fbpx مناقشة قانون المالية 2021: هواجس بخصوص الدولة الرخوة وسكاكين نواب البرلمان العمياء ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

مناقشة قانون المالية 2021: هواجس بخصوص الدولة الرخوة وسكاكين نواب البرلمان العمياء !

Share


يناقشُ نوّاب مجلس الشعب هذه الأيّام مشروع قانون الماليّة للعام 2021 بعد مصادقتهم على قانون المالية التعديلي للعام 2020، غير أنّ الملاحظة الأبرزُ في ما شاهدناهُ على شاشة القناة الوطنية 2 من مداخلات، هو إصرار النوّاب على البقاء في "خان" الاتهامات البلاستيكيّة المجرّدة دون إبداء أي رغبةٍ للنّفاذ إلى جوهر مشروع القانون نفسه (وهذا ما سنعودُ إليه في مقال قادمٍ) ومن ثّمة مناقشة الأزمات الهيكليّة المتراكمة التي تعرفها البلاد.
ولسائلٍ أن يقولُ إنّ الأمر برمّته لا يعدو كونهُ مناقشة لأبواب الميزانيّة وللسادة الوزراء ولرئيسهم فضلاً عن رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس النواب، بمعنى أنّ المناقشة لن تخرج عن محاولة التدقيق، تقنيا، في أوجه تخصيص مبالغ معيّنة لأبواب الميزانيّة ودوافع ذلك قبل التصويت النهائي بالرّفض أو بالقبول. وإن كان هذا صحيحٌ نظريّا، فإنّ المنطق يقولُ أنّ مناقشة مشروع قانون ماليّة مّا، يتطلّبُ توفّر جملة من المهارات التي نعرفُ جيّدًا أنّ نوابنا لا يتحوّزون عليها، عدا عن استغلال الفرصة (ومشروع قانون المالية للعام 2021 هو فرصة بالفعل) لتقييم المرحلة أوّلاً، والنبش في الملفات العالقة، ومن ثمّة مساءلة العقل السياسي بكلّ تجرّد ووضعه أمام مسؤولياته: لماذا بلغت البلادُ هذا الدرك الأسفل من الفشل؟
هكذا نرى القراءة العلمية لمشاريع قوانين المالية، لا ما شاهدناهُ على شاشة التلفزيون، إذ ترك نوّاب الشعب ما يهمّ الشعب، وانصرفوا كالعادة إلى تفخيخ النقاش بالاتهامات المتبادلة والصبيانيات المضحكة والشعوذة العلنيّة حدّ بثّ السمّ في الدسم، كما فعل النائب سيف الدين مخلوف حين رفع عبوة صغيرة قال إنّها دواءٌ "Bio" لفيروس كورونا الجديد.

