العنصرية

  • استقالة رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على خلفية تصريح عنصري lomPLacD أربعاء, 11/11/2020 - 10:23 استقالة رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على خلفية تصريح عنصري


     أعلن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم الثلاثاء أن غلين كلارك استقال من منصب الرئيس، وذلك على خلفية تصريح أدلى به بشأن اللاعبين السود في كرة القدم الإنكليزية، واصفا إياهم بـ"المُلَوَنين".
    وقال الاتحاد الإنكليزي في بيان "بإمكاننا التأكيد أن غريغ كلارك استقال من دور الرئيس. سيتولى بيتر ماككورميك موقتاً منصب رئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بمفعول فوري، وسيبدأ مجلس الاتحاد عملية تحديد وتعيين رئيس جديد في الوقت المناسب".
    واضطر كلارك الذي استلم رئاسة الاتحاد الإنجليزي في سبتمبر 2016 ويشغل منذ فيفري 2019 منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي (الفيفا)، في وقت سابق الثلاثاء الى الاعتذار عن استخدامه كلمة "ملونين" إضافة الى عبارات أخرى مثيرة للجدل، خلال حديث مع لجنة الثقافة والرياضة والإعلام في مجلس العموم البريطاني حول قضايا التنوع الإثني في كرة القدم.
    ونقل موقع الاتحاد الإنكليزي عن كلارك (63 عاماً) قوله "كشخص يحب كرة القدم وأمضيت عقوداً في خدمة لعبتنا، فمن الواجب أن أضع مصلحة كرة القدم في المقام الأول. كان 2020 عاماً مليئاً بالتحديات، وكنت أفكر جدياً منذ فترة بالاستقالة من أجل إفساح المجال أمام رئيس جديد...".
    وأقر "كانت كلماتي غير المقبولة أمام البرلمان ضارة للعبتنا ولمن يشاهدها، يلعبها، يُحَكِم فيها ويديرها.لقد بلور ما حصل عزمي على المضي قدما".
    وتابع "أشعر بحزن عميق لأني أسأت إلى تلك المجتمعات المتنوعة في كرة القدم التي عملت أنا وآخرون من أجل جعلها تشعر بالانتماء".
    وختم "أود أن أشكر أصدقائي وزملائي في اللعبة على الحكمة والمشورة التي تشاركوها معي على مر السنين، وأتقدم باستقالتي من الاتحاد الإنجليزي بمفعول فوري".
    ولم يكتف كلارك بوصف اللاعبين السود بـ"الملونين"، بل أثار موجة غضب أيضاً لإشارته إلى أن سبب عدم وجود لاعبين محترفين في إنكلترا من جذور جنوب آسيوية يعود إلى "اهتمامات مهنية مختلفة".
     

    ترشح كامالا هاريس لمنصب نائب الرئيس هي حملة لتكون ثاني رئيس أسود لأمريكا lomPLacD ثلاثاء, 11/10/2020 - 09:29 ترشح كامالا هاريس لمنصب نائب الرئيس هي حملة لتكون ثاني رئيس أسود لأمريكا

     

