علي الكعلي

  • وزير المالية: الولايات المتحدة ستمنح تونس 500 مليون دولار ratEREsc اثنين, 05/17/2021 - 09:28 وزير المالية: الولايات المتحدة ستمنح تونس 500 مليون دولار


    قال وزير المالية التونسي على الكعلي اليوم الاثنين لوكالة رويترز إن الولايات المتحدة ستمنح تونس 500 مليون دولار لتمويل مشاريع، بينما بلاده في مفاوضات متقدمة للحصول على ضمان قرض أمريكي.
    وقال الكعلي الذي كان في زيارة في واشنطن لبدء مناقشات حول برنامج قرض جديد مع صندوق النقد "الزيارة كانت مهمة ومثمرة مع الصندوق ومع مسؤولي البنك الدولي ومسوؤلين أمريكيين"
    وقال الكعلي إن المنحة ستكون عبر مؤسسة تحدي الألفية لتمويل مشاريع في قطاعات النقل والمياه ودعم المرأة الريفية.
    ولم يتطرق الكعلي للمزيد من التفاصيل. وكان قال لرويترز في جانفي الماضي أن تونس تسعى للحصول على ضمان قرض أمريكي بقيمة مليار دولار لإصدار سندات.
    بدأت تونس، التي زاد عبء ديونها وتقلص اقتصادها 8.8 بالمئة العام الماضي، محادثات مع صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة مساعدات مالية.
     

    الحكومة تدشّن مرحلة "الاقتراض المتوحّش" والإفلاس على مرمى البصر ! ratEREsc خميس, 04/22/2021 - 10:00 الحكومة تدشّن مرحلة "الاقتراض المتوحّش" والإفلاس على مرمى البصر !


