المالية العمومية

    قانون الإنعاش الاقتصادي: حكومة المشيشي تكسرُ بيضةَ الخوف! ratEREsc خميس, 07/15/2021 - 10:21 قانون الإنعاش الاقتصادي: حكومة المشيشي تكسرُ بيضةَ الخوف!

     

    نجحت حكومة هشام المشيشي، يوم الاثنين الماضي، في انتزاع مصادقة مجلس نواب الشعب على خطتها الاقتصادية الجديدة الموسومة بـقانون الإنعاش الاقتصادي، بموافقة 110 نواب مع احتفاظ خمسة بأصواتهم واعتراض سبعة آخرين.
     ولئن أثار القانون نفسهُ اعتراض جزء من نواب المعارضة والمنظمات المستقلة المختصة في الحوكمة ومقاومة الفساد، إلا أنّ الساحتين المالية والاقتصادية رحّبتا بقانونٍ رأتا فيه بيانا حكوميا يعكسُ رغبةً في تجاوز الركود الاقتصادي، ودفع حركة الاستثمار وخلق مواطن الشغل وإدماج القطاع الموازي، وإنهاء "مظلمة" مخالفات الصرف، وتمكين التونسيين للمرّة الأولى من مسك حسابات بالعملة الصعبة.
    وقبل تفصيل بعض ما ورد في فصول القانون، لا بدّمن الإشارة إلى أنّ حكومة المشيشي وجدت نفسها في منطقة بين منطقتين، فإمّا أن تكسر البيضة وتقوم بتثوير بعض التشريعات الاقتصادية وتحمّل تكلفة ذلك، كبروز طبقة جديدة من المتمعّشين والمستفيدين، أو مواصلة العمل بالقوانين القديمة، وتأبيد حالة العطالة المتفشّية في مفاصل الدولة، لا سيّما مع تواصل الانكماش الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، فضلاً عن ارتفاع نسبة وفيات المؤسسات جراء الازمة الصحيّة وتراجع كلّ محركات الاقتصاد التونسي (الاستثمار، التصدير، الادخار،...) 

    كسر البيضة

    وأمام حتميّة الاختيار، فضلت حكومة المشيشي كسر بيضة الخوف وتثوير منظوماتها التي يتفق الخبراءُ على أنّها باتت عبئا اقتصاديا وتشريعيا ذا كلفةٍ باهظة، لا يستجيب لمنطق التحولات الاقتصادية العالمية الكبرى. ولقد تضمّن قانون الإنعاش الاقتصادي جملة من الإجراءات الثورية فعلاً كتخفيف الضغط الجبائي على الشركات والمستثمرين والمطورين العقاريين، وإدماج الأنشطة والعملة المتأتية من الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية، ومقاومة التهرب الضريبي ودعم الشفافية، فضلاً عن إجراءات لترشيد تداول الأموال نقداً.
    كما يوفّرُ هذا القانون للمواطنين الانتفاع من قروض بنكية للتملك بنسبة فائدة سنوية تقدر بثلاثة في المئة، تسدّد على مدة أقصاها 40 عاماً، مع عدم اشتراط توفير تمويل ذاتي بالنسبة إلى المسكن الأول، وهو ما يعتبر مطلباً أساسياً للباعثين العقاريين وسيمكن التونسيين من امتلاك مسكن بشروط مقبولة.
    ومن الإجراءات المهمّة التي تضمنّها القانون، السماح لكل مواطن تونسي، بمسك أو فتح حساب بالعملة الأجنبية أو بالدينار القابل للتحويل بتونس، وهو ما يعد أحد أبرز المطالب التي رفعها عدد من التونسيين والمستثمرين لتسهيل العمليات التجارية او الشراءات من الخارج.
    كما مكن الشركات من إعادة تقييم العقارات المبنية وغير المبنية التي تتضمنها موازناتها حسب قيمتها الحقيقية، وطرح الأرباح أو المداخيل المعاد استثمارها في رأس مال المؤسسات المصدرة كلياً، إضافة إلى تسوية المخالفات والجنح الديوانية للمؤسسات عبر الاقتصار على دفع عشرة في المئة من مبلغ الضرائب المتوجبة.
    علاوة على ذلك، وضع القانون خط تمويل بثلاثة مليارات دينار على ذمة المؤسسات بشروط ميسرة وبضمان الدولة مما من شأنه أن يساهم في تجاوز المصاعب المالية والاقتصادية الراهنة وفي دفع النمو وتنشيط الاقتصاد، وإذ تهدفُ هذه الإجراءات إلى دعم المؤسسات التونسية، خاصة منها المصدّرة، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، فإنّها لم تغفل أيضا الاقتصاد الموازي، من خلال توفير حزمة إجراءات مهمّة كإحداث مساهمة تحررية قد تصل نسبتها إلى 20 في المئة توظف على المبالغ المتأتية من مداخيل وأرباح غير مصرح بها، أو مسك عملات في شكل أوراق نقدية أجنبية بتونس ومكاسب من العملات بالخارج من دون التصريح، شريطة إيداع المبالغ المذكورة بحساب بنكي أو بريدي.

