وليد أحمد الفرشيشي

    من هو الوزير الخامس الذي يصرُّ سعيّد على استقالته؟ lomPLacD خميس, 02/11/2021 - 09:49 من هو الوزير الخامس الذي يصرُّ سعيّد على استقالته؟


    تدخلُ أزمة التحوير الوزاريّ أسبوعها الثالث دون أي مؤشّر على انفراجها في المستقبل القريب. فرئيس الجمهورية، قيس سعيّد، مصرُّ على رفض التحوير برمّته، ولقد بيّن ذلك بوضوحٍ يوم أمس، لدى استقباله وفدًا برلمانيا ممّثلاً لأغلب الكتل الوازنة في البرلمان، بينما يصرُّ رئيس الحكومة، هشام المشيشي، مدفوعا بنصائح حزامه السياسي، على التصعيد ومحاولة فرض تعديله الوزاريّ بالقوّة لو أمكن له ذلك. هذه هي الصورةُ العامّة في البلاد، وما قصّةُ أداء القسم إلاّ فاصلة أقلّ من عاديّة في مسلسل تنازع الصلاحيّات بين أجهزة الدولة، وإن كنّا أميلُ إلى القبول بتأويل رئيس الجمهورية في رفضه للتحوير الوزاريّ الأخير، تحويرٌ ما من هدف وراءهُ سوى الانقلاب على اتفاقٍ معلن يقضي بالحفاظ على طبيعة النسيج الحكومي، أي حكومة تكنوقراط مستقلّة تماما عن الأحزاب، على ألا تكون في قطيعةٍ معها، ضمانا لتسيير مصالح الدولة.
    وفي الواقع، لم يعد مجديا ههنا الحديثُ عن وجود علاقةٍ ما سويّة بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد، ورئيس الحكومة هشام المشيشي، فالقطيعةُ بائنة، لكنّ النهاياتُ ترفضُ غالبا أن تحمل بصمةً أخلاقيّة. ونحنُ لسنا بصدد الحديثِ عن عاشقين، لعبت صروف الدهر وتقلّباته بقلبيهما الفتيين، حتى انتهى بهما قدرٌ أحمق الخطى إلى الهجر وعذاباته، وإنّما عن رجلي دولةٍ، أحدهما على حقّ، والآخر يرفضُ أن يرى الأمور، كما هي حقّا: كلُّ ما يفعلهُ منسوبٌ إلى الخديعة وحدها، خديعة تغذيها شهوةُ السلطة. 

