إقتصادية

  • لماذا تخافُ الدولة من تعديل أسعار المحروقات؟ KINtEMid أربعاء, 04/08/2020 - 10:27 لماذا تخافُ الدولة من تعديل أسعار المحروقات؟

     

    بينما سارعت دولٌ عديدة إلى تخفيض أسعار المحروقات بنسب تجاوزت 20%، بعد تراجع أسعار البترول الخام إلى أدنى مستوياته منذ قرابة 20 عاما، اختارت وزارة الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة في تونس، أن تخفّض أسعار المواد البتروليّة المختلفة بـ 25 و30 مليم، للتر الواحد، وهي نسب ضئيلة، أثارت غضب المواطنين وامتعاضهم، وأحيت الجدل داخل أوساط المتابعين للشأن الاقتصادي حول السبل الكفيلة للاستفادة من تدنّي أسعار البترول في العالم.

    وفي الواقع، لا أحد بإمكانهِ تفسيرُ الطريقة التي اعتمدتها الوزارةُ لتحيين أسعار المحروقات، فبدل أن تعتمد الدولة عل طريقة التسعير التلقائي، أي ربط السعر المحلي بمثيله العالمي، قرّرت اعتماد طريقة جديدة هي ربط تعديل أسعار المحروقات بقيمة واردات تونس من البترول شهريّا على أن لا تتجاوز قيمة التعديل سنويّا، زيادة أو نقصانًا، حاجز الـ 18 بالمائة. قلنا أنّ الطريقة غريبة وتبدو غير مفهومةٍ للوهلة الأولى، رغم أنّها قد تؤشّر لبداية مرحلةٍ جديدة، قد تشهدُ تحريرًا جزئيّا أو كليّا لأسعار الوقود.

    ومع ذلك، ثمّة اتفاقٌ عامّ على أنّ هذا التعديل يعدُّ ضئيلاً مقارنةً بالانخفاض القياسي إلى سعر البترول عالميّا، ويعكسٌ تخوّف الدولة من فقدانِ جزء من مواردها الماليّة في صورة ما إذا رفعت في سقف التعديل. ولكن هل الوضعُ العالميّ يبّررُ تخوّف الدولة أم يعكسُ "هشاشة" منطق التعاملُ مع الأزمة والاستفادة قدر الإمكانِ من الفرص التي توفرّها؟

    لننظر قليلاً إلى وضع أسعار الطاقةِ في العالم. لقد تراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ حوالي عشرين عامًا، إذ هبط الخام الأميركي لفترة وجيزة لما دون 20 دولارا للبرميل، في حين بلغ خام برنت أدنى مستوى في 18 عاما بفعل حرب الأسعار بين المملكة العربية السعودية وروسيا، إضافة إلى مخاوف متنامية من استمرار الإغلاق العالمي بسبب فيروس كورونا لشهور ومزيد من الانخفاض في الطلب على الوقود. وتراجعُ أسعار البترول في الأسواق العالمية، وأسعار المشتقات البترولية بسبب إجراءات العزل الإجباري الذي أدّى إلى توقف حركة الجولان في أغلب دول العالم، وإغلاق الآلاف من نقاط بيع منتجات الوقود في العالم بسبب جائحة كورونا، علاوة على التكهنات بدخول الاقتصاديات الكبرى، وعلى رأسها الاقتصاد الصيني، في فترة ركود طويلة، تعدُّ عوامل مساعدة للاقتصادّيات الهشّة كي تعيد ترتيب أولويّاتها الماليّة وتقلّص من حدّة تفاقم عجزها الطاقي، ومن ثمّة تحويل الاعتمادات الماليّة الفائضة إلى أبواب استثماريّة أخرى.

    وفي تونس، يبدو الوضعُ مواتيًا للقيام بخطوتين رئيسيّتين:

    أوّلا، الاستفادة من الأسعار الحالية للنفط (22 دولارًا)، لبرمجة شراء حاجياتها لمدّة عام كامل بهذا السّعر، حتّى وإن اضطرّت إلى الاعتماد على احتياطها النقديّ، وهو ما سيساهمُ في خفض ميزانيّة الدعم على الطاقةِ من جهة، وتنشيط الدورة الاقتصادية، عبر خفض تكاليف إنتاج السلع الأساسيّة وهو ما سيساهمُ في ارتفاع الطلب داخل السوق المحليّة، ويعزّزُ قدرة المواطن الشرائيّة.

    ثانيا، إعداد مشروع ميزانية تكميلي يأخذُ في الحسبان سعر البترول الجديد (قامت ميزانيّة 2020 على فرضيّة 65 دولار لسعر برميل النفط)، وهو ما من شأنهِ أن يوجّهَ موارد الدولة نحو الأبواب الاستثماريّة الكبرى على غرار قطاع الصحّة ومشاريع البنى التحتية، ولما لا الاستفادة من الفوائض المالية لدعم جهود الدولة في مكافحة آثار جائحة كورونا وتداعياتها على المؤسسات والمواطنين، على حدّ سواء.