    تحوير جبائي...

    ورغم أنّ الأنظار كانت تتطلّع إلى عملي تثوير حقيقية لقطاعة الجباية، إلا أن القانون الجديد اكتفى بإجراءات بسيطة كإسناد معرفات جبائية رأساً للأشخاص المخلين بواجب التصريح في الوجود، والتخفيض من ستة إلى أربعة أشهر في المدة القصوى المحددة لإجراء المراجعة الضريبية المعمقة، أو الرفع من ثلاثة إلى ستة في المئة في معلوم إسداء خدمة التسجيل المستوجب على العقود والتصاريح المتعلقة بنقل ملكية عقارات (الهبات والتركات)، واحتساب هذا المعلوم على أساس القيمة المحينة للعقارات المحالة.
    كما اقترح القانون إجراءات جديدة لفائدة الجالية التونسية في الخارج، من أبرزها تمكينها من الانتفاع بالتسجيل بالمعلوم القار عوضاً عن المعلوم النسبي عند الاقتناء بالعملة الأجنبية للعقارات المعدة لممارسة نشاط اقتصادي واقتناء الأراضي. كما يقر القانون احتساب معاليم الجولان على السيارات المسجلة خارج البلاد، التي تم توريدها من قبل التونسيين بالخارج بشرط تجاوز مدة ثلاثة أشهر.

    المهم والأهمّ

    وههنا تجدرُ الإشارة إلى أن القانون كانت قد أعدته حكومة السيد إلياس الفخفاخ، قبل سقوطها، لتعيد حكومة المشيشي صياغتهُ وإدخال فصول جديدة عليه، لعلّ أبرزها هو وضع خطّ تمويل على ذمة المؤسسات التونسية.
    ولقد رحّبت الساحتين المالية والاقتصادية بالقانون الجديد إذ رأت فيه مشروعا تثويريا يحمل أبعادا اقتصادية ومالية واجتماعية ومجتمعية تهدفُ إلى" إنقاذ الاقتصاد الوطني في ظل الصعوبات التي تواجهها البلاد"، حسب بيان منظمة الأعراف التي اعتبرت القانون " خطوة هامة على طريق تطوير التشريعات الاقتصادية والمالية وملائمتها مع تشريعات البلدان المتطورة، ومع الظروف التي تعيشها تونس خاصة جراء تداعيات أزمة فيروس كورونا، ويمثل أرضية مناسبة لتحسين المناخ العام للاستثمار والأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وجاذبية الوجهة التونسية، وسيساعد على المحافظة على ديمومة المؤسسات وعلى مواطن الشغل وخلق فرص عمل جديدة خاصة للشباب في كل الجهات والقطاعات".
    كما سجلت المنظمة ارتياحها " بالخصوص لأهمية وضع خط تمويل بثلاثة مليارات دينار على ذمة المؤسسات بشروط ميسرة وبضمان الدولة مما من شأنه أن يساهم في تجاوز المصاعب المالية والاقتصادية الراهنة وفي دفع النمو وتنشيط الاقتصاد، وكذلك إقرار خط تمويل بشروط ميسرة وبدون تمويل ذاتي في مجال السكن مما يحسن المقدرة الشرائية في هذا المجال الحيوي ويفتح أبواب الأمل أمام التونسيين وخاصة الشباب في امتلاك مسكن". 
    هذا الموقف تردد صداهُ أيضا داخل الأوساط البنكية والمصرفيّة، ومع ذلك لم ينجُ القانون من الانتقادات رغم مصادقة المجلس عليه، إذ رأى بعض النواب في بعض فصوله (فيصل دربال، عضو لجنة المالية) خطوة إلى الوراء وتطبيعا مع منظومة غسيل الأموال، فيما اتهمت منظمة أنا يقظ الحكومة بتكريس المصالحة الجبائية مع المتهربين ضريبياً وإعطاء مشروعية لبارونات التهريب.
    ومهما يكن من أمر، فإنّ القانون نفسهُ يعتبرُ "ثوريّا" و "مهمّا" في ظرفٍ جدّ حسّاس تمرّ به البلاد، خاصة أنّ المالية العمومية ما تزالُ تعاني مشكلات كبرى مع عجز مالي بلغ 11.4 بالمئة وانكماش اقتصادي 8.8 بالمئة في 2020، علما أن الانكماش بلغ في الربع الأول من العام الحالي نسبة ثلاثة بالمائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. صحيحٌ أنّ الشياطين ستسعى إلى امتلاك إقامات فخمة داخل فصول هذا القانون الجديد، وصحيح أيضا أنّ بارونات الفساد ولورداته ستسعى إلى تحويل وجهة بعض الفصول لخدمة أجنداته، ولكن سيكون من الأصحّ أيضا أن نقول إنّ أيّ إنجازٍ سيسحبُ وراءهُ بعض الشوائب ومع على أجهزة الدولة الرقابية سوى أن تقتنص اللحظة وتقوم بواجبها على أفضل وجه.
     