    وقع الاختيار على كامالا هاريس كنائبة لجو بايدن على خلفيّة لون بشرتها، لا بسبب مؤهلاتها، على عكس ما حدث مع باراك أوباما. ومع ذلك، لنائبة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية القادمة، هذه السيدة المنحدرة من أصول جمايكية، من جهة والدها، وهنديّة، من جهة والدتها، كلّ المؤهلات لتصبح أول امرأة سوداء تشغل المكتب البيضاوي.
    وبهذا الخصوص، يجب ألاّ نخطأ، ففي نظامنا الديمقراطيّ، الرّئيسُ الذي تطالبُ به دولتنا هو كمالا هاريس لا جو بايدن. والأهمّ من ذلك كلّه، أن ترشيح كمالا هاريس لمنصب نائب الرئيس، هو اختبارُ قياديّ تمهيديّ يؤهلها لكي تصبح ذات يومٍ ثاني شخص أسود يشغل المكتب البيضاوي.
    لقد كلف الديمقراطيون جو بايدن بمهمة إصلاح الأوضاع في أمريكا، فيما تعهد هو بأخلقة الحياة السياسيّة في البلاد وإرجاع الأمور إلى نصابها. وإذ كان نائب الرئيس عادة ما يكونُ دوره رمزيًا، إلاّ أنّ الأمور تختلفُ في حالة كامالا هاريس، إذ بوسعنا أن نرى أهمية ما تمثّله حقًا: فهي امرأة سوداء، تمثّل أكثر الناخبين ثقةً في الحزب الديمقراطي، أي جمهور الناخبين ذاك الذي بدأ مؤخرًا في الصعود إلى السلطة والحصول على مكانته المستحقّة. 
    علاقة هاريس بحركة "حياة السود مهمّة"
    أضف إلى ذلك، تعي كامالا هاريس جيّدًا مدى ارتباطها بحركة "حياة السود مهمّة" (Black Lives Matter)، وباقي المنظمات المواطنية المناهضة للعنصرية، وهي منظمات نجحت على مدار الأربعة الأشهر الماضية في دفع البلاد نحو إقرار المساواة العرقية بنجاحٍ منقطع النظير لم يسبق أن عايناهُ طوال تاريخ بلادنا.
    صحيح أنّ كامالا هاريس ليست امرأة تقدمية في كل المجالات، بيد أنّها تحمّلت مسؤولية الدفاع عن حقوق السود وتحقيق مطالبهم على نحوٍ عاجل، عندما سردت أسماء النساء والرجال السود الذين قتلوا على أيدي الشرطة -ما تسبب في خروج مئات الآلاف من الأشخاص إلى الشوارع هذا العام- كما حدث في خطابها المناهض لسياسات دونالد ترامب مع نهاية شهر أغسطس الماضي. وهذا ما جعل كامالا هاريس تحظى بدعم الحزب الديمقراطي لمنصب نائبة الرئيس، فبالنهاية، أمريكيو سنة 2020 يرون أنفسهم بعينيها هي لا بعيني جو بايدن. 
    مسار أوباما المحلّى
    لقد حدث الكثير خلال الاثنتي عشرة سنة الماضية. ففي عام 2008، غزا المرشح باراك أوباما البلاد معتمدًا على لون بشرته، على طريقة شعارات ديزني المحلاة، ومراهنا في ذلك على أصوله المنحدرة من كينساس وكينيا وهاواي، كمثال ساطع على هذا التنوع الأمريكي الذي يفترضُ به أن يتسامى على الضمائر الحمر (لون الجمهوريين) أو الزرق (لون الدموقراطيين). 
    وهذا ما حدد بالنهاية مسار عهدته الرئاسية. في الواقع، قد يقال إن البيت الأبيض، في عهد أوباما، بذل ما في وسعه للدفاع عن العدالة العرقيّة، وهذا ليس صحيحا إذ أن أوباما أبدى خوفهُ من أيّ موقف قد يفهم منهُ عزلاً للبيض الذين أوصلوه إلى السلطة. وبهذا الخصوص، نادرًا ما تحدث أوباما مباشرة مع الأمريكيين الأفارقة، أو عنهم، خلال عهدته. وذلك ما يعكسُ مفارقة الاندماج الكلاسيكية: فكلما زاد قبول السود في المشهد السياسي، زاد ترددهم في قول ما يفترض بهم أن يقولوه، ومن ثمّة تخسرُ الحرب ضدّ العنصرية جولاتها.
    ومع ذلك، لم ثمّة من داعٍ لوجود تلك المفارقة اليوم، فكمالا هاريس اختيرت بالفعل بسبب لون بشرتها، لا بسبب مؤهلاتها، ذلك أنّ وجودها في الحملة كان أمرًا ضروريًا وكفى، لا لأنها تمثّلُ فقط وضعا قائما يفترض من البيض الاعتذار عنه، أو لأنّ ترشيحها وقع تغليفه بخطابٍ متحمّسٍ حول أمريكا موحّدة. 
    نقطة تحوّل
    ولو لم تتحدّث هاريس عن آثار عقودٍ من تفوق البيض والعنصرية، لما كانت ستظهرُ في مظهر المؤهلة لشغل البيت الأبيض في يوم من الأيام. ومن ثمة يبدو لنا أنّ صعودها يعدُّ نقطة تحوّل مذهلٍ قد يؤذنُ بعهدٍ جديد تكونُ القيادةُ السوداءُ فيه شرعّية وأخلاقيّة في نظر الجميع. 
    ومع ذلك، ثمّة سؤال يطاردني أحيانًا: هل ستكونُ كامالا هاريس في مستوى المسؤولية؟ صحيح أنّها ليست أوباما، لكنها تشترك معه في بعض الخصائص التي يشتركُ فيها القادةُ السود من خريجي الجامعات، أولئك الذي أعاقوا بصراحة مسيرة مكافحة العنصرية، بالقدر الذي ساعدوها فيه، على مدى الخمسين عامًا الماضية.
    فكامالا هاريس، المحامية المتدرّبة، تنتمي إلى الطبقة الوسطى، حالها في ذلك حال بقية القادة السود المهمين، على غرار وليام إدوارد دي بوا، وماري شيرش تيرال وثيرقود مارشال ومارتن لوثر كينغ الابن، وهم نساء ورجال حطموا أغلال العنصرية والتمييز العرقي. وبعد إلغاء آخر قوانين الفصل العنصري، والمعروف بقانون جيم كرو في ستينيات القرن العشرين، كان أمام أعضاء تلك الطبقة الاجتماعية حرية الإبحار بقواربهم وفعل ما يريدون ليحيوا حياةً سعيدة، وبالفعل، فعل الكثير منهم ذلك. وعلى نحوٍ مّا، حلت "الوظيفية" السوداء محل النضال كوسيلة لتحقيق العدالة العرقية. لقد كان ما حققه الأكاديميون والأطباء والمحامون وكبار المسؤولين التنفيذيين السود من نجاحاتٍ صعبة دليلاً على أنهم استمروا في الكفاح، وأن نضالهم ذلك أتى أؤكلهُ، ولكن بالعودة إلى تلك المفارقة التي تحدثنا عنها، كان صعودهم تحديدًا عاملاً من عوامل انصرافهم شيئا فشيئا عن قضايا السود. ولقد أثارت تلك الديناميكية حفيظة الأمريكيين الأفارقة العاديين، بيد أنهم فهموا الامر كما هو عليه: كان على أولئك القادة الاستجابةُ لمنطق الاندماج الذي فرضته الأغلبية البيضاء.   

