرًا على ورق.
 ففي الحالة التونسيّة، يقدّر حجم الاستثمارات التركيّة في تونس ب 400 مليون دينار (138 مليون دولار)، وهو مبلغٌ ضئيل للغاية، علما أنّ ثمة 26 شركة تركية فحسب تستثمرُ أموالها في تونس من بين 3455 شركة أجنبية تنشط في تونس. كما عززت تركيا حضورها "النوعي" في تونس، من خلال اختراق سوق المعدات العسكريّة من خلال تركيز وحدتين صناعيتين؛ الأولى لإنتاج الصدريات المضادة للرصاص، والثانية لصناعة المعدات، و اللتين تتبعان شركة "نورول" التركية المختصة في الصناعات العسكرية. 

شراكات على الورق

وفي الواقع، تدينُ تركيا إلى ثورات "الرّبيع العربي" وصعود التنظيمات الإخوانية في المغرب وتونس، بنجاحها في بسط نفوذها على اقتصادي البلدين، وتحويلهما إلى قاعدة خلفية لاختراق الأسواق الأفريقية.
 فاتفاقية التبادل الحر مع تونس مثلاً، تلك التي تمّ توقيعها في 2004، لم يقع تفعيلها عمليّا إلا بعد عام 2011، أي بعد صعود حركة النهضة إلى الحكم ما تسبب في تفاقم العجز التجاريّ بين البلدين، بسبب عدم تكافؤ القيم المضافة، إذ أنّ تركيا بلدٌ صناعي ناشئ يصدّر سنوياً 268 مليار دولار، بينما تراجعت قدرات تونس التصديرية بعد الثورة نتيجة تهرّأ نسيجها الصناعي واعتماده المفرط على نموذج "المناولة" أو "الطرف الثالث المصنّع". كما أدّى رفع القيود الجمركية عن المنتجات التركية إلى اكتساحها السوق المحليّة التونسية، مقابل ضعف الصادرات التونسية إلى تركيا. على أنّ سياسة الإلحاق الاقتصادي لم تكن الحصيلةُ الوحيدةُ في ميزان "العلاقات التونسية التركية"، تحت حكم إسلاميي تونس- وهوما تواصلُ بلادنا دفع ضريبتهُ إلى الآن- بل يتعداهُ إلى الغزو الثقافي، من خلال دبلجة المسلسلات التركية، وتحوّل تركيا إلى مزار سياحي إلى التونسيين، بعد انخراط وكالاتُ الأسفار في سباق محموم نحو تحويل الوجهة التركية إلى وجهة جاذبة للتونسيين، على حساب مناطق أخرى في العالم، بل وعلى حساب السياحة الداخلية في تونس، علاوةً على الجانب السياسيّ، إذ تحوّلت تونس في عهد الترويكا إلى إيالة عثمانيّة، تدينُ بالولاء لعاصمة خلافة أردوغان التي تحوّلت بدورها إلى ممرّ آمن لإرهابيي العالم الذين غزوا العراق وسوريا على سبيل المثال، وهو ما نجدُ آثارهُ اليوم في الجارة ليبيا، من خلال وجود أعداد كبيرة من المرتزقة السوريين والعرب (من بينهم تونسيون) يحاربون على الأرض الليبية حماية للمصالح التركيّة.
ولقد بات من الواضح أن تركيا تولي أهميّة استراتيجية للشقيقة ليبيا تحديدًا، إذ عززت من حضورها العسكري فيها، وعززته باتفاق أمني وبحري، لتأمين مصالحها من سوق الطاقة الليبية، وهو ما أثار غضب العواصم الأوروبية والعربيّة. بالمقابل، ارتقت العلاقات بين تركيا والجزائر، إلى مرتبة الشراكة الاستراتيجية، إذ تتقارب مواقفهما بخصوص عدد من الملفات الإقليمية (خصوصا الملف الليبي)، علاوة على تقاربهما غير المعلن مع الصين وروسيا، أكبر شريكين للجزائر. وهذه الأدوار "التركية" تساهمُ في تحويل المنطقة المغاربيّة برمتها إلى برميل بارودٍ قابل للاشتعال في أيّة لحظة. 