    تحوير تحرّكه الخديعة

    ولقد حدث أنّ نبّهنا في مقالاتنا السّابقة إلى خطورةِ هفوات رئيس الحكومة تحديدًا، وذلك منذ أن اختار المضيّ قدما في تطبيق أجندة حزامه السياسي، وفرض التحوير الوزاريّ بالقوّة. ولقد أكدنا في أكثر من مرّة، حتى قبل أن يتحوّل التحويرُ إلى حقيقة، خطورة ارتهان رئيس الحكومة المفرط إلى حزامه، حدّ عقده لقاءات خارجيّة في منازل حلفائه الجدد، بعيدًا عن أعين الصحافةِ والمتابعين. ولقد مهدت تلك اللقاءاتُ إلى تحويل اتفاقٍ سابقٍ إلى واقع، اتفاق كان قد عقده المشيشي مع رئيسي النهضة وقلب تونس، ويقضي بتغيير عدد من قصر قرطاج بعد مائة يومٍ من تنصيب الحكومة، مقابل منحه الثقة في البرلمان. وسيكونُ من العبث الصرف تذكير القارئ بأنّ حقيبتي العدل والداخليّة كانتا على رأس بنود هذا الاتفاق، لأهميتهما القصوى بالنسبة إلى حركة النهضة بدرجة أولى، وقلب تونس بدرجةٍ أقلّ.
    ومع أننا حذّرنا كإعلاميين ومتابعين من ذلك، إلا أن السيد هشام المشيشي اختار اللعب بالنّار والمضي قدما في ما نواه، وهنا ارتكب الهفوة الثانية، وهو عدم إعلام رئاسة الجمهوريّة بما قرّرهُ، لا بخصوص التحوير فحسب، وإنّما بخصوص تغيير تركيبة الحكومة نفسها، وهو ما يعدُّ مثلبةً كبرى. وإذ كان يفترضُ بالمشيشي أن يجري تقييما شاملاً وصارمًا لعمل حكومته، ومن ثمّة يظهرُ حسن نواياه وجدّيته في تحسين أداء جهازه التنفيذي، إلا أنّه اختار حلاّ "مخاتلاً"، أي تعيين أسماء تبدو في ظاهرها مستقلّة، بينما هي في الواقع مقترحاتُ حزامه، وهو ما فضح بالمرّة كلّ الأجندة، أجندة تسعى إلى تطهير الجهاز التنفيذي من وزراء قيس سعيّد، وهم مستقلون بالفعل، وتعويضهم بوزراء محسوبين على حزامه السياسي، تمهيدًا لمرحلة جديدة هي تمزيق نسيج الحكومة القديم وتعويضه بنسيج حزبي سياسيّ يوفّرُ له إقامة مريحة في القصبة.
    وقد يقالُ ههنا إنّ من حق رئيس الحكومة تغيير من يريد من الوزراء متى بدا له التغييرُ ضروريّا، غير أنّ هذه كلمة حقّ أريد بها باطل، ذلك أنّ فلسلفة التحوير نفسها قامت على الخديعة والشراهة إلى السلطة وخصوصًا تصفية حسابٍ قديم مع مؤسسة رئاسة الجمهورية. وههنا يتدخّل القدرُ ثانيةً، ويوقع الجميع في حبائله، مع اختيار أربعة وزراءٍ تعلّقت بهم شبهات فسادٍ وتضارب مصالحٍ. صحيح أنّ المشيشي نجح في تمرير حكومته، بل وعزّز من أغلبيته البرلمانية، بعدما وزع الأعطيات الوزارية على كتلٍ لم تكن تحلم يوما بأن تضع قدما في السلطة (كتلتا الإصلاح وتحيا تونس نموذجًا)، إلا أنّه لم يأخذ تحذير قيس سعيّد محمل الجدّ، وهاهنا رفض رئيس الجمهوريّة أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين أمامهُ، ما أربك حسابات المشيشي وجماعته تمامًا.

    ماذا عن الوزير الخامس؟

    وبدلاً من أن يرى المشيشي الأمور من جوانبها الأخلاقيّة والقانونية، ويبادر إلى استعفاء وزرائه الأربعة حفاظا على ماء وجهه، عمد مجددا إلى التصعيد، مراكما الهفوات القانونية والشكلية، كمراسلة رئاسة الجمهورية، مرة أولى وثانية، أو الاستنجاد بالمحكمة الإدارية التي أعلمته بعدم اختصاصها، أو في اجتماعه بخبراء القانون الدستوريّ، وجلّهم من المتحيزين إلى أجندته السياسية،  وقد غاب عنهُ أنّ رئيس الجمهورية هو من يحتكر تأويل الدستور، في غياب المحكمة الدستوريّة، وأنّ ملاعبة الرّجل في ملعبه المفضّل، أي القانون الدستوريّ، ما هي إلا خطوة خرقاء تجبر مرتكبها على السقوط من حالقٍ.
    ولقد حدث أن أعلنها رئيس الجمهورية بوضوحٍ حين قال يوم أمس "الشعبُ من أمامكم والدستورُ من ورائكم، فأين المفرّ"، وهنا لم يقصر الرجل حديثه على رئيس حكومته وإنّما على كلّ المتحالفين معهُ، في رسالةٍ لا يغفلُ معانيها سوى أحمقٌ أو مخادع، رسالة تقولُ لا سبيل إلى التلاعب بمصالح الشعب التونسي خدمةً لشهوات الأحزاب.
    غير أنّ موقف رئيس الجمهوريّة الرافض للتحوير برمّته لا يعني كذلك أنّه رافضٌ للحلّ السياسي، إذ ما تسرّب لنا من وقائع لقائه يوم أمس بعدد من ممثّلي الكتل، أكد لنا في المجمل أنّ رئيس الجمهورية كان ينتظرُ أن يعدّل رئيس الحكومة بوصلتهُ ويستعفي الوزراء الأربعة، وهذا ما لم يحدث، لتصبح الحجّة الآن على هشام المشيشي نفسه، بعد أن وضع أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا استعفاء الوزراء أو استقالته هو.
     والأقربُ إلى المنطق أنّ الوزير الخامس الذي بات رئيس الجمهوريّةُ يريدُ رأسه بالفعل هو هشام المشيشي التي أثبتت الوقائعُ والأحداث أنّه تحوّل إلى أداة طيّعة في يد حزامه السياسي يفعلُ بها ما يشاء حتى وإن كان ثمنُ ذلك تعطيلُ مرافق الدولة وإصابة البلد بأكمله بالشّلل.
    فعلى أيّ هيئة ستأتي خطوة "الوزير الخامس" القادمة، بعد أن أعلن رئيس الجمهورية أمام ممثّلي الكتل البرلمانية، موقفهُ النهائيّ؟
     