    كاريزما كبيرة ودم بارد

    في الواقع لدى كامالا هاريس كلّ ما يحتاجه الطامحُ للوصول إلى البيت الأبيض: إذ تتمتع باللياقة البدنية، ورباطة جأش، علاوة على أنّها متحدثة جذابة. أضف إلى ذلك، هي على أتم الاستعداد لأنهاء كما أنها مستعدة لإنهاء إغفال قضايا السود والتشبه بالبيض، وهو الثمنُ الذي دفعهُ القادةُ السود السابقين مقابل الاندماج.
    وكونها أقل حذرًا من باراك أوباما يعدُّ أمرًا جيّدًا. أضف إلى ذلك، يحدثُ أحيانا أن تكون لاذعة في خطاباتها، إذ سبق لها أن هزمت وزير العدل ويليام بار في مناقشة شهدها مجلس الشيوخ العام الماضي، بل وهزمت بايدن نفسه في المناظرات التمهيدية للحزب الديمقراطي. إن كامالا لا تتردد البتة في إظهار غضبها ويمكن أن تقطع أشواطا للتعبير عن غضبها في بعض الأحيان، ذلك أنها لا تشعرُ بالراحة إلاّ داخل دائرة السود، دائرة أحيانا ما كان أوباما يشعرُ بغربته عنها، فهي بالنهاية طفلة سوداء من أوكلاند، كما كان والداها، وهما من فئة السود والمهاجرين، يبديان حساسيتهما الكبيرة لنضالات الأمريكيين الأفارقة. 
    وعندما سألتها مراسلة صحيفة نيويورك تايمز عما إذا كانت قد تعرضت إلى التنميط العنصري، أجابتها قائلة: "لقد سئمت من حقيقة كوني مجبرة في كلّ مرة على إخبار الناس بتجاربي مع العنصرية، لكي أجعلهم يدركون أنّها موجودة ". ولقد اتهمت في الحوار نفسه، صديقاتها البيض اللائي أبدين عدم تصديقهن لممارسات قوات الشرطة العنيفة ضدّ السود، بأنهن يتحدثن كالمستعمرين البيض.
    وفي الواقع، تتمتع كامالا هاريس بالقوة والشرعية اللازمتين لوضع نضالات الأمريكيين من أصل أفريقي رسميًا على رأس جدول أعمالنا السياسي، أي في مكانه الحقيقي. وما آملهُ فقط هو أن لديها الإرادة للقيام بذلك، لا سيّما أبدت استعدادها للانتقال من هوامش تاريخ بلادنا إلى مركزه.  إنّ كامالا هاريس هي فرصتنا الثانية لنحظى برئيس أسود للولايات المتحدة، والحقّ أنها أكثر شخص مؤهلّ لتحقيق هذا الهدف. 
     