    وزير المالية وخططه للإصلاح: سائق درّاجة متفائل يسابقُ نفسه! lomPLacD أربعاء, 02/03/2021 - 10:04 وزير المالية وخططه للإصلاح: سائق درّاجة متفائل يسابقُ نفسه!


    "اعتماد سياسة الدعم الموجه"، "الضغط على كتلة الأجور"، "الحصول على ضمان قرض من الإدارة الأمريكية"، "التفويت في أسهم الدولة في عدد من المؤسسات"، "الخروج إلى السوق الدولية"، هذه هي أبرز إحداثيات مشروع المشروع إصلاح الماليّة العمومية، كما بسطها علي الكعلي، وزير المالية والاقتصاد ودعم الاستثمار، لوكالة رويترز. 
    ولقد بدا الوزيرُ متفائلاً، كما لو أنّه سائق دراجة يسابقُ نفسه، وهو يطرحُ خطّته، معوّلاً على أمنيات شخصيّةٍ أكثر منها قراءة واقعيّة لطبيعة الداخل الاقتصادي والمالي التونسيّ، ومتطلّبات السوق الدوليّة وارتباطها الوثيق لا فقط بالتصنيف الائتماني لتونس وإنّما كذلك بطبيعة المعادلات السياسية الجديدة، في مرحلة ما بعد كورونا.
    وقبل أن نناقش تفاصيل خطّة وزير المالية لتأمين الموارد المالية الضروريّة للبلاد، لا بدّ من التذكير أوّلاً بأنّ كلّ ما بسطهُ يدخلُ في صميم اتفاق تونس مع صندوق النقد الدولي، اتفاق كان ممهورًا باللّعاب السائل والتلكؤ في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل. كما يتعيّنُ علينا أن نذكّر أيضا بأنّ النقاط التي ركّز عليها الصندوق لم تحد قطّ عن رفع الدعم وتخفيض كتلة الأجور وخوصصة المؤسسات العموميّة وترشيد الإنفاق العمومي والإصلاح، وكلّها بنودٌ فشلت الحكوماتُ المتعاقبة في تنفيذها، ولا نعتقدُ البتّة أنّ حكومة السيد هشام المشيشي، ستكسرُ دائرة التلكؤ تلك، وتنجح فيما فشل فيه من سبقها.

    الخروج إلى السوق الدوليّة: المخاطرة الكبرى!

