fbpx ميزانية "وحلة المنجل في القلة": عندما تتحوّلُ الثرثرة إلى نمط حكم "جديد" ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

ميزانية "وحلة المنجل في القلة": عندما تتحوّلُ الثرثرة إلى نمط حكم "جديد" !

Share


لم يكن أشدّ التونسيين تشاؤمًا، يتوقّعُ أن تتخلّى حكومة السيد هشام المشيشي عن تعهداتها الأولى، بخصوص خفض الإنفاق وتنشيط الاستثمار وخصوصًا الحدّ من التداين والعمل أكثر على تعبئة الموارد الذاتيّة، وما أكثر موارد البلاد المهدرة (جباية، تهريب، عقارات، مؤسسات عمومية، إلخ). 
فالصورة العامّة التي نستخلصها من قانون الماليّة للعام 2021، هي صورة قانون جافّ، بلا روحٍ أو رؤية سياسية فضلاً عن انتهاجه المسالك العقيمة نفسها التي أدّت إلى تراكم الأزمات في الوقت الذي تنتظرُ فيه البلاد صحوةً شاملة تحوّلها إلى ورشة إصلاحات كبرى. والحقيقة أنّ هشام المشيشي، وحزامه السياسي، لم يعدموا تقديم المبرّرات التي تفضحُ سياسة التفصيّ من المسؤوليّة، إذ طوّحوا بأزمة المالية العمومية ذات اليمين وذات الشمال، بحثًا عن قرابين "وهميّة"، على غرار أزمة كوفيد 19، وسياسات الحكومات السابقة (حكومة يوسف الشاهد تحديدًا)، والأوضاع الإقليميّة، ولم يكن ينقصهم للأمانة سوى ردّ عجزهم عن تقديم مشروع قانون ماليّة يرتقي إلى أن يكون قاطرة إصلاحٍ على المدى المتوسّط، إلى القضاء والقدر.
ولنبدأ مثلاً بتصريح رئيس الحكومة أمام مجلس نواب الشعب، إذ أقرّ أنّ إن "مشروع قانون المالية لسنة 2021 الذّي ننطلق في مناقشته اليوم قد لا يكون  محلّ توافق من الجميع، ولكن هذا في الحقيقة مؤشّر إيجابيّ ويرمز إلى الاختلاف البنّاء ويشير إلى منظومة حوكمة جديدة دخلت فيها تونس، منظومة التعدّد والشراكة ومنظومة إبداء الرأي والحوار، حيث انتهى زمن الأرقام والفرضيّات غير الواقعية". ومن العجيب فعلاً، أن يحمل تصريحُ رئيس الحكومة كمّا من المتناقضات دون أن يبادر نائبٌ واحد إلى مناقشتها أو يضعَ عليها ثلاثة أسطر بالأحمر، خصوصًا في باب "منظومة الحكومة الجديدة"، "ونهاية زمن الفرضيات غير الواقعية".

حوكمة التداين

وإن كان ثمّة من نمط حوكمةٍ جديد بالفعل، فسيكونُ بلا ريب، الخروج إلى السوق الدوليّة مجددًا للاقتراض، اقتراضٌ نعرفُ أنه سيذهب إلى سداد الديون وصرف الأجور وتغطية عجز المؤسسات العمومية والتوريد. عمليّا، ستحتاجُ تونس إلى اقتراض 19608 مليون دينار منها 16608 مليون دينار، ستأتي من الاقتراض الخارجيّ، أيّ أن تونس، ستكونُ مضطرّة نظريا، إلى الخروج إلى السوق الدوليّة لتحصيل هذه المبالغ، وفي غياب غطاء من صندوق النقد الدولي، الذي لم تستأنفُ المشاوراتُ معهُ بعد حول صرف الأقساط الأخيرة أو تغيير صيغة تمويل الاقتصاد التونسي. وأمام تعثّر كل الإصلاحات الكبرى، وتفصّي الحكومات السابقة من تنفيذ التزاماتها مع الصندوق، لا نرى أوّلاً، كيف سينجحُ المشيشي ومن معهُ في إقناع الصندوق بتوفير غطاء دوليّ، يمكن البلاد من الاقتراض بشروطٍ ميسّرة وآجال سداد معقولة، مثلما لا نرى، ثانيًا، وهذا أخطرُ ما في الأمر، كيف ستنعكسُ هذه المبالغ المقترضة إيجابا على اقتصادٍ في حالة موتٍ سريريّ. هنا يخبرنا وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، علي الكعلي، أنّ تمويل ميزانية الدولة لسنة 2021 سيكون في حدود 19 مليار دينار مُشيرا  أنّه خلال سنة 2021 سيكون هناك رقم قياسي من حيث إرجاع الديون يُقدّر بـ 16 مليار دينار. مشيرًا إلى أنّ نسبة العجز ستكون في حدود 7.5 بالمائة، مع توقعات بتحقيق نسبة نموّ تقدّر بـ 4 بالمائة (هكذا !)، فهل يندرجُ هذا ضمنَ "الفرضيات الواقعيّة" "ونمط الحكومة الجديد"؟ 
لنتبعد قليلاً عن التداين الخارجي، لنستعرض نقطة أخرى وهي العمل على رفع صادرات البلاد من الصناعات المعملية وغير المعمليّة. في الواقع، هذا ما تحتاجهُ البلاد، أي تنشيط صادراتها بالأساس، لكن هل يتمّ التنشيطُ بتوحيد الضريبة على الجميع، بما في المؤسسات المصدرة لتكون في حدود 18 بالمائة؟ كيف ستنافسُ هذه المؤسسات، وجلّها متضرّر من جائحة كورونا، حيتان الأسواق الخارجيّة؟ بماذا تحديدًا؟ ماذا قدمت الدولة للنسيج الصناعي ككلّ وسط جائحة أدّت إلى تراجع الإنتاج الصناعي وتسريح الآلاف من العمّال؟ ماذا عن الأعباء الضريبية والاجتماعيّة المرتفعة وسط حالة من الركود غير المسبوقة؟ فهل يندرجُ هذا ضمن "الفرضيات الواقعية" و"نمط الحكومة الجديد"؟
ما حدث في الواقع، هو أنّ حكومة السيد هشام المشيشي، تتعاملُ مع المسألة، كما يتعاملُ محاسبٍ هاوٍ مع حسابات لا يفهمها، ومن ثمّة يعمدُ إلى تعمير الخانات كما اتفقّ دون أن يكون ثمّة ما يعزّزُ توقعاته. نعم تحتاجُ إلى 19 مليار دينار كتمويل. والحلّ هو أن نقترض. وحين تسألهم كيف سنفعلُ ذلك؟ يجيبونك سنرى ذلك في الإبان.
وفي الحقيقة، سنكتفي بهذين المثالين، إذ لا حاجة لنا إلى جرد كلّ ما ورد في قانون المالية لنقف على تراكم  "الخربشات المحاسبية"، خربشاتٌ معدة أساسا لتمرير  مشروع قانون المالية أمام المجلس، أما ما سيحدثُ بعد ذلك، فهو متروك للحظّ أو للقدر أو للمعجزات الخوارقيّة. تريدون دليلاً على ذلك؟ لنعد إلى تصريحات وزير الاقتصاد والمالية، إذ قال في تصريح لبرنامج "إكسبريسو" إنّ قانون المالية لسنة 2021 قابل للتعديل في أيّ وقت إن إقتضت الضرورة واعتبر "أنّ التصويت على قانون المالية 2021 أمر هام جدا". بالمحصّلة، نوّاب الشعب هم الآن بصدد مناقشة ميزانية "وهميّة"، لا أحد يعرفُ من أين سترصدُ لها حكومة المشيشي الأموال، أو من أين ستأتي بها، إن هي خرجت إلى السوق الدولية بلا ضمانات أو غطاء يوفّره صندوق النقد الدولي. المهمّ أن يمرّ القانون، ثمّ سنرى ماذا سنفعلُ بعد ذلك. 