     

  • على هامش التحوير الوزاري الأخير: ذكور السياسة.. ذكور ونصف! lomPLacD سبت, 01/30/2021 - 10:11 على هامش التحوير الوزاري الأخير: ذكور السياسة.. ذكور ونصف!


    "المرأة ليست مسحوقًا للتجميل"، هكذا علّق قيس سعيّد، رئيس الجمهوريّة، على غياب المرأة عن التعديل الوزاري الأخير. والحق أن إشارة رئيس الجمهوريّة لم تجانب الصوّاب، إذ كان يفترضُ بحكومةٍ تدافعُ عن خيار "الاستقلاليّة" و"الكفاءة" أن تدفع بالمرأة التونسيّة إلى مكانها المستحقّ، وهو مشاركةُ الرّجلِ أعباء مسؤوليّة إدارة الدولة. بيد أننا نعرفُ في قرارة أنفسنا أن استقلاليّة حكومة المشيشي واعتمادها معيار "الكفاءة" ما هي إلاّ حملة إعلانيّة مدفوعة الأجر والحساب، طالما أنّ البقاء في المنصب، كلّف ذلك ما كلّف، هو البوصلة. وحتّى لا نتّهم بالتجنّي المجّاني على حكومة "الذكور"، سنغامرُ عن قناعةٍ ونقول إنّ الفضاء السياسي التونسيّ برمتّه هو فضاء ذكوري بامتياز، فضاء متنطّع على كلّ مقولات تمكين المرأة سياسيا واقتصاديا واجتماعيّا وصحيّا.
    ففي نظر ذكور السيّاسة، لا مجال أمام المرأة سوى انتظار أعطيات القادة وهباتهم فحسب، أمّا اعتمادُ معياري المساواة والكفاءة وحدهما، فهي مسائل غيبيّة متروكةٌ للتائهين في صحراء النظريات الحقوقيّة الكبرى. وحين تواجههم بواقع الثورة التي تقدّمت المرأة التونسيّة صفوفها الأولى، فيما كان بعضُ الذكور الذين يمسكون بتلابيب السلطة حاليا مختبئين تحت ملاءات أسّرتهم، يجيبونك بأنّ المسألة "غير مقصودة"، وأنّ المعروض النسائي في سوق التوظيف السياسي، لا يستجيب إلى متطلّبات المرحلة.
    وكلّنا تقريبًا يعلمُ أنّ هراء ذكور السياسة بخصوص موضوع التمكين السياسي للمرأة لا يعادلهُ سوى إخفاقاتهم في إدارة أزمات البلاد، مثلما نعلمُ أنّ هذا النزوع إلى احتكار العمل السياسي، لا يخفي وراءهُ إيمانًا بمبادئ الثورة نفسها، بقدر ما يكشف عن هوسٍ مرضيّ بالسلطة.
    وهذا الأمرُ عايناهُ مع المنظومة السّابقة نفسها التي ابتدعت تقنية "الكوتا"، تقنية فرضت "توظيف" نسبة معيّنة من النساء في البرلمانِ أو في الحكومة، دون أيّ اعتبارٍ لمعيار "كفاءة"، ليتكرّر الامرُ بعد الثورة مع تقنيّة "التناصف" في القوائم الانتخابية، وهي تقنية خبيثة، تتظاهرُ بفسح مجال العمل السياسي أمام المرأة، بينما تمكنّ قادة الأحزاب من "الذكور" من رقابهنّ، بل إنّ أغلب من تمكنّ من الصعود إلى سدّة المجالس البلدية والنيابيّة، كنّ خاضعات تمامًا للتقليد الذكوري السائد في تعيين المقرّبين والأصفياء والندماء وكلّ من عثرت أقدامه أمام مقرات الأحزاب.
