fbpx في تونس: تعددت المبادرات والحوار غائب ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

في تونس: تعددت المبادرات والحوار غائب !

Share


مثلما كان متوقّعًا، وضع رئيس الجمهوريّة جملةً من الشروط للقبول بمبادرة اتحاد الشغل، أي الإشراف على حوار وطني تشكلُّ مخرجاته معالم خارطة طريق تخرج البلاد من أزماتها المتراكمة، وهذه الشروط يمكنُ إجمالها في: استثناء "الفاسدين" من الحوار، والاستجابة لمطالب الشعب بعيدًا عن الحسابات السياسيّة الضيّقة وألا يكون الحوارُ نفسه تكرارًا للتجارب السّابقة. فبخصوص النقطة الأولى، استثنى رئيس الجمهوريّة حزب قلب تونس تمامًا من معادلة الحوار، بينما راهن في النقطة الثانية على إفشال مبادرة رئيس مجلس نوّاب الشعب، راشد الغنوشي الذي يريدُ حوارًا على المقاس يناقشُ محورين تحديدًا، أي الاقتصادي والاجتماعي، دون مساسٍ بجوهر العملية السياسية، فيما تشكل النقطة الثالثة، قطعًا واضحًا وصريحًا مع نسختي الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، أي قرطاج 1 و2. 
وبقطع النظر عمّا في شروط رئيس الجمهوريّة من مضامين تعكسُ رؤاه الشخصية، وهو ما كنا قد تطرّقنا إليه في مقال سابق، فإنّ الثابت في الأمر أن شروط رئيس الجمهوريّة في طريقها إلى أن تجهز على مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، وهي مبادرة لا نعرف عنها الكثير باستثناء ارتكازها على ثلاث محاور رئيسية، تشملُ السياسي والاقتصادي والإجتماعي معًا، وتؤكد ما ذهبنا إليه في أكثر من مقالٍ، من استحالةِ إجراء حوارٍ وطنيّ في الظروف الحالية وبوجوهٍ هي نفسها تعدُّ من عوامل الأزمة التي تعرفها البلاد.

وتفرّق دم الحوار بين القبائل

ولعلّ الملاحظة الأبرز في كلّ هذا هي مسارعةُ الجميع إلى الدعوة إلى حوار وطنيّ شامل في الوقت الذي فخخوا الطريق إليه بشتّى المبررات "الواهية" التي تعكسُ جنوحًا نحو تقاذف رأس المسؤولية بين أقدام اللاعبين المتشابكة، دون نيّة حقيقية في توفير الظروف الملائمة له. 
فالمبادرة التي كان قد دعا إليها الإتحاد لم تستثن العمليّة السياسية من المراجعة والتقييم، ما يعني أنّ هذه النقطة الموضوعة على جدول أعمال المنظمة الشغيلة، لا تقلُّ شأنًا عن بقية المحاور. وفي الواقع، يبدو إدراج المحور السياسيّ أكثر من مهمّ، ذلك أن جوهر الأزمة التي تعرفها البلاد، هو سياسيّ بامتياز، ومن ثمّة فإنّ معالجة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي تتمّ وجوبًا عبر مناقشة جملة من الاحداثيات كطبيعة النظامين السياسي والانتخابيّ، وهي من النقاط الخلافيّة الكبرى. وإن كان هذا التمشيّ يتسم بالموضوعيّة وبمعرفة عميقة بأصل الداء، إلا أنّهُ لا يخلو بدوره من مثالب، سواءً في استثناء بعض الكيانات السياسية من المساهمة فيه (مثل ائتلاف الكرامة الذي يحمّله الاتحاد مسؤولية الحرائق في الجنوب ومحاولة ضرب مدنية الدولة من خلال خطاباته المغرقة في الشعبويّة)، أو في طرحه لنقاط خلافيّة، يستحيلُ أن تناقشها الأحزابُ، حتى تلك المقرّبة من رئيس الجمهوريّة نفسهُ، إذ على الرغم من إقرارها بأن النظام السياسي الحالي يعدُّ أحد أبرز المشاكل التي تعاني منها البلاد، تبدو غير مستعدة لمناقشة فكرة تفريطها في منظومة توفّر لها مقاعد مريحة لصالح تغييرٍ قد يعصفُ بمواقعها هي. وبالنهاية، يعدُّ المحور السياسي نفسهُ قنبلةً قد تعصفُ بأولى درجاتِ الحوار نفسه، وتعيدُ الفرقاء إلى ما كانوا فيه من لهو وتلاعب بمصالح البلاد.
حركة النهضة من جهتها، حاولت استباق الأمور، والسطو على المبادرة، مسقطةً منها الجانب السياسي. وهذا أمرٌ مفهوم، إذ تسعى النهضة إلى ضمان عدم إفلات الأمور من بين يديها، حتى ولو كلّفها الأمر الدعوة إلى حوار "صوريّ" بمخرجات "صوريّة"، فضلاً عن إدراكها المسبق أنّ وضع المبادرة بين يدي رئيس الجمهورية، يعني إعادة الزمام لهُ، وفتح أبواب الجحيم على مصراعيها في وجهها. وحركة النهضة أيضا لديها استثناءات في هذا الحوار، ففضلاً عن إسقاط المحور السياسي، لا نعتقدُ البتة أنها ستقبل بالجلوس إلى طاولة حوار تضمّ دابتها السوداء، حزب الدستوريّ الحرّ، او ستقبل بأن تكون خطّة الاتحاد هي الوثيقة الرسميّة التي ستضطرّ إلى مناقشتها أو أن تجبر على الخروج من العمليّة السياسية ما سيفاقمُ من أزمتها الداخليّة.
وثمّة طرفٌ ثالث يريدُ بدوره أن يستبق الأمور وهو هشام المشيشي الذي دعا إلى حوار وطنيّ تحتضنهُ القصبة، حوارٌ لن يقبل به خصومهُ، لمعرفتهم الأكيدة بأنّ الرّجل يسعى إلى ربح الوقت فقط، وإظهار نفسه في مظهر رجل الدولة المنفتح على الطيف السياسي الواسع، رغم أن ممارساته عمليّا تنسفُ هذا المعطى من الأساس. 
بالمحصّلة، نحنُ أمام ثلاث مبادرات رئيسية، باعتبار أن دعوتي التيار الديمقراطي وحركة الشعب لا تبتعدان كثيرًا عما تدعو إليه المنظمة الشغيلة:
أولا، مبادرة الاتحاد التي اتخذت من مؤسسة رئاسة الجمهورية إطارا مرجعيّا لها، وهو الإطارُ الأنسب لمشاريع كهذه، باعتبار أن رئيس الجمهورية هو الضامن لوحدة التونسيين.
ثانيا، مبادرة حركة النهضة التي اتخذت من مؤسسة مجلس نواب الشعب إطارًا مرجعيّا لها، وهو إطار فقد كلّ مشروعية له (في نظر الشارع على الأقلّ)، بسبب انقساماته ومعارك نوابه التي لا تنتهي.
وثالثا، مبادرة رئيس الحكومة التي اتخذت من القصبة إطارًا مرجعيا لها، وهو إطارٌ لم يعد يحظى بثقة التونسيين الذين يحملونهُ مسؤولية الحرائق الاجتماعية الحالية، والتلاعب بمفاهيم "الإصلاح" و"الإنجاز" والارتهان إلى الثلاثي حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة.  