    وهاتان الخطوتان من شأنهما فعلاً تنشيطُ الحياة الاقتصاديّة، خصوصا أنّ المرحلة المقبلة ستحملُ شعار "التعويل على الذات" بلا منازع، في ظلّ التكهنات الاقتصادية بتواصل موجة ركود الاقتصاد العالمي لفترة ستدوم بين السّنة والثلاث سنوات، وهو ما يمنحُ موازنة البلاد فرصًا حقيقية لإعادة ترتيب الأولويّات.

    غير أنّ ما سبق وأشرنا إليهِ يظلُّ رهينَ قراءة الدولة نفسها لتطوّرات الأوضاع محليّا ودوليّا. والامرُ لا يحتاجُ إلى قرائن كثيرة لكي ندرك أنّ الخوف من ارتفاع الأسعار مجدّدًا هو الذي حتّم تخفيض أسعار المواد البتروليّة بهذه النسب الضعيفة، علاوةً على تخوّف الدولة من فقدانها لمخصّصات ماليّة ترى أنّها تحتاجها في هذا الظرف الاستثنائي. ومع ذلك، نرى أنّ التخفيض في أسعار المواد البتروليّة وربط ألية التسعير بواردات تونس الشهرية من المحروقات، وهي قرارات غير مسبوقة في الحقيقة، يجب أن تستفيد من السياق العالميّ الحالي، خاصة مع توقعات بنوك الاستثمار العالمية استمرار تراجع أسعار البترول خلال العام الجاري بسبب استمرار أزمة كورونا، وتراجع الطلب، ووجود فائض ضخم في الأسواق الدولية، وتباطؤ معدل نمو الاقتصاد الصيني

    ومن ثمّة لا نرى مبّررًا للخوفِ من مواصلة تخفيض أسعار المواد البتروليّة وبرمجة شراءات الدولة لمدة عام على الأقل، بسعر السوق الحاليّ، كما لا نرى مبّررًا، لعدمِ مراجعةِ ميزانيّة الدولة، في اتجاهِ تقليص نفقات الدعم على الطاقة (تقدّر بـ 1.9 مليار دينار)، والاستفادة من الفوائض لتعبئة الموارد المالية اللازم لمكافحة الجائحة وآثارها الاقتصادية والاجتماعيّة، علاوةٍ على تنشيط الدورة الاقتصادية ودعم الاستهلاك الداخليّ، باعتباره المحرك الاقتصادي الأكثر فعاليّة في أوقات الأزمات

    وفي الحقيقة، نرى أنّ جائحة كورونا وفّرت الأرضّية المناسبة للدولة التونسيّة لكي تتحوّل من منطق "تاجر البترول" إلى منطق آخر، أكثر واقعيّة وبراغماتيّة، يمكنها من استعادة دورها كقاطرة اقتصاديّة.

  • هل قضت كورونا على الصحافة الورقيّة في تونس؟ KINtEMid ثلاثاء, 03/31/2020 - 17:54 هل قضت كورونا على الصحافة الورقيّة في تونس؟

     

    تعيش الصحافة الورقيّة في تونس أزمة مزمنة، بدأت تستفحل منذ بدء تسعينات القرن الماضي، وكانت تشتد مع كلّ سنة، إلى أن جاء فيروس كورونا وحشر القرّاء في بيوتهم، بعد أن جعل أخر همّهم اقتناء صحيفة أو الاطلاع عليها.

    وجب التذكير أن الصحيفة الورقيّة التي يمسكها القارئ تأتي أقرب إلى الجزء البادي فوق سطح الماء من جبل الثلج الذي يخفي قرابة تسعين في المائة من حجمه.

    وراء هذه الجريدة، سلسلة إنتاج تبدأ بالصحافيين بمختلف رتبهم، من الصحفي البسيط، مرورًا برئيس القسم، حين يقف كلّ رئيس على اختصاص بعينه (الأخبار المحليّة، الأخبار الدولية، المجتمع، الثقافة والرياضة وصدى المحاكم وغيرها)، وسكرتير التحرير المشرف على الجانب التقني من الإنجاز (التنسيق مع رؤساء الأقسام، توزيع المقالات والإشهار والمقالات)، نهاية برئيس التحرير، الذي يلعب دور قائد الأوركسترا (الموافقة على المواضيع وضمان حسن سيرها وفق الخطّ التحريري)، قائد الأوركسترا لا يعزف بل مهمته مسك العصا فقط، في استثناء للافتتاحيات في المحطّات الكبرى. دون أن ننسى «باعث الجريدة».. كذلك من يشتغلون في الإدارة والحسابات وتركيب صفحات الجريدة، وقد صار الأمر عبر الكمبيوتر،وصولا إلى عمال المطابع ثم سائقي شاحنات التوزيع.

    هذا الجمهور الواسع مهدّد في رزقه، وهو يعيش وضع الاحتضار حاليا، بعد أن عاش وضعا صعبا في السنوات الماضية.

    من باب الأمانة، يعرف هذا القطاع مشاكل على مستوى بلدان العالم بكامله، لكن بمستويات مختلفة.