    قبل أيّام قليلة، خاطب علي الكعلي، وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، النواب قائلاً إنّ البلاد في حاجة ماسةّ إلى اقتراض 18.5 مليار دينار هذا العام لكي تتمكّن من سداد ديونها والالتزام بنفقاتها من أجور ومستحقات الدعم والاستثمار.
    والحقّ أننا لا نعرفُ على وجه الدقّة إن كان ما تفوّه بي وزير المالية في الجلسة العامة المخصصة للمصادقة على مشاريع قوانين ذات صبغة مالية، ورد في صيغةٍ إقرارٍ بدخول الدولةِ مرحلة الإفلاس المعلن، أم تحذير للنواب من مغبّة عدم المصادقة على الاتفاقيات المالية التي تعقدها الحكومة مع المقرضين أو المانحين، لكن ما يبدو واضحً بالنسبة إلينا، أنّ الدولة دخلت رسمّيا مرحلة العجز عن الإيفاء بتعهداتها داخليّا وخارجيا.
    وما يؤكّد هذه "الحقيقة الكارثية"  هو  تصريحُ الرّجل بأنّ الحكومة ستعجزُ قريبًا عن سداد ديونها وأجور موظفيها وتمويل وتوفير اعتمادات الاستثمارات العمومية (هذا إن تبقى أيّ شيء للاستثمار بالطبع) في صورة عدم توفقها إلى الاقتراض من السوقين الخارجيّة والداخليّة، ما يعني ببساطةً أنّ الدولة "مفلسة"، وعاجزةً تماما عن سدّ الثقوب السوداء في موازنتها العامة.
    وبالتأكيد، تكفي نظرة خاطفة على المؤشرات الاقتصادية لكي ندرك حجم الكارثة المالية التي حلّت البلاد، فوفق تصريح السيّد الوزير، ستضطر تونس هذا العام إلى سداد 15.5 مليار دينار من الديون (جلّها خدمات دين)، علاوة على كتلة أجور جيشها العرمرم من الموظفين الإداريين. وإذ كانت الحكومة قد أعلنت أنّ حاجياتها من الاقتراض ستكونُ في حدود 18.5 مليار (قانون المالية لسنة 2021)، فهذا يعني أنّها البلاد صارت تقترض لخلاص ديونها السابقة، أما ما تبقى (حوالي 3 آلاف مليار دينار)، فسيقعُ إنفاقهُ لسداد الأجور ونفقات الدعم إلى آخره. فهل يحتاجُ الأمرُ تفسيرًا إضافيّا لتبيان الكارثة؟
    أجل، ثمّة ما هو أخطر من ذلك بكثير، فالوزير بشّرنا بأنّ الحكومة ستعمدُ إلى تقديم أكثر من مشروع قانون مالية هذا العام، ما يعني أنها حكومة تتحرّك داخل الضباب، بلا رؤية أو معرفة. وليس هذا فحسب، بل إنّها تعترفُ بأنّ تقديراتها الألويّة غير "سليمة"، ما سيتطلبّ أكثر من عمليّة تحيين للتوقعات والمؤشرات، ما يعني الترفيع في حجم الاقتراض، علاوةً على إنهاك الأفراد والمؤسسات بضرائب جديدة.
    هل هذا كلّ شيء؟ لا، لأتّ الحكومة عازمة على المضيّ قدما في سياسة الاقتراض المتوحشّ، مستهدفةً هذه المرّة السوق الداخلية، أي أنها ستتحوّلُ إلى المقترض رقم واحد من البنوك التونسية ما سيبدد آمال المستثمرين في القطاع الخاص في الحصول على التمويلات المصرفية اللازمة لاستعادة أنشطتهم. وللتذكير فقط، كانت حكومة المشيشي قد فجرت أزمة مع البنك المركزي التونسي حين طالبت بـ 10 مليارات دينار (3.6 مليارات دولار) من السوق الداخلية لتمويل عجز الموازنة، وهو ما رفضهُ "بنك البنوك"، لاعتبارات كثيرة منها التعامل العبثيّ مع القطاع البنكي وكأنه مسؤول عن سوء تصرّف الحكومات المتعاقبة في موازنتها، علاوة على تداعيات الاقتراض من السوق الداخلية على تقليص فرص المؤسسات الاقتصادية في الحصول على التمويلات الضرورية لأنشطتها، ومخاطر ضخّ سيولةٍ مالية من ذلك الحجم في اقتصاد غير منتج، ما يرفعُ آليا نسبة التضخم في البلاد.
    وعلى الرغم من ذلك، ما تزالُ الحكومة تصرُّ على الاقتراض الداخلي، وقد ترفّع من نسبته، بعد تقلّص حظوظ تونس في الخروج إلى السوق الدوليّة بلا مخاطر، بعد تصنيف وكالة "موديز" الأخير. وههنا دعونا نتفق على مسألة لا تحتاجُ سوى إلى عاقلٍ لكي يدرك كنهها بوضوح: لقد كشفت الحكومة عن ثلاث مسائل خطيرة وردت جميعها على لسان ماليتها (ولم نقلهُ نحن).
     إذ أعلنت أوّلاً عن عجز البلاد عن الإيفاء بالتزاماتها داخليا وخارجيا خارج آلية الاقتراض المتوحشّ، وهذا لا يحتاجُ إلى عقل عبقريّ لكي يدرك أن الوزير يتحدّث عن إفلاس الدولة.
    ثانيا،  أعلنت الحكومة أنّ تتحرّكُ داخل منطقة العمى الماليّ، بمعنى أن تقديراتها الأوليّة سقطت في امتحان الواقع، ومرادفُ ذلك، أنّ الحكومة ستضطرّ في كلّ مرة إلى التقدم بمشروع ماليّة تكميلي جديد، ما يعني ديونا وضرائب جديدة.
    ثالثا، أعلنت الحكومة أنها باتت تقترضُ لمجرّد الاقتراض، وهذا ما كما حذّرنا منهُ تقريبًا في عشرات المقال على أعمدة "شكشوكة تايمز"، ما يعني احتمالية وضع البلاد تحت الوصاية المالية الدولية، كما حدث مع دولتي اليونان ولبنان.
    بالمحصّلة، تكشفُ هذه الحقائق الثلاث عن سوء تقديرٍ واضح للأمور، لا في جوانبها المالية الصرفة فحسب، وإنما في جانبها السياسي، ذلك أنّ ما تحاولُ الحكومة إجبار النواب على المصادقة عليها، قد يتكفّلُ بإشعال الحرائق في البلاد تمامًا، ولو اضفنا إلى ذلك كلّ المآخذ على أداء هشام المشيشي الذي يعدُّ أضعف رئيس حكومة عرفتهُ تونس منذ استقلالها إلى اليوم، فإنّه سيكونُ بمقدورنا التأكيدُ وقتها على أن المسافة بيننا وبين الهاوية تقلّصت وإلى حدّ كبير.