     

    نشر مقال الصحافيّة إرين أوبلي كابلان في صحيفة "لوس أنجلس تايمز" وتولّى وليد أحمد الفرشيشي، ترجمته ونقله إلى اللغة العربية.
     

    لماذا تخلّفنا عن معركة إدانة العنصريّة؟ lomPLacD سبت, 06/20/2020 - 11:08 لماذا تخلّفنا عن معركة إدانة العنصريّة؟

     

    أشعلت حادثةُ مقتل جورج فلويد، المواطن الأميركي ذو الأصول الأفريقية، خنقا تحت ركبة شرطيّ أبيض، الحرائق داخل الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يمتدّ لهيبُ الغضب إلى شعوب دول العالم الحرّ، حتّى نافس جائحة كورونا في سرعةِ انتشاره. ولئن عرّى الحدثُ الأمريكيُّ الخالصُ القناع عن الوجه الآخر لديمقراطية العمّ سام، ذلك الوجه الخبيث والقبيح، فإنُّهُ وخز الضمير الإنسانيّ برمّتهِ، ونبّههُ إلى أن أقدم قضيّة إنسانية عالميّة لم تحلّ بعد، بل ظّلت وصمة عارٍ تلاحقُ شعوب العالم أجمع، بما في ذلك الشعوب العربيّة والإسلاميّة.

    غير أنّ ما يثيرُ الحيرة هو صمتُ التونسيين واكتفائهم بالتنديد "البارد" على الحدثِ الأمريكيّ وكأننا غير معنيّون بهذه القضيّة التي اختفت تحت ركام القضايا الاقتصادية والإجتماعيّة. ولعلّ ما يثيرُ الاستغراب أكثر هو اكتفاء ناشطي حقوق الإنسان والجمعيات المدنية والأهلية والسياسيين وجزء من المواطنين بمنشورات فايسبوكيّة جافّة، كما لو أننا حسمنا المعركة مع قضيّة حقيقية ما تزالُ تلقي بظلالها القبيحة على علاقتنا الاجتماعية، بل وتدمغُ سلوكياتنا اليوميّة حتّى وإن تمترسنا وراء الإدانةِ العاجزة والتعاطف البارد.

    لماذا نتحدّثُ عن تخلّف تونس تحديدَا عن معركة الإدانة الدوليّة لما حدث في الولايات المتحدة الأمريكيّة؟ في الواقع ثمّة أكثر من سبب يجيزُ هذا التساؤل، لاسيّما أن تونس لطالما شكّلت استثناءً عالميّا جميلاً في مجال حقوق الإنسان، على الأقلّ في الجانب التشريعيّ.

    وههنا تحديدًا، يتعيّن علينا أن نذكّر أنفسنا قبل تذكير دول العالم، بأنّ بلادنا من أوائل الدول التي  تلغي الرّق منذ منتصف القرن التاسع عشر، حين أصدر أحمد باي الأول في 6 سبتمبر 1841 أمراً يقضي بمنع الاتجار في الرقيق وبيعهم في أسواق المملكة، كما أمر بهدم الدكاكين التي كانت معدة لجلوس العبيد بالبركة ثم أصدر أمراً في ديسمبر 1842.

    يعتبر من "يولد بالتراب التونسي حراً لا يباع ولا يشترى”، قبل أن يصدر الأمرُ العليّ بتاريخ 29 ماي 1890 والذي أنهى العبوديّة تماما في تونس. ويتواصلُ الاستثناء التونسي، ففي سابقة تاريخيّة في العالم العربيّ، صادق البرلمان التونسيّ في العام 2018 على أوّل قانون يجّرم العنصريّة. ولم تكتف تونس بهذه السابقة العربيّة، إذ أقدم القضاء التونسي في أوّل سابقة في تاريخ البلاد على إدانة سيّدة تهجمت على مدرس ونعته بأوصاف عنصرية، وأصدرت ضدّها حكما بالسجن لمدة 5 أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية قدرها 400 دينار بعد نعتها للمدرّس بأوصاف عنصرية على خلفية بشرته السوداء.

