fbpx مشروع قانون المالية لسنة 2021: ميزانية "الحدّ الأدنى" والخيارات العقيمة! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

مشروع قانون المالية لسنة 2021: ميزانية "الحدّ الأدنى" والخيارات العقيمة!

Share


كلّ سنة، ينتظرُ المتابعون للشأن الاقتصادي تاريخ 15 أكتوبر للاطلاع على ملامح السياسة الماليّة للدولة للسنة الإداريّة الجديدة، ممثلة في مشروع قانون المالية، وتحليل أبعادها ونتائجها المباشرة وغير المباشرة. وهذه السنة، لم تشذّ الأمورُ عن القاعدة، ولم يخرجُ قطارُ الانتظارات العقيمة عن السكّ المحدّدة لهُ سلفًا، ذلك أنّ إلقاء نظرة خاطفة على مشروع قانون مالية 2021، تكفي للتكهّن بخيارات الحكومة الجديدة، وهي خيارات يتفق الخبراء والمحللون الاقتصاديون على اعتبارها خيارات "الحدّ الأدنى المضمون".
وإذا كان صحيحًا أنّ تونس تُعاني من أزمة اقتصاديّة مضاعفة، فيها ما هو هيكليّ نتيجة ترهّل أغلب القطاعات الاقتصاديّة الحيويّة وتراجع أنشطتها، وفيها ما هو طارئ، بسبب انتشار جائحة كورونا، فإنّ الأصحّ نقول إن أزمات البلاد لا يمكن بأيّة حال إيجاد الحلول لها، بقوانين ماليّة تكرّس الخيارات الاقتصاديّة والمالية نفسها، في إطار منوال تنمويّ عفا عليه الزّمنُ وتجاوزتهُ الأحداث. هنا القراءةُ السليمة في تقديرنا، يجبُ ألاّ تحفل كثيرًا بالشعارات البرّاقة على شاكلة "لا زيادة في الضرائب ولا ضرائب جديدة في قانون المالية 2021" أو "توحيد الضريبة على الشركات"، ذلك أنّه عمليّا، ليس أمام الدولةِ من حلولٍ لتجاوز العجز المتوقّع في الميزانيّة، سوى ارتكابِ الكبيرتين: الترفيع في الجباية، ومزاحمة المؤسسات التونسية على الاقتراض الدّاخليّ، كما سنوضّحُ ذلك.

ابتكارُ العجلة

في الواقع، لم يشذّ قانون المالية للسنة القادمة عن سابقيه سواء من جهة التقسيم "الكلاسيكي" لأبواب المداخيل والمصاريف، أو من جهة الفرضيات، ، أو حتى من جهة القرارات التي مسّت الجباية بهدف تحسين موارد الدولة، ومع ذلك، فإنّ أخطر ما في الأمر، هو تواصلُ نزيفُ الإنفاق العمومي والرفع من كتلة الأجور والالتجاء للتداين لتسديد أقساط الديون السابقة، مقابل تراجع موارد الدولة، وارتفاع العجز إلى مستويات قياسيّ، وهو ما يأشرّ إلى توسّع ندوب الجسد الاقتصاديّ في غيابِ أي نظرةٍ استشرافيّة تعتمدُ التخطيط للسنوات الخمس القادمة على الأقلّ، بدلاً من التعامل مع الدولة وكأنّها محلّ بقالة صغير.
و للتدليل على ذلك، سنكتفي باستنطاق أرقام مشروع قانون المالية للعام 2021، وفيه نجدُ أنّ الميزانية التي رصدتها الدّولة لعام 2021، ستكونُ في حدود 52.6 مليار دينار عوضا عن 47.3 مليار دينار المقررة في قانون المالية الأصلي لسنة 2020، أي أنّ الزيادة ستكونُ في حدود الـ 4 بالمائة. ولسائلٍ أن يسأل، ما الذي يبرّرُ الترفيع في الميزانيّة في وضعٍ شبه كارثي تقريبا (نسبة النموّ المحينة هي نسبة سلبيّة تقدّر بـ 7 بالمائة)، وفي ظلّ عطالة شبه كليّة للمحرّكات الاقتصاديّة الكبرى؟ للإجابة عن هذا السؤال، سنلقي نظرة على قانون المالية التكميلي للعام 2020، إذ نعثرُ فيه على رقمين هامين، الأول يخصّ تراجع موارد الدولة بحوالي 6 مليار دينار مقابل ارتفاع نفقاتها بأكثر من 2 مليار دينار، والنتيجة هنا هي ارتفاع الحاجة إلى الاقتراض قد ارتفعت من 11.3 مليار دينار إلى 21.5 مليار دينار أي بزيادة قدرها حوالي عشرة مليار دينار، ارتفاعٌ يناقضُ تصريحات هشام المشيشي وقبه إلياس الفخفاخ حول ضرورة الحدّ من الاقتراض والتعويل على الموارد الداخليّة.
ولأنّ الشيطان يسكنُ في التفاصيل، ثمّة تعهدّ آخر تخلّت عنهُ تونس، يتمثّلُ في التخفيض من كتلة الأجور، من 15 إلى 12 بالمائة، وهو ما تعهدت به لصندوق النقد الدولي في إطار حزمة إجراءات تهدفُ إلى إصلاح الاقتصاد التونسي. ففي مشروع قانون المالية للعام 2021 ستبلغُ كتلة الأجور 20.5 مليار دينار، وهوما يعادُل 17 بالمائة من الناتج المحليّ الخام، مع انتداب أكثر من 16 ألف موظّف جديد. من جهة أخرى قدّر العجز في ميزانية السنة القادمة بـ 8 مليار دينار، مع تقدير نسبة العجز الجمليّة بـ 3.5 بالمائة (أعلى من المعدّل العالمي المقدرّ بـ 3 بالمائة) علما أنّ البلاد ستكمل سنة 2020 بعجز يعادل الـ 14 بالمائة.  
بمنطق آخر بسيطٍ ابتكرت حكومة المشيشي، عجلتها الخاصّة، عجلة سيكونُ مقدرًّا عليها أن تدور في حلقة "تداين" مفرغة والتضحية بالتضخّم لسدّ ثقوب الميزانيّة كما سنوضّحُ ذلك.