    لقد بدا من الواضح أنّ وزير المالية، ومن ورائه رئيس الحكومة، يعوّلُ على الدعم الأمريكي، إذ أشار الكعلي إلى أن تونس ستسعى إلى الحصول على ضمان قرض بمليار دولار (2.7 مليار دينار) من إدارة الرئيس الأمريكي جو بادين، مع إصدار سندات خزينةٍ قد تصلُ إلى ثلاثة مليارات دولار (8.1 مليار دينار). 
    وموقف الوزير مفهوم في الواقع، فالبلاد تعاني من عجز مالي بلغ 11.5 بالمئة العام الماضي، ودين عام تجاوز 90 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، كما تستعدُّ لتسديد ديون قياسية في العام 2021. لكن ما لم يوضحه الوزيرُ هو التالي: متى وكيف سيتم الخروج تحديدَا إلى السوق الدوليّة. 
    علما أنّ الحكومة كانت قد حدد حجم الاقتراض الخارجي في ميزانية العام 2021 ب، 16.6 مليار دينار، تنقسم الى قروض خارجية موظفة وقروض معاد إقراضها وقروض دعم الميزانية مع برمجة خروج تونس إلى السوق المالية العالمية، دون تحديد سقف زمني لذلك. والمعلوم أنّ آخر خروج لتونس إلى السوق الدولية كان في العام 2016، وبضمان أمريكي، أي حينما كانت ما تزالُ تكافح من أجل إنجاح انتقالها الديمقراطي. وفي غضون ذلك، تمت مراجعة التصنيف الائتماني لتونس تمت 8 مرات للأسفل، ما يعني أن تصريحات وزير المالية علي الكعلي حول الحصول على الضمان الأمريكي وإصدار السندات والاقتراض هي من قبيل الأماني لا أكثر ولا أقلّ، لا سيما وقانون الموازنة الأمريكية كان قد قصر مساعدة تونس على الدفاع وحقوق الانسان والعدل.
    ولو أضفنا إلى كلّ ذلك، مشكلة "المديونيّة"، لبدت لنا تصريحاتُ الوزيرُ عبثيّة تمامًا. فالمعلوم أن مدفوعات تونس من الديون المستحقة 16 مليار دينار وهو مستوى قياسي، بعد أن كانت لا تتجاوز ثلاث مليارات في 2010. فكيف سيتعاملُ الوزير، وحكومته، مع كلّ هذه الثقوب النازفة. بل إننا لو حاولنا تلخيص كلّ ذلك، لقلنا إنّ الحصول على ضمان من الإدارة الأمريكية هو أقربُ إلى الأمنية الخيالية، ذلك أنّ تونس "نجحت" عمليّا في تجاوز مرحلة الانتقال الديمقراطي، ما يعني بداهة ضرورة أن تعوّل على نفسها. ولو أضفنا إلى كلّ هذا تراجع تصنيفها الائتماني فسيعّدُ الخروج إلى السوق الدوليّة عملاً انتحاريّا، إذ ستكون البلاد تحت رحمة المانحين، بمدد خلاص قصيرة ونسب فائدة مشطّة، وهو ما لن تحتمله البلاد قطّ.

    كتلة الأجور والحرائق الاجتماعية

    في بابٍ آخر لمّح وزير المالية إلى إمكانية تخفيض كتلة الأجور في تونس، مع اعتماد سياسة "الدعم الموجّه". ومرة أخرى يبدو موقف الوزير مفهومًا، خصوصا في النقطة الأولى، إذ تبلغ كتلة الأجور أكثر من 20 مليار دينار هذا العام، من إجمالي ميزانية البلاد البالغة 52 مليار دينار، أي ما يقلُّ قليلاً عن النصف.
    ولا نعلمُ حقيقةً كيف سيتمكنّ الوزيرُ من تنفيذ خطته بخفض كتلة الأجور: هل سيبادرُ على تسريح الموظفين الزائدين عن الحدّ؟ أم سيعوّل على "تفهّمهم" و"وطنيتهم" لتخفيض مرتباتهم وسط أوضاعٍ معيشية متردّية؟ هل للوزير وحكومته القدرة على مواجهة المركزيّة النقابية وامتصاص غضبها، هي التي وضعت الدفاع عن منظوريها نصب عينيها؟ لا داعي للبحث عن الإجابات، طالما أنّ الوزير نفسه لا يملكُ الإجابة، بل يبدو لنا الأمرُ وكأنّه يقومُ بحملة تسويقيّة لمغالطة صندوق النقد الدولي أو "برولتهِ" حسب التعبير التونسيّ الدارج.
    في نقطة الدعم الموجّه، نقفُ مرّة أخرى على غموض تصريحات وزير المالية. فما معنى أن يكون الدّعمُ موجّها؟ وبأيّ طريقة؟ وبأيّة وسائل؟ فكلنا يعلمُ تقريبا أنّ 80 بالمائة من نفقات الدعم تذهبُ إلى غير مستحقيّها. ولكن بأيّة آليات سيتمّ فرزُ من يستحقّون الدعم عن سواهم؟ وكيف "ستوجّهُ" لهم الدولة الدعم في صورة تمكنها من تحديدهم؟ وكم ستستغرقُ هذه العمليّة من وقتٍ؟ طبعًا، لا داعي للبحث عن إجابات، طالما أنّ الوزير نفسه لا يملكُ الإجابة.