تونس بوابة افريقيا

غير أنّ طموح الاتراك لا يتوقف عند ربط المنطقة المغاربيّة بسياساتها، وهو ما انتفضت عليه المغرب، بل تسعى إلى وضع قدم في إفريقيا نفسها مستغلّة مثلاً انضمام تونس إلى "كوميسا"، وهي واحدة من أبرز الأسواق المشتركة في العالم حيث تضم 19 بلدا من دول شرق أفريقيا بتعداد سكان يبلغ قرابة نصف مليار نسمة.
ويسيلُ انضمام تونس إلى هذه السوق (منذ بداية شهر جانفي الماضي) لعاب تركيا فمجموع الناتج الإجمالي لمجموعة يقدر بنحو 800 مليار دولار والمبادلات التجارية بين بلدانها تصل إلى حدود 250 مليار دولار سنويا. علما أن الاتفاقية الإطارية لكوميسا تنصّ على تحرير منتجات قطاعات الزراعة والصناعة وكذلك الخدمات وغيرها من القطاعات الاستراتيجية. كما أن انضمام لتونس لهذه المجموعة يخول لها آليا الانضمام إلى منطقة التبادل الحر الثلاثية المكوّنة من كوميسا ومجموعة الشرق الأفريقي (إي.أي.سي) ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (أس.أي.دي.سي)، وهو ما يعدّ "صفقة هائلة"، تعزز الصادرات التركية من البوابة التونسية.
وبعيدا عما يثيره الدور التركي المتعاظم من مخاوف لدى النخب السياسية والاقتصادية، فإنّ الثابت الوحيد في الأمر، أن تونس وباقي الدول المغاربيّة، هي المتضرر الوحيد من شراكات مبنيّة على الجشع والطمع. وإذ كانت المغرب قد سارعت إلى وضع النقاط على الحروف في علاقتها بتركيا، لإداركها أنّ شراكةٍ مبتورة الأطراف كهذهِ، عادت عليها بالوبال، فإنّ الوضع في تونس يبدو مختلفا تماما، فلتركيا لوبي حقيقي في تونس، يتحكّم في جزء من النسيج الخدماتي والتجاريّ، وله كتل برلمانيّة وازنة، بمقدروها إجهاض أيّ إجراء حمائيّ يهدفُ إلى حماية الاقتصاد التونسي ويبعد بلادنا عن مغبّة التورط في الصراعات الإقليمية. 
وما من شكّ في أن تركيا تنظر إلى تونس كمنطقة نفوذ مباشر لها، منطقة لا ترغبُ في خسارتها وهو ما يفسّر تعاملها الحذر مع الدعوات المناهضة لها، مكتفية بمنح توكيلٍ حصريّ لطابورها الخامس، ليتولّى الدفاع عنها، ذلك أن خسارة تونس بالنسبة إلى تركيا، تعدُّ خسارةً لسوق إفريقيّة بكرٍ يتنازعُ اللاعبون الدوليون الكبار عليها. 
وإذ سعت تركيا أردوغان إلى توطيد علاقتها مع تونس، التي اتّسمت بفتورٍ طيلة عقودٍ من النظام السابق، فذلك ليس حبّا فيها، بل لإدراكها لأهمية موقع تونس الاستراتيجي، رغم ضعف اقتصادها وصغر حجمها، ما يسهّل من عمليّة وضع اليد على ثروات المنطقة، بعد أن نهبتها من خلال اتفاقياتها التجاريّة المتوحشّة. 
فمتى يتحرّك العقل السياسي في تونس لتحديد أطر العلاقة مع تركيا، كما فعلت المغرب، والحدّ من خسائر الاقتصاد الوطني؟
 

 

محاور
تقديرموقف
الكلمات المفاتيح
تونس تركيا المغرب الجزائر كوميسا ليبيا
Share