مديونية بمائة بالمائة

لقد تعهّدت الحكومةُ بأنّ السنة القادمة لن تشهد زيادة في الضرائب أو الضرائب جديدة. عمليّا هذا جيّد (رغم ترفيعها في أسعار عدد من المنتجات الكحولية أو فرضها ضريبة بـ 15 بالمائة على الرهانات الرياضية على سبيل المثال)، بيد أنّه لا يجيبُ على سؤال بسيط: من أين ستأتي الدولةُ بالموارد إذن؟ منطقيا، ستكونُ المواردُ أساسا من الجباية ومن التداين، الذي سيكون في حدود 140 مليار دينار، بمعنى أنه سيتجاوزُ حاجز الـ 100 % من الناتج المحلي الخام سنة 2021. وبهذا سيرتفعُ حجم المديونيّة إلى 20 مليار دينار، ولو أضفنا إليها ال 10 مليار دينار التي سيتعيّنُ على الدولة اقتراضها لإغلاق موازنة العام 2020، فسيكون الحجم الجمليّ للديون في حدود الـ 30 مليار دينار. 
نظريّا، ستراهنُ الحكومة على السوق الداخلية (2.9 مليار دينار) وعلى السوق الخارجيّة (16.9 مليار دينار) بنسبة فائدة عالية تقدّر بـ 8 بالمائة. بالمقابل، ستسعى الحكومة خلال الأسابيع القليلة القادمة إلى سدّ العجز في ميزانية 2020 عبر الاقتراض من البنوك التونسية لتحصيل 14.2 مليار دينار، بينما يعلمُ أصغر رضيع اقتصادي أنّ حجم الإقراض في السوق الداخلية لا يمكن أن يتجاوز بأيّة حال الـ 3 مليار دينار. بمعنى آخر، ستسعى الحكومة في إطار بحثها عن "الموارد الداخلية" إلى إجبار البنوك على توفير السيولة، ما يعني بداهةً إصدار سندات خزينة جديدة. وسيترتّب عن هذا الأمر نتيجتين خطيرتين:
أوّلا، إقصاء الدولة للمؤسسات الخاصة من السوق الداخليّـة، بمعنى أن الدولة ستواصل مزاحمتها للمستثمر التونسي على الاقتراض، وهو ما يصبّ في مصلحة البنوك بدرجة أولى، لأنها تعتبر الدولة حريفا مثاليا لا يسبّب الصداع وبلا مخاطر.
ثانيا، سيؤدي إصدار سندات الخزينة إلى خلق العملة، وإغراق البلاد بسيولة نقديّة، لا يقابلها نشاط اقتصادي فعليّ، إلى ارتفاع نسبة التضخّم في البلاد (قد يصلُ إلى رقمين حسب بعض التقديرات)، مع يعنيه ذلك من نتائج مباشرة على الأوضاع المعيشية للمواطنين، وارتفاع أسعار المواد الأساسيّة بل وانهيار الدينار التونسيّ مع دخول البلاد إلى دوّامة تضخمية تتغذى على نفسها. 

