الاتحاد الأوروبي

  • بالأرقام: آلاف المليارات من أموال تونس المنهوبة تنام في البنوك الأوروبية ولا من ساعٍ لاسترجاعها ! ratEREsc أربعاء, 02/24/2021 - 13:15 بالأرقام: آلاف المليارات من أموال تونس المنهوبة تنام في البنوك الأوروبية ولا من ساعٍ لاسترجاعها !


    كان موضوع استرداد الأموال التونسيّة المنهوبة أحد أبرز محاور لقاء قيس سعيّد، رئيس الجمهورية أمس الثلاثاء بسفراء دول الاتحاد الأوروبي، موضوع بات القاصي والدّاني يعرفُ مدى تعثّر السلطات التونسيّة في إنجاز أيّ تقدّمٍ فيه لأسباب، منها الموضوعيّ وحتّى الذاتيّ أيضا.
     والحق أنّ رئيس الجمهوريّة كان قد وضع ملفّ استرجاع الأموال التونسية المنهوبة على رأس أولوياته، حتّى إنّه شكّل لجنة خاصة صلب رئاسة الجمهوريّة كلّفت بمتابعة الموضوع والتنسيق مع مختلف الأطراف الداخلية والخارجيّة لاسترداد ما يمكنُ استرداده، قبل أن يفاجأ الرأي العام قبل أسابيع بإعلان المجلس الاتحادي السويسري انتهاء تجميد أصول بن علي والمجموعة المرافقة، الأمر الذي يبدو أنّ حزّ في نفس رئيس الجمهوريّة، ليوجّه أصابع الاتهام مباشرةً إلى رئيس حكومته، هشام المشيشي، ويتهم إدارته بالتلكؤ في حماية حقوق التونسيين.
    في هذا الإطار، نشرت صحيفة "لوطون" السويسرية مقالاً مرجعيّا، بقلم أنور الغربي، الأمين العام لمجلس جنيف للشؤون الدولية والتنمية، مقالاً عاد فيه إلى أبرز معوّقات عملية استرداد الأموال المنهوبة والمودعة في البنوك السويسرية، وأرقامها الحقيقية، فضلاً عن تقديم قراءته الخاصة في أسباب تعثّر مسار الاسترجاع من الناحيتين القانونية والسياسية.

    بن علي وعائلته اختلسوا ما بين  27 و 37 مليار دينار

    استند الكاتب في مقاله على تقريرٍ للبنك الدولي، صدر في شهر مارس من عام 2014، تقرير جاء فيه أن قيمة ما اختلسه الرئيس الرّاحل وأفراد عائلته، طوال 23 سنة في السلطة، يتراوح بين 10 و14 مليار دولار (27- 37 مليار دينار)، مضيفا أنّ العائلة كانت تسيطر في نهاية عام 2010 على أكثر من 21% من الأرباح التي حققها القطاع الخاص التونسي.
    كما استند على تقريرٍ آخر للبنك الوطني السويسري نشر في العام 2009، تقرير أكد وجود أصول تونسية تبلغ قيمتها 625 مليون فرنك سويسري (مليار و833 مليون دينار)، وهو المبلغ الذي ذكرته وزيرة الخارجية كالمي راي خلال مؤتمر صحفي في نهاية جانفي 2011.
    وكانت تونس قد تمكنت من استرجاع طائرتين قيمتهما 3.750 ملايين فرنك سويسري (11.3 مليون دينار) من سويسرا، ومع ذلك رفضت السلطات السويسرية طلبها المقدم في أوائل عام 2015 لتصبح طرفا مدعيا في الإجراءات التي بدأها المدعي العام في جنيف ضد بنك إتش إس بي سي HSBC في سويسرا. وكانت تونس قد حصلت من البنك المذكور على 114.5 مليون فرنك (345 مليون دينار) بالإضافة إلى الفوائد من البنك المذكور، لاستضافته ثروة بلحسن الطرابلسي. كما اضطر البنك في شهر جوان 2015، إلى دفع غرامة قدرها 40 مليون فرنك سويسري (120.5 مليون دينار) إلى الدولة السويسرية عن قضايا غسل الأموال المرفوعة ضد جميع عملائه وأفلت من المحاكمة، ما أدّى إلى حرمان تونس من الحصول على نصيبها في التعويضات. 
    في غضون ذلك، ذكّر الكاتب المجمّدة في البنوك السويسرية، فإضافة إلى 56.250 مليون فرنك سويسري (169.3 مليون دينار) المجمدة جزئيا، و114.5 مليون فرك سويسري (345 مليون دولار) الموجودة في إتش إس بي سي، وهي كالتالي:
    أولا، كانت عائلة بن علي قد أرسلت 320 مليون دولار (864 مليون دولار) من خلال المركز المالي في جنيف خلال العقد الأول من القرن الـ21، حسب جمعية ببليك آي (Public Eye).
    ثانيا، وجود أصول تونسية في البنوك السويسرية تقدّر قيمتها 625 مليون فرنك سويسري (مليار و833 مليون دينار)، وفقا لتقديرات البنك المركزي السويسري (2009). 