    مأزق المؤسسات العمومية

    في باب آخر، تحدّث الوزيرُ عن هيكلة المؤسسات العمومية، مستفيدًا من تصريحات سابقة لرئيس الحكومة هشام المشيشي الذي سبق له أن قال إنه لا توجد خطوط حمراء في عملية إصلاح المؤسسات العامة، التي يتجاوز عجزها الستة مليارات دينار. وإذ لم يفصح الكعلي عن طبيعة هذه الإصلاحات مكتفيا بالإشارة إلى أنه تقرّر إحداث   وكالة وطنية للإشراف على إصلاح هذه المؤسسات، إلاّ أنّ نية التفويت في أسهم الدولة، وخوصصة هذه المؤسسات، تختزلُ مفهوم" الإصلاح" نفسه. ومرّة أخرى، نتساءلُ كيف ستتمكن الحكومة من تمرير هذه الأجندة تحديدًا في ظلّ رفض المركزية النقابية وأغلب الحساسيات السياسة لفكرة خوصصة المؤسسات العمومية؟ هل سيقتصر التفويتُ على منابات الدولة في عدد من البنوك، أم سيشملُ شركة الخطوط الجوّية التونسية (وهو ما يبرّر في الواقع تعيين ألفة الحامدي على رأس الناقلة الوطنية بإصرار من المشيشي نفسه) وغيرها من المؤسسات الاستراتيجية. ولئن خفف الكعلي من وقع تصريحاته قائلاً إنّ الحكومة لا تسعى إلى مواجهة المركزية النقابية، إلاّ أنّ مجرّد الإقدام على هذه الخطوة قد يفتح باب الجحيم على حكومة المشيشي نفسها، خصوصا أنّ إمكانية "الإصلاح الحقيقي" متوفّرة بعيدًا عن الحلول السّهلة التي تزيح القناع نهائيا عن أجندة حكومة المشيشي. 
    لقد كنّا ننتظرُ أن يبادر الوزير ويبسطُ خطته في باب الإصلاح الجبائي ومكافحة التهرّب الجبائي والتهريب بأنواعه، ومراقبة مسالك التوزيع، وتثمين المخزون العقاري للبلاد التونسية، والإصلاح الزراعي، ودفع الاستثمار الداخلي، ومساعدة المؤسسات الاقتصادية المتضرّرة. كما كنا ننتظرُ خطة معقولة لإصلاح ثقوب المالية العمومية بالتعويل على موارد الدولة الذاتية، وهي موارد مشتتة، لكن ما قرأناهُ هو الاقتراض وإصدار سندات ومنافسة الشركات التونسية على التمويل البنكي، أي مزيدًا من الارتهان إلى الخارج وربط مستقبل التونسيين إلى الأبد بلجان "الكومسيون المالي". وحتّى في حديثه عن مراجعة كتلة الأجور، وتوجيه الدعم، وهيكلة المؤسسات العمومية، لم نعثر على خارطة طريق واضحة، بل "إشارات تسويقية"، الهدف منها إقناع صندوق النقد الدوليّ بالموافقة على تقديم تمويل إضافيّ، في الوقت الذي تتكئ فيه الحكومة في القيام بالإصلاحات الضرورية وعلى رأسها ترشيد الإنفاق العام ومضاعفة تنافسية المؤسسات الوطنية، الخاصة منها والعامّة. 
    بيد أنّ كل ذلك لا يبدو مهمّا في نظر وزير المالية ورئيس حكومته، طالما أنّ "الشعوذة" باتت وسيلة الحاكم الوحيدة لإقناع بسطاء العقول بأنّه جادّ في عملية الإصلاح...ولكنّ ذلك قصّة أخرى!
     

     

    Subscribe to المالية العمومية