مشاريع قوانين بلا آفاق استراتيجية

لقد أشرنا منذ البداية، إلى أنّ الحكومة الحالية انتهجت سياسة "خيارات الحد الأدنى" بالمجهود الأدنى كذلك، في ظلّ غياب سياسة تخطيط واضحة، تخرجُ البلاد من منطق "الإدارة يوما بيوم"، وكأنها محلّ بقالة فتح أبوابه في صحراء مترامية الأطراف، ومع تواصل الاعتماد على نفس المنوال الاقتصادي الذي ثبت إفلاسه من زمنٍ بعيدٍ، وهو ما يتردد صداهُ في التقسيم الكلاسيكي لموازنة البلاد، أي الموارد مقابل الدفوعات، فيما كان يفترضُ بالقائمين على إعداد المشروع اعتماد ميزانيّة عبر الأهداف كما هو معمول بهِ في الاقتصاديات التي تحترمُ شعوبها ومؤسساتها. 
ولا داعي للتذكير هنا بأن دور قانون المالية لا يتوقف عند تأمين أجور الموظفين أو تسديد ديون البلاد وإنّما يتعداه إلى تعبئة الموارد للقيام بالاستثمارات، وتحسين البنية التحتية في كل القطاعات، والاستثمار في الجهات، باعتبارها عامل جذب للاستثمار الخاص وبالتالي توفير فرص العمل وخاصة خلق الثروة.
ثانيا، كان واضحا أن هدف مشروع القانون الحالي هو تحقيق نسبة نمو اقتصادي إيجابية (4 بالمائة) بأيّ طريقة، خصوصا في ظل حالة الركود الاقتصادي التقني التي تعرفها البلاد، وهذا ما نعتبرهُ محاولة لتشييد منزل على جرفٍ هارّ، إذ لا معنى لنسبة نمو إيجابية، والدولة تزاحم القطاع الخاص على الاقتراض، أو تزيد من حجم إنفاقها، أو ترفّع من كتلة الأجور، في ظلّ ارتفاع حاجياتها الماليّة. بعبارة أخرى، أي معنى لنسبة نمو إيجابيّة حين تستدين الدولة لتسديد ديونها السابقة؟ أو أيّ معنى لنسبة نمو إيجابية مع نسبة ضخم برقمين؟ ثمّ ما هي الفائدة من وضع فرضيّة متفائلة، في ظلّ غياب واضح لاستراتيجية تنمويّة تقوم على تنشيط القطاعات الاقتصادية الأربعة ونعني بها الفلاحة والصناعة والخدمات والتكنولوجيات الحديثة. ولعلّنا لا نبالغ هنا إن قلنا أن هذه القطاعات التي أصبحت تعاني من تضخم أعداد المحتكرين والمضاربين وانتشار التهريب وانتقال جزء من النشاطين فيها إلى الاشتغال في الاقتصاد الموازي تهرّبا من الضرائب، تحتاج إلى سياسات قطاعية واضحة، لتمكين الاقتصاد التونسي من استعادة محركاته الكبرى.
وهدا ما يجرّنا بداهة إلى الملاحظة الثالثة وهي مراوغة "القانون" لانتظارات التونسيين في التنمية الداخلية. حيث كنا ننتظر ان تتم تعبئة موارد اضافية من خلال تبني سياسة مالية توسعية ترتكز على اجراءات اقتصادية واضحة ترمي الى إنعاش ميزانية التنمية لتسريع وتيرة الاستثمارات العمومية من جهة وتقليص الاداءات على المستثمرين الخواص لتحقيق "التناغم" بين القطاعين العام والخاص. وهذا ما يعيدنا إلى نقطة البدء، أي غياب خطة واضحة المعالم قادرة بالفعل على توجيه موارد الدولة نحو تحقيق الأهداف المنتظرة من أي ميزانية، وهي تحقيق لا النمو الاقتصادي فحسب وإنما معالجة أورام القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
بالمحصّلة، قانون المالية لسنة 2021 لن يشكل علامة فارقة ولن يخرج تونس من ركودها الاقتصادي، بل لن نبالغ إن قلنا أنّ أغلب مراهنات الحكومة الحاليّة قد تصطدم باختبار الواقع، ذلك أن تجارب التونسيين مع الحكومات السابقة، ومشاريع قوانينهم للمالية، أثبتت أنّ الفرضيات عادةً ما تكونُ في واد وإكراهاتُ الواقع في واد آخر.
 

 

محاور
اقتصادية
الكلمات المفاتيح
قانون المالية 2021 الضرائب الميزانية البرلمان هشام المشيشي الحكومة صندوق النقد الدولي
Share