لا جديد تحت الغيوم الملبّدة

في الواقع ما الذي يمكن انتظاره من نوّاب جلّ ما يمتلكونه من مهاراتٍ لا تغادرُ قطّ منطقة "اللسان"؟ فالطبيعة "اللسانية" للعمل النيابي منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، علّمتنا ألا نثق البتّة في طروحاتٍ نوّاب كلّ ما يعنيهم هو تثبيتُ مواقعهم في الحكم أو في المعارضة وخدمة أجندات أحزابهم أو مموّليهم والتشنيع على خصومهم استمالةً لجماهير الفرجة، حتّى باتت مداولات المجلس خلال الأشهر الأخيرة المنافس الأوّل لتليفزيونات القمامة.
هل شاهد التونسيون نقاشًا جديّا بخصوص مشروع قانون المالية التعديلي للعام 2020؟ هل وقفوا على ثغراتهِ الكبرى؟ هل فهموا كيف وقعت المصادقة على مشروع القانون رغم كمّ "النسخ واللصق" والإضافات فيه، وبعضها خطير للغاية ويخدمُ وجوهًا تنتمي إلى حزام هشام المشيشي السياسي (نتحدث عن لجنة الصلح الجبائية)؟ طبعًا، لا. بل إنّ الأغرب من كلّ ذلك أن تقع المصادقةُ على القانون رغم كمّ الاعتراضات التي أبداها النوّاب عليه. فما الذي يمكننا أن نفهمه من هذا كلّه؟ هل تمت المصادقة بدافعٍ من وازع وطنيّ آثر النواب معه ألا يحرموا البلاد من مشروع/قنبلة؟ أمّ أنّ "طبيعتهم اللسانية" كشفت حجم الجهل المتفشيّ داخل المجلس، جهلٌ تحوّل إلى قاعدة سياسية عامّة باتت الخوارزمية السياسية تراهنُ عليها لتمرير أجنداتها؟
الحقّ إننا نميلُ إلى المعطى الثاني، إذ يكفي أن نعيد الاستماع إلى كلمة راشد الغنوشي، رئيس مجلس نواب الشعب، في مفتتح الجلسة العامة للبرلمان المخصصة لمناقشة مشروع قانون المالية والموازنة العامة للدولة لسنة 2021، إذ دعا الرّجلُ إلى "حوار وطني واقتصادي واجتماعي يجمع الحكومة والبرلمان والمنظمات الاجتماعية والمهنية والأحزاب السياسية من أجل تحقيق المطالب الحيوية للتونسيين.، معتبرًا أن هذا الحوار يمثل ضرورة ملحة، وكفيل بوقف التدحرج ووضع البلاد على سكة الإصلاحات الكبرى". تخيّلوا رئيس السلطة التشريعية، السلطة الأصليّة في البلاد، يدعو إلى "حوار وطني شامل"، في مستهلّ جلسة مناقشة قانون الماليّة، مقدّمًا الحصيرة على الجامع، أو البيضة على الدجاجة، أو سمّها ما شئت. ففي وضع أزمةٍ غير مسبوقة، وفي ظلّ تحذير كلّ الحساسيات المالية والاقتصادية من خطورة قانون المالية للعام القادم على التوازنات الكبرى للبلاد، نجدُ من يستمرئ التلاعب بالشّعارات، وكانّهُ لاعب سيرك هاو، في ما يشبهُ إخلاء الذمّة أو المسؤوليّة. والأمرُ ينسحبُ على بقيّة النواب الذين تركوا أزمات البلاد جانبًا وطفقوا يصفّون حساباتهم بطريقة عصابيّة بل وذهانيّة متصادمة مع المنطق.
ولهذا لن يتغيّر أيّ شيء في تقديرنا. إذ سيمرُّ مشروع قانون المالية للعام القادم، ولن تناقش مشاكل البلاد بأسلوب علمّي رصين، يدقّقُ في كلّ شيء، من منظورٍ تقييميّ شامل لا من منظور تقنيّ شرطيّ، وسيتركُ المحتجون لاحتجاجاتهم والتنسيقيات لمشاريعها في تفكيك الدولة، والأزمات لتراكماتها والإفلاسُ لوجبته اللذيذة القادمة. 