نمطُ الحكومة الذي نحتاجه

لقد كان على رئيس الحكومة أن يصارح التونسيين ويقدم المعطيات التي ضمنها في مشروع قانون المالية 2021، ذلك أنّ ما طرحه في كلمته أمام النواب، لا نجدُ لهُ اثرًا في القانون نفسه. 
فمن يتحدّث عن "الإصلاح والإنجاز"، عليه ألا يورّط البلاد في دوّامة من المديونية وبلا ضمانات، وأن يبحث عن البدائل من داخل الاقتصاد الوطني للحفاظ على التوازنات المالية والاجتماعية، عوض اللجوء إلى الاقتراض كحلّ سهل يرتهنُ السيادة الوطنية لمصالح المؤسسات المالية الدولية، ويضعها يومًا مّا أمام حتميّة التفويت في أصولها بأثمانٍ بخسة.
ومن يتحدّث عن نسب النموّ، لا يوحدّ الضريبة على الشركات، مستهدفًا ما تبقى من شركات مصدّرة، تعاني الأمرين من أجل النفاذ إلى الأسواق الخارجية، رغم معرفته بأوضاعها الاقتصادية التي ساهمت جائحة كورونا في ضعضعتها.
ومن يرغبُ في نمط حوكمة جديد، عليه أن يخفض من أسعار الضريبة على القيمة المضافة، والرسوم على الاستهلاك الداخلي للمنتجات المحلية، من أجل تخفيف العبء الضريبي على الفئات ذات الدخول الدنيا والمتوسطة دعما لقدرتها الشرائية، مع الرفع من النسب المطبقة على المنتجات الفاخرة بما يحفظ توازن الميزانية.
ومن يريدُ تحقيق الانتعاش الاقتصادي، عليه أوّلا بإصلاح الضريبة، والقطع مع النظام التقديري، لا إنشاء لجنة صلب وزارة المالية، ستوفرّ لكبار المتهربين ضريبيا (ومنهم من هو في حزام رئيس الحكومة) فرصة الحصول على إقرار بالصلح دونَ أن تنتفع الدولةُ بأيّ مليم.
ومن يريدُ أن يخدم بلده، عليه أن يضرب بيد من حديد على أيدي الفاسدين و المحتكرين والمضاربين، ويحمي مناطق الإنتاج، بل ويعسكرها إن لزم الأمر، مع الاتجاه نحو إقامة أوساق حرة حدودية لضرب التهريب، لا ان يستهدف المؤسسات الاقتصادية والطبقة المتوسطة.
وختامًا، من يتحدّث عن الإقلاع، عليه أن يتحمّل المسؤولية لا أن يرمي بها إلى الحكومات السابقة، متعللا بجائحة كورونا، ومقدما قانون مالية هو خربشات محاسبية لا أسانيد أو أرصدة لها.
هذا هو نمطُ الحكومة الجديد الذي يريدهُ التونسيون، لا قصيدة النثر التي ألقاها رئيس الحكومة أمام نوابٍ أغلبهم يجهلُ ما هو بصدد مناقشتهِ!
 

 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
هشام المشيشي قانون المالية 2021 الحكومة مديونية الضرائب الاقتراض
Share