    وسيكون من باب العبث المطلقِ أن نعدّد الأمثلة بهذا الخصوص، إذ تكفي نظرة على أغلب سيّدات مجلس النّواب، أو وزيرة حكومة المشيشي الوحيدة (من باب المضحكات المبكيات أنّها تشغلُ حقيبة.. المرأة)، لنقف على ضخامةِ حجم المهزلة، في دولة تدّعي أنّها ديمقراطية، وتكرّسُ المساواة أمام مواطنيها. بل إنّنا لن نعدم الأمثلة التي تكشف زيف الادعاء الذكوري حول تمكين "المرأة"، إذ يكفي أن نعاين منسوب العنف المسلّط على المرأة السياسية في تونس (عبير موسي، سامية عبو، نادية عكاشة، وأخريات...) لنتأكّد من حقيقةٍ جوهريّة تقولُ إنّ "ذكور السياسة في بلادي، ذكور ونصف". 
    والمعلوم أنّ وضع الأزمة في تونس، بمختلف تجلّياتها السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يقتضي مشاركة جميع القوى الحيّة في إدارتها، وإيجاد الحلول لها، بل والتفكير تمامًا من خارج "الصندوق"، صندوقٌ لو فتحناه لما وقعنا سوى على "ذكورٍ" بمرجعيّات متباينة في الظاهر، إلاّ أنّها تضع المتاريس والسدود أمام مشاركة سياسية واقتصادية واجتماعيّة فعّالة للمرأة التونسيّة، وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدلٌّ على وضع هشاشة نفسيّة ما تزالُ ترى المرأة التونسيّة في منزلة ربّة البيت، الضعيفة والعاجزة عن تدبير شؤونها بمفردها.
    ماذا سنفعلُ إذن بخريجات الجامعات؟ ماذا سنفعلُ بهذا الكمّ من الأساتذة والدكاترة والكفاءات النسائية التونسية وبعضها موزّعٌ على قارات العالم الستّ؟ ايّ رسالة نقدّمها إلى الأجيال الجديدة؟ بل أيّ رسالة نقدّمها لكلّ من ساهمن في بناء الملحمة الديمقراطية، ثورةً وتحريرا وبناء وتصدّيا للمشاريع الظلامية؟
    إنّ حماية المرأة التونسية تحتاجُ أوّلاً وأخيرًا إلى تمكينها من حقوقها السياسية الأساسية، بناءً على عقيدة صلبة، ترى فيها الشريك الفاعل، لا العاجز الذي ينتظرُ من ذكر السياسة منّةً أو هبة. والتمكينُ يبدأ أساسًا بتثوير الوضع القائم، وتغييره، لا في إطار حملات إشهاريّة، يحتجُّ بها لدى المانحين الكبار والمؤسسات العالمية وغيرها، وإنّما في إطار من الشراكة الكاملة، والمساواة الكاملةِ كذلك، وإلاّ فستراوحُ أزماتُ البلادُ مكانها، طالما أنّ نصف المجتمعِ معطّلٌ من داخل الصندوق، حيثُ يتهاوشُ الذكور على كعكة الحكم الدّسمة !
     

  • Subscribe to وليد أحمد الفرشيشي