    أرقام فلكية

    والحقّ أنّ الأرقام التي أوردها كاتب المقال تعدُّ قطرة من بحر ما نهب من أموال التونسيين، فالتقرير نفسه اعتمد على ما هو موجود في البنوك السويسرية وحدها، مغفلاً ما هو موزع بين على بنوك دول الاتحاد الأوروبيّ والأمريكيتين وباقي دول جنّات التهرب الضريبي، هذا عن عدا الأصول العقارية واليخوت وغيرها ممّا يصعبُ حصره، ولهذا تحديدًا ذهب البنك الدولي إلى تقدير ما نهب من تونس بحوالي (37 مليار دينار)، رغم يقيننا الشخصي بأنّ ما نهب حقيقةً يتجاوز هذه الأرقام بمراحل، لأنّه لا يأخذ بعين الاعتبار عمليات التركيب المالي، ومساهمات أفراد العائلة الحاكمة السابقة في شركات محلية وأجنبية، علاوةً على وجود مئات من الشركات "الواجهات"، وهي شركات مملوكة لأشخاص طبيعيين أو معنويين لا تربطهم علاقة ظاهرة بأفراد العائلة السابقة، بيد أنّها تشتغل لحسابهم، وما تزالُ تنشطُ اقتصاديا إلى اليوم، محليّا وخارجيّا.
    وهذا ما يجعلنا بداهةً في مواجهة ملف متشعّب، لا سيّما في ظلّ "افتقارنا" إلى الخبرات القانونية التونسية، وكمّ الأخطاء المرتكبة في هذا الملف، بدءًا من إطلاق مشاريع المصالحة ضمن سياق ما يسمى بالعدالة الانتقالية وانتهاءً بارتهان بعض الأطراف السياسية إلى أجنداتٍ أخرى ساهمت في إضاعة أكثر من فرصة على الجانب التونسي لاسترداد جزء مما نهب من حقوق التونسيين.
    كما أن التعلل باستكمال مسار البناء الديمقراطي وترسيخ المؤسسات السياسية والدستورية، لا ينفي تحمّل السلطات التونسية لجزء هامّ من مسؤولية تعثّر هذا الملف، خصوصا في جوانبه القانونية، وهو ما عبّر عنه أنور الغربي بالقول إنّ مئات الملايين التونسية ما تزال تنام في خزائن البنوك السويسرية رغم التعاون المثالي بين الجانبين التونسي والسويسري. مذكرا بهذا الخصوص بإعلان المجلس الاتحادي السويسري انتهاء تجميد أصول بن علي والمجموعة المرافقة له، بعد عشر سنوات من الإجراءات، علما أن المبلغ الأولي للأصول التونسية المحجوزة على أساس الإجراءات الجنائية الفدرالية بتهمة "غسل الأموال" و"المشاركة في منظمة إجرامية" كانت نحو 60 مليون فرنك سويسري (181 مليون دينار تقريبا)، كما أن قائمة الأشخاص الذين تم تجميد أصولهم لم تعد تشمل سوى 9 بدل 40.
    ومع ذلك أوضحت إدارة الشؤون المالية والإدارية السويسرية أن معظم الأصول ستظل مجمدة في سياق إجراءات التعاون القانونية المتبادلة، ولكنها لم تحدد مبلغ الأموال التي ستظل محجوزة.
    وحسب مقال الكاتب المنشور في صحيفة لوطون، فإنّ على السلطات في سويسرا "أن تتفهم صعوبة وصول العدالة التونسية إلى أحكام نهائية من شأنها أن تسمح بالإفراج عن الأصول كما تطلب السلطات السويسرية، لأن الإجراءات القانونية في تونس لا تزال جارية، مشيرا إلى أن العدالة التونسية كانت بطيئة للغاية في هذه القضية وأن بعض التردد السياسي أصابها في تعقب أموال بن علي وزمرته، مع تفضيل إصدار قرارات عفو خلال السنوات الخمس الماضية".
    بالمحصّلة، إن كان صحيحا أنّ تونس أضاعت الكثير من الوقت في استرجاع ما نهب منها، وإن كان صحيحا أيضا أن ثمّة أخطاء كارثية ارتكبت علاوة على بطء الأجهزة القضائية في تتبع مسارات الأموال المنهوبة بسبب فقر التجربة وضعف التكوين ومشاكل الجهاز القضائي نفسه، فمن الأصح أن نقول إنّ أمل تونس في استرجاع جزء مما نهب منها يظلُّ قائما متى تفطن "العقل السياسي" إلى أهمية التخفف من أعطابه وصراع خلاياه المريضة بداء احتكار السلطة والانكباب فعليّا على هذا الملف بكلّ الجدية والفعالية الممكنة، لا سيّما أن البلاد تعيشُ ظرفا اقتصاديا صعبا، تقلصت معه فرص الاقتراض من الخارج بل أصبح الخروجُ معه إلى السوق الدوليّة أشبه بالانتحار السّريع.
    فهل من عاقلٍ في هذا البلد ينصتُ إلى ما يقوله العقل؟

    Subscribe to الاتحاد الأوروبي