الدولة الرخوة والسكاكين العمياء

وبهذا الخصوص، تحضرنا نظريّة عالم الاقتصاد والحقوق والاجتماع السياسي السويدي "غونار ميردل"، وهي نظرية "الدولة الرخوة" التي طرحها في العام 1970. وبحسب هذه النظرية، يقولُ "ميردل" إنّ الدولة الرخوة هي: "الدولة التي تصدر القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما فيها من ثغرات، ولكن لأن لا أحد يحترم القانون، الكبار لا يبالون به، لأن لديهم من المال والسلطة ما يحميهم منه، والصغار يتلقون الرشاوي لغض البصر عنه، أما الفقراء الذين لا مال لهم ولا رشاوي فيتم ضبطهم بواسطة أساليب جديدة/قديمة من القمع والتهم".
لو قمنا بتفكيك عناصر هذه النظريّة وطبقناها على الواقع التونسيّ، لما ابتعدنا قيد أنملة عن نظريّة "ميردل". فحكومة المشيشي التي استلمت القطار وهو معلّق فوق قنطرة متهالكة، قدّمت مشروع قانون تعديليّ أوّل ثمّ سحبتهُ، قبل أن تقدّم مشروعا ثانيا ملفّقًا ونجحت في تمريره، لخوف الجميع تقريبًا، من تجاوز الآجال الدستوريّة. فالمهمّ أنّ يمرّروا القانون الآن، ولا ضير من مناقشة القضايا الخلافية (وهي قضايا جحيمية لو يعلم القارئ) في ما بعد. وهذ ما سيحدثُ مع قانون المالية للعام 2021، وغيره من مشاريع القوانين، قوانين لا تطبق، حجم أقل ثغرة فيها كحجم ثقبٍ أسود يمتصُّ الضوء وفوقهُ آمال التونسيين، هذا لأنّ كلّ ما يعني الحكومة في الوقت الحالي هو الحفاظُ على بقائها معتمدةً على حزامها المشكل من حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة، أي انها تعتمدُ أسَاسًا على حماية مصالح اللوبيّات التي تقفُ وراء هذا الحزام، ضاربةً عرض الحائط بتحذيرات الخبراء والهيئات المالية والنقديّة.
في الجانب الآخر من السيرك، نعثرُ على النواب، بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم، وهم في جلّهم إمّا من غير المختصين في مجالات الاقتصاد والمال، أو بلا خبرات (كنا نشرنا مقالاً على أعمدة شكشوكة لمحنا فيه إلى أنّ المجلس مشكل في جزء منه من متسلّقين جاءت بهم الصدفة أو الحسابات السياسية) فضلاً على أنّهم لا يحوزون على مكاتب تمكنهم من الاستنجاد بخدمات خبراء في هذه المجالات (ليس من الغريب إذن أن يتحوّل نائب من حزب قلب تونس، هو في الأصل خبير محاسب، إلى مرجع لأغلبهم)، ولهذا كلّه، لا تناقشُ مشاكلُ البلاد في العمق، ولا تطرح قضايا المواطن الجوهريّة، بل ينزاحُ الخطاب إلى التشكيك والاتهام واختلاق المعارك والإيهام بالغيرة على مصلحة البلاد، إلى حدّ تصبحُ فيه مناقشة تعيين محمد الغرياني، آخر أمين عام للتجمع المنحلّ، في منصب مستشارٍ لراشد الغنوشي نقطة على جدول الأعمال، بل وتصبح الشعوذة المغموسة في الغرور الأرعن، مطيّة لقلب الناس على الدولة، عبر الترويج لدواء مجهول المصدر كدواء "طبيعي" لفيروس كورونا، بل ويصبح في مقدور مديرة ديوان رئيس الجمهوريّة أن تتلاعب بنصوص الدستور، وترفض الإجابة عن أسئلة النواب بداعي أن رئيس الجمهورية مسؤول أمام الشعب وليس أمام البرلمان (هكذا) !
في غضون ذلك، لا أحد اهتمّ بالحرائق الاجتماعية التي تلتهمُ البلاد، ولا أحد ناقش البدعة الاحتجاجية في تكوين التنسيقيات والسطو على مراكز الثروات الطبيعية، بل لا أحد كلّف نفسه مساءلة رئيس الحكومة عن "بدعته التفاوضيّة" التي فتحت أبواب الجحيم على مصراعيها. هل ناقش أحدهم الأزمة السياسية التي تعرفها البلاد؟ هل تطرّق أحدهم إلى عبث الطبقة السياسية إلى حدّ صارت معه التجربة الإيطالية في سبعينيات القرن الماضي (أي حكومة كل ثلاثة أشهر) نموذجًا عاديا لا يثيرُ الاستغراب؟ هل تساءل أحدهم عن الطرف أو الأطراف التي يلتقيها رئيس الحكومة خارج القصبة بشكل شبه دوريّ، لكي ترسم له خططه الاتصاليّة؟ 
بالتأكيد لم يحدث ذلك، ولن يحدث، وحتّى إن حدث ذلك، فلكي تسجّلُ النقاط السياسية على حساب التحليل العلميّ والموضوعيّ لأزمات البلاد. والمعلوم أنّ الفساد لا ينتعشُ إلاّ في ظرفٍ كهذا، ذلك أنّ رخاوة الدولة تشجع على الفساد، وانتشار الفساد بكل انواعه يزيدها رخاوة. والفساد كما هو معلومٌ يبدأ من السلطة التنفيذية ثم ينتقل إلى التشريعية والقضائية، ليصير ظل "الدولة الرخوة" "نمط حياة". 
وبالعودة إلى "ميردل"، يقدّمُ لنا هذا الأخير وصفًا للطبقة الحاكمة التي تتكون في هذه الدولة، فهي، كما يقولُ " تجمع من أسباب القوة ما تستطيع بها فرض إرادتها على سائر فئات المجتمع، وهي وإن كانت تصدر قوانين وتشريعات تبدو وكأنها ديمقراطية في ظاهرها، فإن لهذه الطبقة من القوة ما يجعلها مطلقة التصرف في تطبيق ما في صالحها وتجاهل ما يضر بها، وأفراد هذه الطبقة لا يشعرون بالولاء لوطنهم بقدر ما يدينون بالولاء لعائلاتهم أو أقاربهم، أو عشائرهم ومحاسبيهم".
ألا يذكركم هذا بما يحدثُ في تونس؟
 

 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
البرلمان قانون المالية مجلس نواب الشعب دولة رخوة راشد الغنوشي قلب تونس
Share