    بيد أنّ الاستثناء التشريعيّ، مازال يقابلهُ صمتُ مجتمعيّ ما يزالُ في حالة إنكار، ويرفضُ الاعتراف بوجود ممارسات عنصريّة تقسّم التونسيين حسبَ درجاتهم "اللونيّة"، ممارسات تصلُ إلى التمييز في فرص العمل، وفي فرص التعليم، وفي التعيينات الوزاريّة والمناصب الكبرى في البلاد وغيرها من المجالات، رغم أنّ السود التونسيين يشكلون شريحةً عددية معتبرة في البلاد.

    لماذا تخلّفنا عن معركة إدانة العنصريّة؟

     

    وبخصوص هذا، دعونا نتّفقُ على أمرٍ واحد على الأقلّ، وهي أن الثورة التونسيّة لم تحرّر الألسن والعقول فحسب، ولم تأسس لديمقراطيّة ناشئة وسط بحيرات من الفوضى والحرائق الإقليمية فحسب، وإنّما حرّرت أيضا كلّ "المسكوتِ عنه"، ومن ثمّة لا توجدُ قضايا تحظى بالألويّة على حسابِ أخرى.

    ولهذا السبب تساءلنا عن سرّ تخلّفِ تونس الرسميّة عن إدانة الجريمة العنصرية البغيضة التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، كما فعلت ألمانيا وبريطانيا ودول أخرى، كما تساءلنا عن سرّ تخلّف الشارع التونسي، كغيره من شعوب العالم الحرّ، عن توجيهِ إدانةٍ واضحة للممارسات العنصريّة في العالم، وخصوصا في بلادنا.

    صحيحٌ أنّ لدينا تاريخٌ مشرّف مع إلغاء الرّق، ولدينا مدوّنة تشريعيّة يحسدها علينا العدوّ قبل الصديق، لكنّ هذا كلّهٌ لا يكفي، طالما لم يقع استغلال الغضب العالميّ، للدفع باتجاهِ اقتلاع نبتة كراهية الآخر على أساس عرقه أو دينه أو لونه أو جنسهِ من هذا التراب الذي نحبُّ.

    إنّ الشجاعة الأدبيّة التي تحلّى بها النوابُ قبل عامين ومصادقتهم على قانون يجرّمُ العنصريّة، يجبُ ألا ينسينا أن القانون وحده لا يكفي لتغيير سلوك مجتمعٍ ما. صحيح أنه يشكّل خطوة أولى، على دربِ تغيير المزاج العام، لكن هذه الخطوة يجبُ أن تعقبها خطوات أخرى خصوصا على مستوى المناهج التربوية في اتجاهِ تأصيل ثقافة جديدة تتلاءمُ وشعارات الثورة التونسية، ثقافة تنبذُ العنف والكراهية والعنصرية، و تؤسس لبيئة سليمة خالية من كلّ هذه الأعطاب.

    بالمحصّلة، يعلّمنا جورج فلويد هذا الدرس الفارق: يتعيّن على شعبنا ونخبه إدانةُ ما يحدثُ من جرائم في حقّ الإنسان، في كلّ مكانٍ من العالم، وأنّ مناهضة العنصريّة قولاً وممارسة وسلوكا هي أولويّة كغيرها من الأولويّات، بل هي أحد مداخل إصلاحِ أعطاب مجتمعنا الكثيرة مثل العنف والكراهية والإقصاء والتفرقة على أساس الجنس والانتماء والدين والطائفة والعرق.

    فهل من مستجيب؟

     

    أنا أخيرًا رجل أسود غاضب! KINtEMid اثنين, 06/08/2020 - 11:46 أنا أخيرًا رجل أسود غاضب!