    سياسة الهروب إلى الأمام: مغالطات هشام المشيشي الثلاث! lomPLacD أربعاء, 11/04/2020 - 11:16 سياسة الهروب إلى الأمام: مغالطات هشام المشيشي الثلاث!


    يقالُ عادةً إنّ الأزمات تصنعُ الرّجال، وفق عمليّة تشكيلٍ معقّدة تشبهُ إلى حدّ مّا عمليّة السّبك أو الصبّ. ولمن لا يعرفُ ما معنى السّبك، نقول إنّها عملية تشكيل معدن ما (حديد، ذهب، إلخ) عن طريق صهره، ثم صبه سائلاً في قالب به فجوات ذات شكل وأبعاد، فيكتسب المعدن المنتج "المسبوك" شكلها ومقاساتها عندما يتصلب. وهكذا تفعلُ الأزماتُ بزعاماتها، إذ تصهرهم في فرنها الوقّاد ثمّ تصبّهم في حالةِ سيلانٍ داخل قوالب تواضعنا على تسميتها بـ"الكاريزما"، ومن ثمّة كلّما احتّدت الأزمة، كلّما أخذت "كاريزما" القائد أبعادًا هائلة حتّى وإن لم يجد الحلول لها. 
    غير أنّ عيب هذهِ العمليّة الوحيد يكمنُ في رفضها دخول التراب التونسيّ وتمنّعها التامّ على الأخذ بيد هذه الطبقة السياسية الرخوة التي تقولُ الشيء ونقيضه، بل وتنافسُ فيروس كورونا في سرعة نقل عدوى الإحباط إلى عموم الشعب الكريم. والحقّ أنّ ما جرّنا إلى هذه المقدّمة الطويلة هو النقطة الإعلامية التي عقدها هشام المشيشي، رئيس الحكومة، يوم أمس الثلاثاء بقصر النجمة الزهراء، شمال العاصمة التونسيّة، نقطة سرعانَ ما أغرقت البلاد في لجج من الأسئلة التي لم تخرج عن "طاحونة الشيء المعتاد".
    فالرئيس التكنوقراطي الفاقد لمقوّمات الجاذبيّة والحضور الطاغي، أو الكاريزما ببساطة، اختارَ أن يخاطب شعبهُ بتمائم أقرب إلى منطق سحرة "الفودو"، قائلاً الشيء ونقيضه: البلاد ليست على مشارف الإفلاس، لكنها نحتاجُ إلى تدخلّ البنك المركزي لسدّ عجز الموازنة، الوضع صعب وسببه غياب منوال تنموي يمنح الأمل للتونسيين لكن لا يمكنُ تغيير مشروع قانون المالية التعديلي للعام 2020 ولا شقيقه في الفرضيات الخاطئة، مشروع قانون المالية لسنة 2021، مهم جدّا أن نسيطر على التضخم ولكن لا فائدة من السيطرة عليه و"الشعب جائع"...إلخ. هذه عيّنةٍ صغيرة من تصريحات رئيس الحكومة ليوم أمس، رغم أنّهُ كانَ في وضعيّة مريحة تمامًا، أنتجتها الأزمة الحاليّة. أجل، ثمّة وضعيّة مريحة تخلقها الأزمة، وذلك ما سنبيّنهُ في هذه الورقة.  

    نعم، نحنُ على مشارف الإفلاس!