الحوار المستحيل

فإذا كانت النوايا سيئة، وسيطرت على عقول الفاعلين السياسيين خيالات التآمر، فإنّ الدعوة إلى عقد حوار وطنيّ جامع يصبحُ بمثابة "المسخرة الكبرى" التي يراد للشعب أن يتابع أطوارها من بعيدٍ. والحقّ أن لا أحد من هذه الأطراف الداعية إلى الحوار، يتحوّزُ على الحدّ الأدنى المضمون الذي يمكنه من أن يكون مصدر تجميع لا تفريق.  
فرئيس الجمهورية نفسه وضع شروطا إقصائية منذ البداية، إذ تحوّل إلى قاضٍ يوزع صكوك الصلاح والفساد، في غياب نصّ قضائي قطعيّ بخصوص رئيس حزب قلب تونس، نبيل القروي، فضلاً عن كونه لا يثقُ في الأحزاب السياسية (وتحديدا الثلاثي الداعم للمشيشي) ويحمّلها مسؤولية أزمات البلاد واختطاف الرّجل الذي اختاره لشغل منصب رئيس الحكومة. كما أن موقفه الغامض من عبير موسي، وحزبها، هذا الرقم الصعب بل والأول في المعادلة السياسية الحالية، يفاقمُ من درجة بروده أو تنصّله من تحمّل مسؤولية حوارٍ يعرفُ أنّهُ سيكون فيه مجرّد مضيّفٍ لا مبادر.
ولو أضفنا إلى كلّ هذا مناخ الشك وعدم الثقة الذي يطبع علاقات الأحزاب في بينها، أو علاقة المنظمات الوطنية ببعض الأحزاب، أو تقلبات السوق السياسية التي بوّأت استطلاعات رأيها الحزب الدستوري الحرّ المرتبة الأولى متقدما بأشواط عن أقرب منافسيه حركة النهضة، لأدركنا أنّ كل دعوات الحوار تأسست منذ البدء على فكرة إقصاء أطرافٍ بعينها، ما يعني أنّ الفكرة برمتها ولدت ميّتة.
ما الذي يريدهُ الفرقاء إذن؟ انهيار سقف البيت على ساكنيه؟ الحقّ أنّ هذه الفرضية تبدو رغم عدم معقوليتها التفسير الأنسب لحالة التماهي مع "البلاهة المغموسة في الخبث"، في الوقت الذي تشهدُ فيه البلاد أعنف أزمة لها منذ الاستقلال.
 

 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
قيس سعيّد حوار وطني المبادرة اتحاد الشغل قلب تونس النهضة ائتلاف الكرامة
Share