     

    علمتُ أننا نعيشُ ورطةً حقيقية حين فشلتُ في تصريف غضبي. فأنا لم أغضب من قبل، حتّى وإن حدث ذلك، كان غضبي لا يدوم. بدأ غضبي عندما انتخبَ دونالد ترامب. وإن رجلا أسود مثلي يجدُ صعوبة في تصريف غضبه، يدرك أنّ ما شعرتُ به يعني أنّ الغضب بين السود سيرتفعُ حتما إلى مستويات قياسيّة وقد يشتعلُ حالما تتوفّرُ الشرارةُ المناسبة.

    ولقد كنتُ على حقّ. إذ تزايد الغضبُ قبل أن تندلع الحرائقُ في كلّ الولايات الخمسين

    لم أشعر بالإلهام حين شاهدتُ مقطع فيديو لضباط شرطةٍ يركعونَ مع المتظاهرين المشاركين في الاحتجاجات التي اندلعت اثر مقتل جورج فلويد، تحت شعار " هكذا يبدأ التغيير". لقد شعرتُ بالغضب فحسب، علمًا أنّ ما فعلهُ الضباط لم يكن ضروريّا لو قاموا بالركوع قبل أربع سنوات مع كولين كايبرنيك (كايبرنيك لاعب كرة قدم أمريكية ركع في العام 2016 أمام العلم الأمريكي احتجاجا على معاملة الشرطة السيئة للأقليات في أمريكا- المترجم). إذ كان بإمكانهم وقتها أن يساهموا في تدشين عصر الإصلاح الجذري للتعامل الأمني (مع الأقليات) بدلاً من اعتبار بادرة اللا عنف (التي قام بها اللاعب)، بادرة دخيلة على التقاليد الأمريكية

    لقد شعرتُ بالغضب لأنّي لم يسبق لي أن كنتُ دوما هكذا ولا أحبّ أن اكونَ كذلك

    وكما ترون، لفترة طويلة، كنتُ واحدًا من السود الطيبين الذين يمكنُ لأصدقائهم وزملائهم وشركائهم وأجوارهم البيض أن يتعاملوا معهم دونَ خوفٍ من أن يكونوا عنصريين،  أولئك الذين يعتقدون أن أمريكا حقّقت تقدّما هائلاً في مكافحة العنصرية منذ تأسيسها، وأحد الأمثلة على ذلك التقدم بفضل النجاح الذي حقّقتهُ بعد كلّ ما واجهتهِ (من مشاكل عنصرية) تمكنتُ من التغلبّ عليها.

    ولفترة طويلة، لم أكن رجلاً أسود غاضبًا، حتّى بعد تعلّمي داخل مدرسة تعاني من نقص التمويل، وظلّت تعاني من الميز طوال أربعة عقودٍ، بعد قضيّة براون ضد مجلس التعليم في قلب الجنوب (الامريكي) العميق (قضيّة براون ضد مجلس التعليم: قضية تاريخية بارزة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعلنت فيها المحكمة العليا في العام 1957 أن القوانين التي تنص على إنشاء مدارس عامة مُنفصلة للطلاب السود والبيض غير دستورية- المترجم).

     

     

    أنا أخيرًا رجل أسود غاضب!

     

    لم أغضب أيضا حين شاهدتُ أخي الأكبر، وبطلي، يتم اقتياده مصفّدًا بسبب قتله لرجل أبيض، وقد كنتُ صبيّا في التاسعة من عمري. لقد حكم عليهِ بـ 32 سنة سجنًا، ما قلب حياة عائلتنا إلى الأبد. وبدل أن اشعر بالغضب، شعرتُ بالذنب، حالي في ذلك، حال الليبيراليين البيض الذين يبالغون في إظهار جهودهم، مسترشدين بذلك الإحساس، لترضية السود، بسبب إدراكهم لحجم الضرر العرقي الذي عانى منهُ السود منذ تأسيس هذا البلد.

    كان إحساسي بالذنب أسود اللون، ذنب تأتّى من معرفتي بأن أخي الأسود ألحق ضررًا لا يمكنُ إصلاحه بعائلة بيضاء فقيرة، ذنب ساعد في اقناعي على محاولة تعويض البيض بأفضل ما أستطيع.