    غَرف هشام المشيشي، في نقطته الإعلامية، من معجم وزير ماليّته علي الكعلي، فنفى أن تكون البلادُ على شفا الإفلاس بل وأقرّ بأنّها بعيدةٌ تمامًا عن هذا السيناريو، طالما أنّها قادرة على "سداد الأجور". أجل، بلغنا في تونس مرحلة التنطع على المنطق حدّ استخدام القدرة على سداد كتلة الأجور المنتفخة كمؤشّر على عدم إفلاس الدولة. ومع ذلك سنتجاوز عن هذه النقطة ونذكّر السيّد رئيس الحكومة، ووزير ماليّتهِ، بهذه القاعدة الاقتصادية البسيطة. يعني إفلاس الدولة عجزها عن الوفاء بديونها أو الحُصول على الأموال من الجهات الخارجية لدفع أثمان ما تستورده من بضائع وسلع. كما يمكن تعريفه اقتصاديا بـ "الأزمة في ميزان المدفوعات ". وغالبًا ما ينتجُ عن إفلاس الدولة انهيار عملتها ونظامها البنكي مما قد يترك أثرا قاسيًا وطويل الأمد في الاقتصاد الإنتاجي وفي مكانتها المالية. حسنًا كيف هي الأوضاعُ في تونس؟ نحنُ نستعدُّ لتوديع العام 2020، بتراجعٍ في مداخيل الدولة الجبائيّة بـ 6 مليار دينار، مقابل ارتفاع الحاجة إلى الاقتراض من 11.3 مليار دينار إلى 21.5 مليار دينار أي بزيادة قدرها حوالي عشرة مليار دينار لسدّ الفجوة، وهذا مبعث الخلاف مع البنك المركزي الذي رفض تمويل العمليّة لخطورتها الأكيدة على التوازنات المالية للبلاد. هل هذا كلّ شيء؟ لا. ستحتاجُ البلاد إلى 20 مليار دينار في 2021، ولو أضفنا إليها العشر مليارات دينار المتوجّب إيجادها لسدّ العجز السنة الحالية، فسيكون حاصلُ ما ستقترضهُ الدولة 30 مليار دينار. وهذا ما سيرفعُ الحجم الجملي للديون إلى 140 مليار دينار، بمعنى أنه سيتجاوزُ حاجز الـ 100 % من الناتج المحلي الخام سنة 2021. بالمقابل، سُترّفع الدولة من كتلة الأجور بنقطتين لتبلغ 17 بالمائة من الناتج المحليّ الخام، مع انتداب أكثر من 16 ألف موظّف جديد. ههنا، ثمة سؤالٌ نوجّهه إلى السيّد هشام المشيشي: هل لدينا إقتصاد منتج لكي نحتاج كلّ هذا الكمّ من الاقتراض؟ في ماذا تصرفُ القروض الداخليّة والخارجيّة تحديدًا؟ ولماذا نحتاجُ الاقتراض أساسًا إذا كان اقتصادنا سجّل إلى حدود هذه اللحظة نسبة نموّ سلبيّة بـ 7 بالمائة؟ نحنُ نعلمُ جيّدًا أنّ السيد الرئيس سيتذرّعُ بفيروس كورونا وأخطاء الحكومات السّابقة، وهذا حقّه، رغم أننا تعوّدنا بمنطق الشماعات هذه، ولكن ليس من حقّه أن يغالط الشعب الكريم ويلغي سيناريو الإفلاس تماما، ذلك أنّ هذه القروض سيقع ضخها في اقتصاد غير منتج، لتسديد أجور الموظفين، وسداد الديون الخارجية، وما تبقى منها سيوظف في التوريد، وجزء منه، إن لم يكن أغلبه سيصرف في الكماليات أي ما لا تحتاجهُ البلاد الآن، أي أننا في حالةٍ عجز تام عن الإيفاء بتعهداتنا الخارجيّة، ما لم نلتجأ إلى الاقتراض. ماذا نسمّي هذا إذن يا سيادة الرّئيس؟ حلوى "لحية جدّي"؟ 

    نعم، من المهمّ أن نسيطر على التضخم!

