fbpx نهج اسبانيا: مختصر التجارة وملخّص التهريب.. | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

نهج اسبانيا: مختصر التجارة وملخّص التهريب..

Share

 

يمتدّ نهج اسبانيا في العاصمة تونس من ساحة برشلونة إلى نهج الجزيرة، على مدى يناهز 300 مترا، غير بعيد عن شارع الحبيب بورقيبة قلب العاصمة. هذا النهج التجاري الهامّ، تطلّ عليه عشرات المتاجر أغلبها تبيع في أغلبها المواد الغذائيّة، من فواكه جافّة ومملحات والقهوة، دون أن ننسى السوق المركزيّة.
أهمّ ما في الشارع، وما جعله شهيرًا، أنّه تحوّل «ملكًا» للباعة المتجولين الذين صاروا العلامة المميزة له، ليس فقط من خلال ما يقدّمون من بضائع مهرّبة بأسعار تنافس في حدّة ما في بعض المحلاّت، بل كذلك عبر مشاهد الشرطة البلديّة وهي تطاردهم في لعبة كرّ وفرّ، فاقت حجر سيزيف في تكرارها، حين لا يمّل الطرفان ويرفض كلّ منهما رمي المنديل والتسليم للطرف المقابل.
منذ أن تمّ إقرار الحجر الصحّي، تغيّرت المعادلة وصار اهتمام الشرطة أشدّ بوجوب تطبيق التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات، وأيضًا تنظيم الدخول والخروج من وإلى السوق المركزيّة، مع احتفاظ الباعة المتجولين بتلك الغريزة المتطورة في استباق الهجوم، في حين لا تنفكّ غريزة القنص تعاود رجال الشرطة الذين وإن تراجعوا عن عادة الملاحقة بالجملة، إلاّ أنّهم بالكلام حينًا وبالإشارة أحيانًا أخرى، يريدون تأكيد السيطرة على المكان.
الباعة المتجولون هم دائمًا أسرع من غيرهم على استباق حاجة الحرفاء. في هذه الفترة لا شيء أهمّ من كلّ ما له أدنى علاقة بفيروس كورونا، بدءا بمواد التنظيف بأنواعها، وصولا إلى أشهر السلع، أيّ كمّامات التي تمّ توفيرها منذ الأيّام الأولى، بأسعار خياليّة، حيث فاق سعر الواحدة من النوع البسيط 5 دنانير، لتتفتّق قريحة البعض بتشغيل «الخطوط الخلفيّة» أيّ العمق العائلي لهؤلاء الباعة، من النساء خاصّة، فكانت كمّامات يمكن اعتبارها «صُنع في تونس»، من أقمشة ذات نوعيات عديدة، وأشكال مختلفة، وألوان الطيف جميعها، وجودة لم يصادق عليها أيّ مخبر، إلاّ أنّ السعر انخفض من 3 دنانير عند الانطلاق إلى دينار ونصف الدينار. علمًا وأنّ البائع يحمل الكمّامات في يده، ويترك للحرفاء حريّة تلمّس البضاعة، وأكثر من ذلك، يعطي للمتردّد فرصة للتجربة غير الملزمة للشراء، وهكذا دواليك.

فرصة سعاد التي لا تُعاد

مثلما لكبار الشركات متعدّدة الجنسيات دكاترة في علم التسويق، لدى هؤلاء الباعة معرفة لا تنقص قيراطا واحدًا وأهمّها إظهار السلع بالتقطير وعدم الانقطاع عن التوجه إلى المارّة، في خطاب بين النصيحة والتحذير، أنّ «البضاعة تكاد تنفذ» وبالتالي على هؤلاء الإسراع، لأنّ الشعار الجامع للكلّ هو «فرصة لا تُعاد يا مدام سُعاد»، لكن سعاد هذه ترى سلعة جديدة تنبت من الشوارع الخلفيّة ومداخل العمارات ومن أين لا يدري رجال الشرطة البلديّة أو إن كانوا سيكتشفون بعض المخابئ لاحقًا.
عدم إظهار السلعة بكميات وافرة ليس الغرض منه، فقط احداث «حالة شحّ» مفتعلة تدفع الحرفاء إلى الاقتناء دون تفكير بكميات عادة ما تفوق الحاجة، سواء تعلّق الأمر بباعة نهج إسبانيا أو تجارة النفط عبر العالم، بل أساسًا نابع من غريزة البقاء المتطوّرة جدّا، حين اعتاد هؤلاء الباعة بين الفينة والأخرى فقدان رأسمال بكامله إثر «غزوة» رجال الشرطة، الذين يغيرون على الجمل بما حمل.
هذا النهج مثال مصغّر لمن أراد معرفة طبيعة الاقتصاد التونسي، من تقسيم وظيفي بين السوق الرسميّة (أيّ الدكاكين) مقابل الموازية (الباعة المتجولين) حيث بدأ أصحاب المحلاّت (كما هو على مستوى اقتصاد البلاد) يتخلون عن القطاعات التي ينافسهم فيها القطاع الموازي، أو ما هو أخطر أن يقلّد الاقتصاد الرسمي نظيره الموازي، مثلما فعل أحد أصحاب دكاكين بيع الأحذية، حين صار يتسوّق من أين يتسوّق زملاء الرصيف، بل هو احتلّ الرصيف الذي أمامه، على اعتبار أنّه أولى بتجاوز القانون من غيره.
هذا النهج بطول لا يزيد عن 300 مترًا يمكن اعتباره «مسرحا» يقدّم تراجيدية الواقع التونسي، أيّ دولة لا تملك الجرأة الحسم في مسألة التهريب، فهي تغمض العينين عادة لتستفيق وتضرب أحيانًا، من باب اثبات الوجود وإعلام الجميع أنّها «لا تزال على قيد الحياة»، مقابل تجار لا مورد رزق لهم وأصل تجاري، سوى ترك الأرصفة.
 

محاور
شكشوكة محرحرة
الكلمات المفاتيح
نهج إسبانيا تونس العاصمة التهريب التجارة
Share