    ولهذا السبب على الأرجح، ركزتُ في كتاباتي على أولئك البيض الذين لم يصرخوا من نوافذ سيّاراتهم "يا زنجي"، حين أركضُ على طول شارع أوشين في ميرتل بيتش، جنوب كاليفورنيا، بدلاً من التركيز على من يقولونها لي. ولهذا السبب، قضيتُ عقدين من عمري أتردّدُ على كنيسة إنجيلية يرتادها البيض في الغالب. ولهذا السبب تصالحتُ في قرارة نفسي مع فكرة العلم الكونفدرالي (علم الولايات التي انتفضت على إلغاء الرق في أمريكا- المترجم)، وناقشت جذورها بصراحة مشوبة بالحذر لكي لا أزعج أصدقائي وزملائي البيض، الذين يقدّسون رمزًا يروّجُ لفكرة أن السود يجب أن يستعبدوا من البيض إلى الأبد

    ومع ذلك، لم يحوّلني أيّ من ذلك، ولفترة طويلة، إلى رجل أسود غاضب. بل وشعرتُ لفترة طويلة بالفخر حين لاحظ أحد أساتذتي البيض أنيّ لم أكن غاضبا كفاية، بل لم أكن غاضبا لى الإطلاق، بعد أن اطلع على ورقتي البحثيّة التي عقدتُ فيها مقارنة بين مالكولم إكس ومارتن لوثر كينغ جونيور، إذ كانت تتناسبُ تماما مع معتقداتي المسيحيّة، تلك التي تحثّنا على محبّة أعدائنا، وعدم ترك أنفسنا للغضب، وإدارة الخدّ الأيسر (حين نصفعُ على الخدّ الأيمن).

    صحيح أنّه ثمّة أوقات شعرتُ فيها بالضيق، كما حدث حين شاهدتُ رجال الشرطة يضربون رودني كينغ على جانب الطريق في العام 1991، لكني أجبرتُ نفسي على تصريف غضبي، ولم أتركهُ يحدّدُ هويّتي أو يسيطر على أفكاري

    لم أغضب حتّى حين عانيتُ من تلعثمٍ حادّ، ناتجٍ عن اضطراب ما بعد الصدمة، وذلك لمدة ربع قرنٍ، حتّى شارفتُ على الموت بسبب مرضي المناعي النادر، قبل أن يتم تشخيص حالتي وأحصل على المساعدة الطبية. ولقد فشلوا في تحديد سبب مرضي ذاك، رغم أنّه يجدُ جذورهُ في طفولةٍ مجدورة بسبب العنصريّة الممنهجة.   

    لقد بدأت مشاكل موشي، أخي الأكبر مع أبي الذي كان يضربهُ هو وأمّنا. أبي رجل ولد في ذلك الجنوب الذي ما يزالُ يجمعُ الرجال السود كالقطعان ويبيعهم، مستغلاً منظومة العدالة الجنائية، إلى أنواع جديدة من العبوديّة. ولقد تعرضّ رجالٌ كأبي إلى السحل في الشوارع حتّى الموت وإلى بقيّة الإهانات الشائعة الأخرى. ومن ثمّة، ساعدت المعاملة العنصرية في تحويل أبي إلى خطر يتهدد أمّي وأخي الأكبر الأسودين.  

    وذلك ما يختصرُ أيضا حياةَ عمّاتي وأعمامي الذين استسلموا لمجموعةٍ من الأمراض الناتجةِ عن تلك المعاملة. صحيح أنّ عمّتي الوحيدة الباقية على قيد الحياة نجت من ذلك كلّه ولكن ليس من دون ندوبٍ عميقة. وكم شاركتنا قصصا من طفولتها عن بلدتها الجنوبيّة الصغيرة، حيث "يختفي السود". 

    وذلك الإرثُ هو ما ساهم في تغذية صراعاتي النفسيّة والصحيّة التي أتعاملُ معها إلى اليوم. يحبُّ الجمهور سماع كل قصص تغلّبي عليها، ولكنّه يكرهُ أن أحدّثهُ عن الثمن الذي توجّب علينا دفعهُ، أنا وقومي، بل لا يرغبون في معرفة أنّ من تغلبّوا على العنصريّة، لم يتجاوزوها دون ندوبٍ.