    ولم يكتف هشام المشيشي بذلك بل غمز من قناة البنك المركزي، حين قال "لا فائدة من السيطرة على التضخم والشعب جيعان". كم جميلٌ هو هذا الشعور الإنساني النبيل الذي أظهره السيّد رئيس الحكومة، لكن الأجمل منه هو أن يتوقف عن مغالطاته تماما، إذ كنا ننتظرُ منهُ مثلاً أن يقول "من المهمّ السيطرة على التضخم لكيلا يجوع الشعبُ أكثر"، بدلاُ من انتقاد بنك البنوك الذي رفض تمويل خططه العبثيّة. تريدون دليلاً على فساد مقولة رئيس الحكومة؟ لقد كان البنك المركزي واضحًا حين أشار إلى مخاطر عالية قال إنها سوف تنعكس على التوازنات الجملية بسبب الشراءات الضخمة لسندات الخزينة وغياب خلق الثروة وزيادة الطلب الاستهلاكي لافتًا الى وجود “فجوة غير مسبوقة” مع حاجات تمويل داخلية هامة في وقت قياسيّ لسد عجز ميزانية الدولة. كما أدان ارتفاع نفقات التأجير (كتلة الأجور)، وهي نفقات تجاوزت 19 ألف مليون دينار، مذكرا في غضون ذلك بقيام البنك المركزي بعديد التدخلات لضمان الاستقرار المالي وانخفاض التضخم متوقعا مزيد انخفاضه إذا واصل البنك في نفس سياسته النقدية. بمعنى أدّق رفض البنك المركزي الاستجابة لطلب السيّد هشام المشيشي لسببين: أوّلا، الاقتراض الداخلي يعني إقصاء الدولة للمؤسسات الخاصة من السوق الداخليّـة، بمعنى أن الدولة ستواصل مزاحمتها للمستثمر التونسي على الاقتراض. وثانيا، يؤدي إصدار سندات الخزينة إلى خلق العملة، وإغراق البلاد بسيولة نقديّة، لا يقابلها نشاط اقتصادي فعليّ، وبالتالي إلى ارتفاع نسبة التضخّم في البلاد (قد يصلُ إلى رقمين حسب بعض التقديرات)، مع يعنيه ذلك من نتائج مباشرة على الأوضاع المعيشية للمواطنين، وارتفاع أسعار المواد الأساسيّة بل وانهيار الدينار التونسيّ علاوة على تخبّط البلاد إلى شرك دوّامة تضخمية تتغذى على نفسها. بعبارة أخرى، سنجدُ أنفسنا لا داخل دوّامة تضخميّة فحسب، بل سنسّرعُ في مسار إفلاس الدولة. إن التذرّع بخطاب تسوّلي بائس قائم على حماية "الشعب الجائع" يحتوي على مخاتلة خطيرة، فيها استعداء شعبيّ على مؤسسة تناضلُ من أجل الحفاظ على التوازنات الماليّة للبلاد، وتشكيكٌ يرتقي إلى مرتبة التحريض الجاهل بأبجديّات السياسة المالية للبلاد. أجل، يا سيادة رئيس الحكومة، ما قمت بهِ تحريض على مؤسسة تونسية رفضت الموافقة على خطتك لخطورتها المؤكدة على معيشة التونسيين وقدراتهم الشرائيّة المتدهورة بطبيعتها. 

    نعم، أنت غير قادر على فرض هيبة الدولة!