     دولة النمسا ذات عدد السكّان المساوي لما في تونس من مواطنين، جرائدها تسحب عشر مرّات عدد السحب في تونس.

     في الجزائر المجاورة، سحب الصحف اليوميّة الثلاث الأولى (الشروق ـ النهار-الخبر) يقارب مليوني نسخة، علما بالبلاد ما يزيد عن أربعين صحيفة يوميّة، في حين لا تسحب الصحف اليوميّة التونسيّة مجتمعة أكثر من مائة ألف نسخة، ممّا يعني حين نستأنس بالمقارنة مع الجارة الجزائر ودولة النمسا الشقيقة، أن تونس تعيش إضافة إلى ما يعيشه هذا النمط من الصحافة، مشاكل خاصّة بالبلاد.

    ظهور الإنترنت وانتشاره، شكلّ الضربة الكبرى التي تلقاها هذا القطاع زمن زين العابدين بن علي، الذي في غالبيته الغالبة، في استثناء لثلاثي "الموقف"، "مواطنون" و"الطريق الجديد"، كان ليس فقط يسبّح بفضائل النظام، رغبة في عطاياه وخشية من عصاه، بل كان لا يهمّ جمهورُا واسعا جدّا من القراء سوى بصفحات الرياضة أو صدى المحاكم، في حين كانت صفحات الأخبار المحليّة مهجورة تقريبًا.

    مكّن الأنترنت مَن خارج الحدود من الكتابة بكلّ حريّة وإيصال مقالاتهم إلى قارئ محلّي يلاعب الرقيب على النت وينتصر عليه في كلّ المرّات، ممّا خلق صحافة ممنوعة، لم يستطع أدوات الرقابة التقنيّة منعها، ليفيض الأمر ويتجاوز طاقة الرقيب.

    رجوعًا إلى التاريخ، نجد أنّ صحافة 07 نوفمبر 1987 يوم انقلاب بن علي على بورقيبة، جاءت بورقيبيّة حدّ النخاع، حين نعلم أن إنجاز المواد كان يوم 06 نوفمبر، لتركب القطار يوم 08 نوفمبر، باستثناء جريدة لابريس التي صدرت يوم 07 نوفمبر صباحًا بافتتاحية تحت عنوان «الرهان البورقيبي»، لتصدر نسخة بعد الظهر، ركبت القطار وتمّ توزيعها بالمجان في الشوارع.

    هذا التأخير بيوم واحد، تعمّق أيّاما أثناء الفترة الفاصلة بين 17 ديسمبر 2010 و14 ديسمبر 2011، حين بقيت جميع الصحف التونسيّة باستثناء المعارضة على دين النظام إلى أن سقط.

    قدرة المحطات الإذاعيّة والتلفزيونيّة على تقديم المواد حيّة وتأمين الفرجة إضافة إلى سريان الانترنت في البلاد، زاد من تهميش الصحافة الورقيّة، بعد 14 جانفي. ناهيك أنّ صحيفة «الموقف» المعارضة، الذي صمدت وقاومت وكانت الأعلى صوتا بين نظيراتها، واستطاعت أن تعلو فوق عصا البوليس السياسي، ماتت وتحولت إلى أثر بعد عين بفعل قانون السوق، لا غير لأنّها لم تعد تحتكر «ثوريّة» صارت مشاعا بعد 14 جانفي.

    فيروس كورونا عجّل في هذين الأسبوعين، ما كان سيجدّ دون أدنى نقاش على مدى سنة أو يزيد، علمًا وأنّ صحفا عريقة في العالم اتخذت قرارا بمغادرة الورق إلى الإنترنت، في عملّة استباقيّة، لأنّها ترى الإفلاس قادم لا محالة، في حين لا تزال جميع الصحف الورقيّة، أو بالأحرى المشرفون عليها في تونس، يرون أنّ هذا الانتقال يمثّل وصمة عار لا يمكن القبول بها.

    العملية ذات بعد مالي، مداخيل الصحف تأتي من المبيعات والإشهار، علمًا أنّ الأولى تراجعت والثاني انخفضت إيراداته لأنّ الإذاعات والتلفزيونات تمكّن من الوصول إلى أكبر عدد من القراء بكلفة أقل بحساب الفرد.

    حاليا عدد الصحف التي تعرف توازنا بين الإيرادات والمصارف أقّل من أصابع اليد الواحدة

    هي معادلة مستحيلة، لا المبيعات سترتفع ولا الإشهار سيعود بالكم والأرقام المطلوبة ولا الدولة قابلة أن نفتح خزائن الدعم والمساعدة على مصراعيها. صحافة القطاع العام ذاتها، تعيش أزمة خطيرة دفعت الصحفيين إلى التظاهر والدخول في اعتصامات، دون أن تجد رئاسة الشجاعة الذهاب نحو أيّ من الحلول.

    لا يعلم أحد كم سيدوم الحجر "الكوروني"، لكن لن تعود الصحافة الورقيّة إلى سالف عهدها، إن عادت أصلا...

  • Subscribe to إقتصادية