    بيد أنّ غضبي ظهر للمرة الأولى، على شاكلة خيبة أملٍ من ردود أفعال أعضاء الكنيسة الإنجيلية البيضاء التي أتردد عليها، إثر انتخاب باراك أوباما، إذ عبّروا علنا عن كراهيتهم له. لقد عبروا علنا ​​عن كراهيتهم له، وطفقوا يظهرون إيمانهم بنظرية المؤامرة العنصرية البشعة. ولقد تحوّلت خيبة أملي إلى إحساس بالخيانة حين سارعوا إلى انتخاب دونالد ترامب رئيسا، رغم أننا صلينا معًا، بعد إطلاق ديلان روف النار على رجل الكنيسة الأسود إيمانويل إيه أم، في تشارلستون، جنوب كاليفورنيا، في تلك الكنيسة التي تقع على طول شارع يحمل اسم أحد أبرز أنصار العبودية في البلاد، جون سي كالهون، حيث حضرتُ أوّل قدّاس مع زوجتي المستقبليّة.

    لقد غضبت وفشلتُ في التخلّص من غضبي. غضبت من الصحافيين البيض الذين يرفضون الاستماع إلى أشخاص مثلي يخبروهم بأنّ شيئا مّا حدث (بعد انتخاب ترامب) وأن الأمور تغيّرت، ولم تعد مجرّد سياسة معتمدة كما في السابق. لقد عجّل استخدامُ ترامب الصريح للتعصّب والعنصرية في صعودهِ إلى عرش السياسة الوطنية. وبدل أن يصده الجمهوريون، احتضنوه. وكلّما استخدام ترامب للتعصب والعنصرية الصريحين إلى السياسة الوطنية. احتضنه الجمهوريون بدلاً من صده. بل كلّما ازدادت مواقفه سوءًا، كلّما كانت الموافقة عليها في صفوف الحزب أكثر. لقد شعرت بالخجل لأنّي وجدتُ نفسي مجبرًا على التصويت للجمهوريين، وخجلتُ من اعتقادي أنّ تصويتي ذاك هو محاولة للقفز على الانقسامات العرقية، وهذا ما يفسّرُ انتمائي طوال كلّ هذا الوقت إلى كنيسة بيضاء، يؤمنُ الكثيرون من مؤمنيها بأنّ دونالد ترامب مرسل من الله بأمر من الله.

    وفي حالتي الذهنيّة الرّاهنة، لم أستطع إلاّ أن أغضب خلال الأشهر القليلة الماضية، عندما بدأت البيانات تظهر أن السود يتأثرون بشكل أكبر بمرض كورونا، بسبب ما يعانونهُ من أمراضٍ تفاقمت بسبب العنصريّة التي أضعفت أجسادهم لزمنٍ طويلٍ، والتي أجبرتنا على البقاء في وظائف اعتبرت حيويّة خلال فترة الوباء، وهو ما عرّضنا إلى الإصابة على الأرجح بالفيروس.  

    أعرف أنّ الرئيس ترامب ليس مسؤولا عن التفاوت العرقيّ الذي تمّ تمضينهُ في منظومات العدالة الجنائية والتعليم والرعاية الصحية منذ إنشائها. وبالمثل، أعرفُ أنّ رجال الشرطة كانوا يقتلون الرجال والنساء السود دون أن يحاسبوا وذلك قبل فترة طويلة من العام 2016. كما أعرفُ أنّ الحزب الديمقراطي خذل السود بخصوص قضيّة المسألة العرقيّة، بطرق كثيرة لا داعي لتعدادها. ولهذه الأسباب، لم ألم السيد ترامب على الحال الذي نعيشهُ، بيد أنّي أدركتُ أنّ ارتقائه إلى أعلى منصب في الدولة سيكونُ نقطة تحول.

    لقد شعرت وكأنها محاولة من أمريكا البيضاء لإعادة عقارب الساعة إلى الخمسينات. كنت أعرفُ أننا، أيّ السود، لن نعود مذعنين إلى مؤخرة الحافلة، حتّى وهم يحرجوننا بحركة الركوعِ كتعبير منهم عن مشاركتنا احتجاجاتنا السلميّة. كنتُ أعرفُ أنّ رجلاً أسود مثلي، إذا حدث ووجد نفسهُ في حالة غضب مستمرّة لم يقدر على تخليص نفسه منها، فإنّ الوضع صار قابلاً للانفجار


     

      هذا المقال للكاتب الأمريكي إيزاك بايلي، نشر في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 6 جوان 2020، وتولى وليد أحمد الفرشيشي تعريبه ونقله إلى اللغة العربية.

     

  • Subscribe to العنصرية