    وفي لحظة دراميّة فارقة، حاول رئيس الحكومة تصعيد لهجته، فشدّد على أنه "لا مجال بعد اليوم لقطع إنتاج الفسفاط والبترول والثروات في البلاد أو قطع الطرقات أو السكك الحديدية في هذا الظرف الاقتصادي الصعب تحت أي عنوان كان وسيتم تطبيق القانون بقوة الدولة". هذا جميل وخرافي، بيد أنّ ما ذكرهُ رئيس الحكومة غير واقعي بل وغير منطقيّ بالمرّة. فمن يريدُ أن يفرض هيبة الدولة، عليه أوّلاً أن يبادر إلى تحويل البلد إلى ورشة إصلاح عملاقة، تقطعُ مع سياسات الحكومات السابقة. إنّ الهدفُ الرئيسي من تشكيل حكومة تكنوقراط، كان وما يزال، تنفيذ خطّة إصلاح اقتصادية وماليّة عاجلة، تمهّد الطريق نحو مرحلة الإنعاش الاقتصادي. وهذه الخطّة تفترضُ بداهةً العمل على إحداثيات واضحة، لا لبس فيها، وهي مراجعة منوال التنمية الحالي، اعتماد ميزانية أهداف، مكافحة الفساد، مراجعة منظومة الدعم، ترشيد الإنفاق العمومي، إصلاح منظومة الصناديق الاجتماعية، معالجة ملف المديونية، الإصلاح الجبائي (التخلي عن النظام التقديري تحديدًا)، وغيرها من الإحداثيات التي على أساسها يتمّ وضع مشروع قانون المالية. فهل وجدنا أثرًا لما ذكرناه في مشروعي قانون المالية التكميلي لسنة 2020 وقانون المالية لسنة 2021؟ بالتأكيد لا. 
    أضف إلى ذلك، من يريد فرض هيبة الدولة، عليه ألاّ يستثمر جهده ووقتهُ في التفصّي من تعهداته الأصليّة، فبدلاً من ترشيد الإنفاق العمومي، سيتواصلُ نزيف الماليّة العموميّة، وبدلاً من الحدّ من التداين، بشقيّه الداخليّ والخارجيّ، ستهرولُ الحكومةُ نحو السوقين الخارجيّة، رغم نسب الفائدة المشطّة التي سنجبرُ على القبول بها، والداخليّة، مزاحمة المستثمرين التونسيين عليها. وهذه الوضعيّة التي تعجزُ كلّ المفردات "السلبيّة" عن إعطائها حقّها من التوصيف العلميّ الدقيق مرشّحة أكثر للتفاقمُ خصوصًا مع حالة التململ التي تعيشها ولاياتُ الدّاخل المنكوب، علاوةً على تحدّيات الوضع الصحيّ، ممثلاً في جائحة كورونا، وهي مسألة لطالما حذّرنا منها على أعمدة "شكشوكة تايمز"، ولكن ما من مجيب. ومن ثمّة فإنّ تهديد المواطنين باستخدام القوّة، بدلاً من اجتراح الحلول، لم يمكنُ فهمهُ خارج منطق انتحار الفقمات المحيّر. 
    وفي تقديرنا الخاص، تونس اليوم تحتاجُ إلى تنشيط اقتصاديّ لا إلى دوّامة تضخميّة يغذيها الاقتراض من السوقين الخارجيّة والداخليّة، ولكي نكون دقيقين أكثر، ليس أمام تونس اليوم سوى المطالبة بجدولة ديونها الخارجيّة في مرحلة أولى، وهي خطوة أكثر من ضرورية لأنّ  مشكلة تونس الرئيسية ليست في الاقتراض بل في كيفية استخدام العائدات المالية المقترضة خارجيا وداخليا (أجور، خدمات دين، توريد)  وما يستتبعُ ذلك من آثار على ميزان الدفوعات (عجز، تضخمّ)، والانكباب على عمليّة تنشيط اقتصادي، نعلم أنها مرهقة، لكنها غير مستحيلة، تعيدُ النشاط لمحرّكات البلد الرئيسية (الإنتاج، الاستهلاك، الاستثمار) علمًا ان الدول الدائنة لن تمانع إن طلبت منهم تونس ذلك، ذلك أنها تفكر بمنطق أبسط مما يتصور رئيس الحكومة وأعضاده، فهذه الدول تفضّل تأجيل الدين ومنح الدول المدينة فرصة تنشيط اقتصادياتها، ومن ثمّة تضمن تحصيل ما أقرضته في ما بعد، على أن تخاطر بعجز الدول المدينة عن سداد ديونها من الأساس. والحقّ أن سيناريو عجزنا عن الإيفاء بالتزاماتنا في هذه النقطة هو سيناريو قابل للتحقق، وأقرب حتّى مما نتصوّر.
     

     

    Subscribe to علي الكعلي